الأطراف والمركز ورأسمالية المال والعمال

لـ

في العقود الأخيرة، على الرغم من استمرار نمو المدن في جنوب العالم نتيجة الهجرة الريفية إلى المركز المدني، تسير المدن في شمال العالم في الاتجاه المُعاكس، حيث يستفيد المزيد من سكان العالم الأغنياء من إمكانية العمل عن بعد والانتقال إلى مجموعات سكنية أصغر (كوباوندات)، ومُلكية ضيعات ريفية (مزارع وعزب) بتكلفة أرخص وحياة ذات نمط ترفيهي.

برزت عدة مُشكلات في طريق تعمير المُدن، وصار التطور الرأسمالي المُتزامن والمُلازم لديناميات التعمير، تصاحبه زيادة في معدلات الفقر واللامساواة وانتشار الجريمة وهشاشة التكافل الاجتماعي، ومؤخرًا، جاء الانتشار السريع لوباء كورونا المستجد، والحجر المنزلي لملايين الأشخاص، وتقييد حرية الحركة، والإجبار على العمل عن بُعد، ليجعلنا نفكر أكثر حول طبيعة المُدن التي نعيش فيها، وقدرتها على توفير حياة ملائمة لكل فئات الشعب، أم أن المدينة وطبيعة نشأتها لا تلائم إلا أصحاب الفوائض الرأسمالية الكبيرة.

كشف فيروس كورونا عوار “المدن الحديثة”، ليس لأنها تخلق الفقر؛ بل لأنها قد تحولت لحيز إسمنتي يهدد حياة الجميع حتى الأغنياء بنقل عدوى مميتة لهم، في باكورة عمله الأدبي تساءل جورج أورويل في رواية “متشرداً في باريس ولندن” : “حين يفكر المرء، يجد من الغريب، أن آلاف الناس من مدينة حديثة عظيمة، عليهم أن يمضوا ساعات يقظتهم في غسل الصحون داخل جحور ساخنة. السؤال الذي أقدمه هو: لماذا تستمر هذه الحياة، ما غايتها، ومن يريد استمرارها، ولماذا؟”

نظريات حول المدينة

يرى بعض خبراء الدراسات الحضرية وبرامج المُدن في الأمم المتحدة أن الكثافة السُكانية دليل جودة للحياة، فالمدينة ذات الكثافة السكانية العالية تكون الأكثر  كفاءة في استخدام الطاقة، وذات قدرة على ضمان الصحة العامة، وتهتم أكثر بالحفاظ على المناخ. ومع مطلع الألفية الجديدة كان نصف سكان العالم يعيشون في المدن، ويتنبأ الخبراء أنه بحلول العام 2050 سوف تصل نسبة سكان المدن في العالم إلى 65%.[i] يُنظر إلى المدينة بوصفها وعاء كبيرا يحمل قدرًا من الثراء والتنوع في المجالات الاقتصادية والبيئية والسياسية والثقافية. كما أن أسلوب الحياة في المدينة يؤثر في الطريقة التي نتعامل بها مع غيرنا من البشر ومع المساحة التي نقيم بها.

تبدو نظرة الأمم المتحدة قاصرة، بمجرد تفحص عشوائية وتلوث مُدن مثل مومباي الهندية، ساوباولو البرازيلية، القاهرة المصرية… وغيرها مِن المدن، وتفاقم مُشاكلات العزل الاجتماعي والمساحي جراء خصخصة الموارد المشتركة والمساحات العامة. إلى جانب خلق مساحات عمرانية واسعة تتميز بالفقر وسوء الأحوال المعيشية، وتزيد داخلها مخاطر التعرض للكوارث الطبيعية. تلك المدن التي نراها في عالم اليوم هي أبعد ما تكون عن تقديم الظروف والفرص العادلة لسكانها. هذا يعني أن الحضور الكثيف للسكان لم يكن إلا لتوفير أيدٍ عاملة لخلق فائض قيمة (أرباح) لتنقل لمُدن آخرى في شمال العالم، أو لتُستغل لخلق مساحات عيش خاصة بالأغنياء.

