“كورونا” والسياسة العالمية

لـ

هل هناك بوادر حقيقية لانفراج من هذه الأزمة العالمية التي خلقتها جائحة كورونا؟ أم أن أغلب الدول في العالم لا ترغب في إخافة شعوبها خوفًا من انتفاضها أو تعبيرها عن الهلع بشكل هستيري أو خطير قد يؤدي إلى الاستقرار العالمي اقتصادياً وسياسياً؟ وهل بالفعل، هناك أيادٍ خفية وراء هذه الأزمة كما يتهم طرف الآخر بأنه هو وراء الفيروس أو على الأقل عدم الاعتراف بخطورته وقدرته على تدمير الدول والشعوب في المعمور؟

أسئلة مثل هذه قد تكون أسئلة طرحت من قبل على لسان العديد من الباحثين والمحللين، لكنها تبقى أسئلة بدون أجوبة، نظراً لغياب المعلومات الكافية والصحيحة والواقعية حول الأعداد المتحمل إصابتها في بعض الدول، وكذلك نظراً لغياب حقيقة كورونا سواء من الناحية العلمية أم من النتائج التي قد يؤدي إليها استفحاله وتدميره لمناعة الإنسان مستقبلاً. وهذا ما يؤكد لنا بالملموس أن هناك تغطية ما، أو توجيها معينا من طرف القوى الكبرى لإعلامها لتكريس وعي إنساني وبناء رأي عام سياسي واقتصادي وثقافي معين، يخدم مصالحها الاقتصادية والسياسية في المستقبل، في ظل بروز قوى سياسية واقتصادية عالمية كبرى بدأت تشق طريقها في العالم. 

في ظل هذه الجائحة، ما زالت الحروب الأهلية مندلعة، ومازالت تهديدات أمريكا لإيران، ومازالت الصراعات السياسية والاقتصادية على أشدها. فهل في ظل مثل هذه الظروف الخطيرة وفي ظل اجتياح كورونا لأمريكا مثلاً بعشرات الآلاف أو مئات الآلاف وهي لم تراعِ ولم تتراجع عن تهديداتها؟ وهل يعقل في مثل هذه المعاناة التي تعانيها الشعوب في العالم كله، يمكن لهذه القوى الكبرى أن تفكر في خلق صراعات جديدة وخلق مناطق توتر جديدة؟.

هل لنا الحق في الشك؟ أم أننا مدعوون لتقبل كلامهم وما يؤكده إعلامهم المسيطر على المعلومة؟ وهل هناك إمكانية للتحليل السياسي المنطقي ومواجهة هذا الإعلام العالمي المسيطر بدعم من السلطة السياسية الغربية والمتدخلين الاقتصاديين الذين يبحثون عن الربح بكل الوسائل المتاحة لهم سواء كانت شرعية أم لا؟  لقد فرضت علينا الثقافة التي ننتمي إليها أن نتيقن من الأمر قبل أن ندلي برأينا ونحدد موقفنا من القضايا المحلية والوطنية والعالمية، وهذا ما دفعنا إلى التريث قبل أن نكتب عن هذه الأزمة التي يعيشها العالم ونعيشها معه في بلدنا، لأننا اكتوينا بها وصرنا نعاني منها على جميع المستويات، ويكفي أن نستحضر ذلك الخوف الذي ينتابنا من فقدان أعزاء علينا وأصدقائنا وأحبائنا، رغم الحجر الصحي الذي اتخذته السلطات المغربية مبكراً قبل استفحال المرض والوباء. 

العالم، اليوم، صار مختلفاً، على الأقل صرنا نتحدث عن تغير في المفاهيم التي تتعلق بالتضامن الشعبي والعالمي، الذي لم نرَ له مثيلاً من قبل. بل أصبح التضامن بين أفراد الشعب الواحد شيئاً خيالياً وصل إلى الحد الذي بدأ السياسيون ورجال الأعمال، الذين كنا ننتقد جشعهم ونهبهم وفسادهم أمس، أول من بادر إلى التضامن والمساهمة بأرقام خيالية في صناديق أسست لمواجهة الجائحة والوباء. وهذا لعمري، يمكنه أن يكون بادرة خير في مستقبل العديد من الشعوب، لأن معدن الإنسان هو الخير والتضامن، وليس الشر والجشع. 