في عام 2005، صدر الميثاق العالمي للحق في المدينة، وجاء فيه: “إن مُعظم سكان المدن محرومون بدرجة أو بأخرى حسب خلفياتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعرقية وحسب نوعهم الاجتماعي وأعمارهم من الوفاء بحاجاتهم وحقوقهم الأساسية. وتعود تلك الأوضاع إلى تجاهل السياسات العامة لقدرات السكان على الإسهام الإيجابي في بناء المدينة وممارسة حقوق المواطنة، وهو الأمر الذي يفاقم من تدهور الأوضاع المعيشية في المدينة. وتنتج عن تلك الأوضاع مشاكل متنوعة تشمل حالات الطرد الجماعي من السكن والعزل بين فئات السكان، مما يؤدي إلى الإضرار بفرص التعايش الاجتماعي.”[ii]

كما دعا ميثاق الحق في المدينة أن تشمل الرعاية الصحية والخدمية والحقوق السياسية  كل المواطنين بدون أي تمييز على أساس النوع أو السن أو الدخل أو الجنسية أو العرق أو ظروف الهجرة أو الميول السياسية والدينية والجنسية. و”الحق في المدينة” مصطلح صاغه المُنظر الفرنسي هينري لوفيفر[iii] عام 1968 عقب تظاهرات حاشدة قادها الطلاب وبعض النخب في باريس ضد الصعود المتنامي للرأسمالية التي سعت للسيطرة على المدينة التاريخية وإدخالها في سيرورة التحول إلى نموذج مدينة استهلاكية خاضع لمتطلبات التطور الرأسمالي، ومزار سياحي للتخلص من رأس المال المتراكم.

فباريس باعتبارها نموذجًا خُلق من أجل لقطة، صورة جمالية، يُحشد خلفها مئات الأولوف من البؤساء في مساكن، وشوارع ضيقة، لا تراعي أي ظروف صحية أو إنسانية، يصف جورج أورويل الفخامة المُتخيلة لباريس في روايته سالفة الذكر: الفندق “الأنيق” هو، أساسًا، مكان يكدح فيه مائة إنسان كالشياطين، حتى يدفع مائتا شخص مبالغ كبيرة لأشياء لا يريدونها حقا.[iv]

هكذا، فالمدينة التي يذهب رجل الأعمال فيها إلى فندق شديد الفخامة، هي المدينة ذاتها التي تحتاج إلى مجموعة من الأفراد ذوي الدخل الأدنى الذين يقومون بتقديم الخدمة إلى الرجل ذاته، هكذا تصنع المدينة ملهاتها الخاصة عبر التلاقي التراجيدي بين الغني والفقير، وكما تفرض على رجل أعمال آخر أن يقوم ببناء فندق فاخر، كما تفرض على رجل أعمال ثالث أن يبدأ في بناء مشروع سكني مدعوم غالبًا من الحكومة (عشوائي، بلا خدمات، غير مطابق للمواصفات الآدمية… إلخ) قريب من الفندق الفاخر حتى تستطيع العمالة ذات الأجور المنخفضة في هذا الفندق أن تصل إليه بسهولة، أو أن توفر الحكومة وسائل نقل عام (مترو، ناقلات جماعية…) التي تسبب الزحام في الطرق، حتى يصل هؤلاء العمال إلى عملهم يوميًا. أي إن التكدس في المدينة ليس نتيجة مباشرة لزيادة السكان، بل ضرورة رأسمالية مطلوبة يُعرفها الخُبراء بـ “انخفاض تكلفة المسافة”، أي إن الزحام الذي يؤدي إلى انتشار الفيروس التاجي، هو آلية تراكم للرأسمال.

يُعرف هنري لوفيفر، وخلفه المنظر الاجتماعي والجغرافي الماركسي ديفيد هارفي “المدينة”[v] كونها امتدادا لمبادئ الرأسمالية وتناقضاتها القائمة على الجشع والرغبة في تصريف فائض الإنتاج وتحقيق المزيد من فائض القيمة. كما أنها امتداد للاستلاب الذي تمارسه الطبقة البرجوازية وتجسيد له في الآن ذاته، إذ إنها تبنى، في الوقت نفسه، من خلال الرأسمال الذي تمت مراكمته عبر استغلال جهود العمال، ومن خلال سلب العمل الجماعي الذي تم تشييده من طرف سكان المدينة. 

يرى هارفي أن الرأسمالية بعد أن أحكمت قبضتها وسيطرتها على المدن، جعلت منها مجالاً لتصريف فائض الإنتاج، وهذا يجعل نشوء هذه المدن يسير وفق رغبة الرأسماليين وطموحهم، دون مراعاة حق فئات عريضة من الأفراد في إنشاء مدينة تقوم على مقاسهم وأهوائهم. وتتم هذه العملية حسب هارفي داخل سيرورة التطوير العمراني، فهذا الوضع يجعل من سيرورة التمدن نتيجة حتمية لتطور النظام الرأسمالي.[vi]

ويعرف الأستاذ الجامعي معين حداد[vii] المدينة بوصفها مركز الرأسمال ومؤسساته الإدراية، فالمدينة هي مجال الرأسمالية الأولية، ومنصتها التي تنطلق منها القوى الرأسمالية نحو الاستثمار في مجال العقارات السكنية والفندقية والسياحية والترفيهية من أجل توفير مجال أوسع لجني الأرباح، وتوظيف الفوائض الرأسمالية في مشاريع توسعية جديدة، ما يجعل الاستراتجية الرأسمالية في حاجة دائمة لتوسيع حيز المدينة ونطاقهاجغرافيًا وسياسيًا ومعرفيًا.

كما تعالج المدينة المعوقات التي تواجه توسعها مثل قلة الأيدي العاملة، باستقطاب أكبر عدد من الأيدي العاملة من الأرياف داخل حدود الدولة، أو من دول فقيرة كثيفة الأيدي العاملة، كما تقوم بتطويع التكنولوجيا كتهديد دائم للعمال، وللحد من تكتلهم والحيلولة دون تكوين أي نقابات عمالية قوية، إلى جانب تجريف أرض المدينة ومحيطها من أي مواد أولية صالحة للاستخدام في عمليات اقتصادية تعزز المركز الرأسمالي، وتحقق فائضاماليا يُعاد استخدامه، دون النظر إلى أي انعكاسات بيئية وصحية سلبية على ساكني هذه المدينة. 

المدينة مُنتج للفيروس

سيرورة التمدن تسير قدما بقدم مع سيرورة الحياة، بمعنى آخر ادعت المدينة أنها قادرة على توفير الرعاية الصحية لجميع ساكنيها خلافًا عن الريف؛ لكن أزمة فيروس كورونا كشفت عوار هذا الادعاء، فالرعاية الصحية كانت مرتبطة بالحياة بعيدًا عن الخطر، أي إن الدولة لن تهتم بحياة المواطن أكانت كريمة أم لا، ما جعل نمط حياة المدينة المليء بالأمراض العضوية العُضال (سرطانات – نقص مناعة – سوء تغذية …إلخ) والأمراض الاجتماعية (فقر – جريمة – قهر …) خلال أزمة كورونا هو سبب مُا عد لموت أكبر عدد من السكان.

أي إن ترهل الخدمة الطبية داخل المُدن الكبرى في العالم لم يكن حالا مفاجئا بل هو حصيلة سنوات من إهمال نمط الحياة، فكبار السن (كبش فداء هذه الأزمة) بقوا لعقود بدون رعاية صحية واجتماعية كافية خصوصًا في الطبقات ذات الأجور المتدنية، والعاملين في الأعمال الحُرة غير المؤمنة. عجزت المدينة عن تقديم أي تنازلات للمواطنين نتيجة سياسات طويلة الأجل فضلت السوق والتمدن الرأسمالي على صحة المواطن. 

فالمستشفيات الخاصة في مدينة لوس أنجلوس الأمريكية[viii]، ترددت في فتح أبوابها أمام المرضى بدون رسوم إضافية، هذا الفائض المعماري مِن المساكن الفاخرة غير المُستغل، داخل نطاقات المُدن حوله الفيروس التاجي في لحظة إلى مأوى للمشردين، المدينة الرأسمالية صارت تواجه وجهها الآخر.

لسنوات، اعتبرت المُدن في جنوب العالم وشماله، من المدن المركزية للمال (نيويورك، هونج كونغ…) إلى مدن الصفيح (مومباي، القاهرة…)  نفسها مثل “علب سردين” فبحسب تصميم المباني السكنية والمنشآت الحكومية والأحياء الفقيرة وحتى الراقية كانت تحشد أكبر عدد من الخدمات والمطاعم والنوادي والمدارس والمستشفيات في أضيق حيز ممكن، حيث كل متر يجب استغلاله لإنتاج أكبر فائض قيمة ممكنة. هذا ما يجعل فيروس كورونا وباء قادرًا على إفناء مُدن كاملة، نتيجة تكدسها السكاني وكثافة مبانيها وكثرة شوارعها الخلفية الضيقة، التي يصعب احتواؤها وتطهيرها، وجعلها بؤرًا موبوءة بشكل مستمر.