نعود إلى موضوع علاقة هذا الوباء بالسياسة العالمية، التي وإن كنا نعتبرها سياسة عمياء على العديد من المستويات، فإن المستقبل كفيل بتغييرها وبتكريس سياسة مختلفة مهما طال الأمر. ولعل من حسنات كورونا هي مساواة الحاكم بالمواطن العادي، وصار الجميع في سفينة واحدة إذا ما غرقت فسيغرق الجميع، ولن يجد الأول ملاذاً آخر يهرب إليه. فكل البلدان التي كان يمكنه أن يهرب إليها في حالة ملاحقته أو محاكمته هي الأخرى يجتاحها الوباء والموت. 

اختلفت العديد من التدابير والإجراءات التي اتخذتها العديد من الدول في العالم، وخاصة الدول الأوربية وأمريكا التي كانت تستهين في البداية بقدرة كورونا على الاجتياح والقتل والانتشار كالنار في الهشيم، في حين كانت بلدان أخرى، وعلى رأسها البلدان العربية، ذكية إلى أبعد الحدود في اتخاذ الاحتياطات والتدابير للحد من انتشار الوباء بسرعة قاتلة كما وقع في أوربا وأمريكا وبعض الدول الشرق-أوسطية كإيران مثلاً، وهذا ما جعل البعض يشكك في ذكاء حكام بعض الدول الغربية، وفي تفضيلهم للاقتصاد على الشعب والأنفس والإنسان وأن كل الشعارات التي يرفعونها هي مجرد ذرٍ للرماد في العيون وبهتان واضح. ألم يكنْ من الأولى اتخاذ إجراءات قوية وجازمة خاصة وأنهم يملكون مراكز أبحاث على مستوى كبير تستبق العديد من الأشياء قبل استفحالها وظهورها. فأين ذهب كل هذا مما وقع ومازال يقع لهم؟.

تبدو علاقتنا بالوباء كبشر منذ مئات السنين، علاقة يشوبها الهلع والخوف، وليس علاقة التحدي والقدرة على المواجهة. فرغم تلك الحمية التي تبدو على العديد من الحكومات في العالم ومراكز الأبحاث فإن الجميع يشعر بخوف شديد من الفشل في الاحتواء ومواجهته بشكل أو بآخر، نظراً لأن الإنسان بطبيعته يتشبث بالحياة ويرغب في الاستمرار والبقاء على قيد الحياة مهما سلخ من العمر. فقد ارتبط التفكير لدى الإنسان بالحياة الدنيوية بمدى تحقيقه لسعادته وتمكنه من تحقيق رغباته الذاتية حتى ولو كانت على حساب نظيره. وهذا يتطلب تغييراً في التفكير والتعاطي مع الوجود في حد ذاته في الدنيا، ومدى قدرة الإنسان عموماً على إعادة النظر في مفاهيم الحياة والموت والبقاء والوجود والكمال والنقص والتطور والسعادة و… فمن خلال هذا يمكننا الحديث عن غياب الصراع الإنساني وعن الحروب المدمرة مادام الإنسان يفكر في نهايته وموته في الأخير. فهل يعلمنا وباء كورونا شيئاً يمكنِّنا من إعادة التفكير في وجودنا وماهيته؟.

في حقيقة الأمر، كان وباء كورونا كريماً معنا، على الأقل أنه منحنا هامشاً لإعادة التفكير في أنفسنا وفي حقيقتنا الوجودية، ودفعنا إلى إعادة النظر في تعاطينا مع الصحة ومع العلم. بل جعل العالم كله يتجه إلى مصالحة أهل الطب ومهن الصحة والتعليم والأمن، والتفكير فيهم والتشبث بهم باعتبارهم تلك القشة التي يمكن للجميع التعلق بها للنجاة من الغرق. ففي ظل هذه الأزمة، غاب الرياضيون النجوم، والفنانون الأذكياء والأغبياء، والسياسيون الكوميديون وغير الكوميديين، والمهرجون في الإعلام ومن يصفق لهم، وغاب التافهون الذين استولوا على الإعلام في العقد الأخير من القرن الواحد والعشرين،… غاب هؤلاء كلهم ليظهر رجل الصحة والتعليم والأمن، لأنهم يعتبرون في الواجهة الحقيقية لتوعية المجتمع بحقيقة المرض وبخطورة الجهل على الجميع. 

0 537 07 أبريل, 2020 الخامس بعد المئة, العدد الأخير, ثقافة وفكر أبريل 7, 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.