كورونا يفرض التغيير الإجباري على طبيعة المعيشة في المدينة؛ بل يثبت فشل نمط حياة المدينة، حتى الآن الأثر الواضح هو أن نمط الفردانية الرأسمالية التي صعدت على أكتاف المدينة يتهاوى أمام الضرورة المُلحة للشعور بالمسؤولية الاجتماعية المُلقاة على عاتق الجميع داخل الحيز السكني المدني بشقيه الغني والفقير. لكن ما زالت الانقسامات الديموغرافية التي فرضتها المدينة بين الطبقات وحتى الفئات العمرية عبر تخصيص حيزات سكنية وترفيهية لكل فئة على حِدة تُشكل عائقا في إيجاد أرضية مُشتركة للتواصل بين المجتمع بعمومه، وهذه الأرضية المُشتركة إن وجدت ستوفر دعمًا أكبر لصالح الفئات الأكثر ضعفًا وعُزلة، وستشكل دروسًا سياسية مهمة مِن صياغة فكر عُمراني مديني جديد يُنفذ خلال وبعد الأزمة التي نعيشها مع فيروس كورونا.

الخروج من المدينة 

أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا التي سيواجهها الساسة وأصحاب رأس المال العقاري، هو كيفية التخلص من تراث المدينة الثقيل على البشرية، والمضي قدمًا مِن أجل توفير بيئة صحية أكثر استدامة تهتم بصحة السكان ككل دون تمييز، وتوفر نمط حياة غير قاتل، وتجاوز أولوية السوق لصالح المجتمع.  و الأخذ في الاعتبار أن السياسات المعمارية التي سيتم وضعها حاليًا ستشكل طبيعة المدينة خلال العقود القادمة، على الأقل كمحاولة لتقليل فرص تحول المدن لبؤر وبائية. 

 اهتم ميثاق الحق في المدينة بعدة مقتراحات من المفيد إلقاء الضوء عليها، لعلها تشكل أحد الحلول المُلحة في هذا التوقيت، خصوصًا مع زيادة المطالبات في مدن العالم الشمالي بضغط على أصحاب رأس المال العقاري بالكف عن ممارسة ألاعيبهم خلال الأزمة في الأسواق لصالح زيادة أرباحهم[ix]، فصار لازمًا أن تصدر تشريعات مناسبة وتوفر الأساليب والعقوبات التي تقدم المصلحة الاجتماعية والثقافية الجماعية على حقوق الملكية الفردية ومصالح المضاربين، كما يجب على الحكومات أن تكافح المضاربة على العقارات من خلال اتباع السياسات المناسبة، لتحقيق التوزيع العادل للأعباء والمزايا الناتجة عن عمليات التحول العمراني، ومن خلال اتباع أدوات اقتصادية وضرائبية ومالية وإنفاقية تستهدف تحقيق أهداف العدالة والتنمية العمرانية المستدامة. ويجب أن يتم تحويل المكاسب الجارية الرأسمالية الناتجة عن الاستثمار العام، والتي لا تستفيد منها حاليًا إلا شركات العقارات والقطاع الخاص لخدمة البرامج الاجتماعية، التي تدافع عن الحق في الإسكان والحياة الكريمة لقطاعات السكان التيتعيش ي ظروف متدنية وأوضاع غير آمنة.[x]

 وتحرص الحكومات على الاستفادة الكاملة من أراضي المدينة، ومن الممتلكات العامة والخاصة المهجورة وغير المستخدمة والقليلة الاستخدام وغير المأهولة تحقيقا للمهمة الاجتماعية للملكية. وعند صياغة وتنفيذ السياسات العمرانية.[xi]

 كما صار لازمًا على النخب المدنية أن تلعب دورًا اجتماعيا يضمن لكل ساكني المدن الاستخدام الكامل للموارد التي يقدمها مُحيطهم. وهو ما يعني أن الحكومات يجب أن تقوم بالمشروعات والاستثمارات لصالح المجتمع الحضري ككل، ووفقا لمعايير المساواة في التوزيع والتكامل الاقتصادي، مع احترام الثقافة والاستدامة البيئية وضمان رفاهة كل ساكنيها، وذلك في توائم مع الطبيعة وبهدف خدمة الأجيال الحالية والمستقبلية.[xii]

يجب أن يتم استخدام المساحات العامة والخاصة، وموارد المدينة ومواطنيها على أساس الأولويات الاجتماعية والثقافية والمصالح البيئية. ولكل المواطنين الحق في المساهمة في امتلاك الأراضي الحضرية بشكل يتفق والمعايير الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية ومع ظروف الاستدامة البيئية. ويجب أن تهدف السياسات العامة إلى استخدام المساحات والأراضي الحضرية بشكل يؤكد على مفاهيم العدالة الاجتماعية، والتوازن البيئي وفيظروف من الأمن والمساواة بين الجنسين.[xiii]

الخاتمة

الآن، نتفاجأ بوصفنا ساكني مُدن بمُتغيرات لا يمكن التنبؤ بها نتيجة وباء كورونا، فالتلوث وما ينتج عنه مِن سرطانات وأمراض صدرية نتيجة الإنتاج الهستيري، لم يعد يلوث الفضاء أو يتسبب في ظاهرة الاحتباس الحراري التي يتم تهوينها، بل صار عاملا مساعدا لفيروس كورونا لقتل أكبر عدد من سكان المُدن.  والأغنياء صاروا في أزمة تعطل الأيدي المنتجة لفائض القيمة الرأسمالية، كما أن الفقراء صاروا مُهددين بخطر الفناء أو مزيد من التشرد والسقوط أكثر في قبضة الفقر الوجودي. قطاع الصحة في المدينة أثبت فشله وعجزه التام عن تقديم مهامه اللازمة للجميع. عالم الاتصالات المرافق للمدينة أثبت فشله لأنه لا يمكنه أن يحل بديلًا عن العلاقات المُباشرة بين البشر، الأغنياء والفقراء أجبروا على الالتقاء في الورطة نفسها داخل نفس المدينة.

 اكتشف الجميع فجأة أن الخوف من العامة خوف خرافي. مستند إلى فكرة وجود فرق غامض أساسي بين الأغنياء والفقراء، كأنهما من رِسّين مختلفين. وفي الحقيقة لا يوجد مثل هذا الفرق. إن جمهرة الأغنياء والفقراء يتمايزون بدخولهم وليس بأي شيء آخر. والمليونير العادي هو غاسل الصحون العادي مرتديا بدلة جديدة. بَدِّل المواقع، واقلب الأشياء: مَن القاضي؟ من اللص؟ كل من اختلط مع الفقراء على قدم المساوة يعرف هذا جيدًا[xiv]، كما قال أورويل.

المدينة كما فيروس كورونا، قاتلة خصوصًا في هذا الزمن الذي تزايد فيه النفوذ اليميني المتطرف، وصار يحكم رأس المال المتطرف والفكر الإثني للعالم مِن الولايات المُتحدة مرورًا بالبرازيل والهند حتى المجر. إن فيروس كورونا قد يشكل مدينة جديدة أشد تطرفًا، وإقصاءً من سابقتها. فالرأسماليين واليمنيين المتطرفيين، صاروا يملكون قدرات تكنولوجية وقانونية وسياسية، كفيلة بتكوين قواعد حضرية عرقية عنصرية جديدة[xv].


[i] http://www.tadamun.co/قراءات-مهمة-الميثاق-العالمى-للحق-فى-ال/#.Xn25L6FR1PY

[ii] http://www.tadamun.co/قراءات-مهمة-الميثاق-العالمى-للحق-فى-ال/#.Xn25L6FR1PY

[iii] https://caus.org.lb/ar/مدن-متمردة-من-الحق-في-المدينة-إلى-ثورة/

[iv] متشردا في باريس ولندن – جورج أورويل

[v] https://caus.org.lb/ar/مدن-متمردة-من-الحق-في-المدينة-إلى-ثورة/

[vi] https://caus.org.lb/ar/مدن-متمردة-من-الحق-في-المدينة-إلى-ثورة/

[vii] https://al-akhbar.com/Opinion/278163/جيوبوليتيكا-الرأسمالي

[viii] https://www.theguardian.com/world/2020/mar/26/life-after-coronavirus-pandemic-change-world

[ix] https://www.theguardian.com/world/2020/mar/26/life-after-coronavirus-pandemic-change-world

[x] http://www.tadamun.co/قراءات-مهمة-الميثاق-العالمى-للحق-فى-ال/#.Xn25L6FR1PY

[xi] http://www.tadamun.co/قراءات-مهمة-الميثاق-العالمى-للحق-فى-ال/#.Xn25L6FR1PY

[xii] http://www.tadamun.co/قراءات-مهمة-الميثاق-العالمى-للحق-فى-ال/#.Xn25L6FR1PY

[xiii] http://www.tadamun.co/قراءات-مهمة-الميثاق-العالمى-للحق-فى-ال/#.Xn25L6FR1PY

[xiv] متشردا في باريس ولندن – جورج أورويل

[xv] https://www.theguardian.com/world/2020/mar/26/life-after-coronavirus-pandemic-change-world

0 767 08 أبريل, 2020 الخامس بعد المئة, العدد الأخير, ثقافة وفكر أبريل 8, 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.