في زمن كورونا: لا تسمح بكتم صوتك!

لـ

مقالات مترجمة حول تأثير كورونا (كوفيد 19) في حرية التعبير حول العالم  

الحرية في زمن كورونا[1]

إن المجتمع الذي يعيش في حالة طوارئ دائمة لا يمكن أن يكون مجتمعًا حرًا. نحن في الواقع نعيش في مجتمع ضحى بالحرية لصالح يطلق عليه “دواعي الأمن”، ومن ثم حكم على نفسه بالعيش في حالة دائمة من الخوف وانعدام الأمن. (جورجيو أغامبين) 

باتت مدينة ووهان، المدينة الصينية التي بدأ فيها تفشي فيروس كورونا كوفيد 19، تعد أيامها لرفع الحظر، عندما نجحت الصين في احتواء الفيروس، بينما كانت الحالة تستعر وترعب أجزاء أخرى من العالم، لكن هذا النجاح لم يأت من لا شيء، حيث كان على الصينيين أن يدفعوا ثمناً باهظاً، من أجل تخفيف حدة انتشار كورونا، استفادت الحكومة الصينية من التدابير الواقعية والافتراضية غير العادية، التي شلت الحرية المدنية بشكل كبير. 

إضافة إلى إغلاق المدينة؛ استخدمت الحكومة الكثير من الأدوات الافتراضية الرقمية لمراقبة كل خطوة يقوم بها الناس. من المؤكد أن المراقبة لم تكن جديدة بالنسبة للشعب الصيني، لكن في هذه المرة، انتقلت الحكومة إلى المستوى التالي من المراقبة، إذ استخدمت تقنية محسنة للتعرف على الوجوه يمكنها اكتشاف درجات الحرارة المرتفعة لشخص ما ضمن الحشود أو الإبلاغ عن المواطنين الذين لا يرتدون الكمامات، ومن ثم تحولت المراقبة مما نسميه “فوق الجلد” إلى “تحت الجلد”، حيث تحتاج الحكومة إلى معرفة درجة حرارة الجسم وضغط الدم لدى المواطنين لفصل الأصحاء عن المرضى.

 سمح الناس مرارا وتكرارا للحكومة بالتطفل أكثر على خصوصيتهم لأنهم خائفون. لقد رأينا أنه عندما يقلق الناس، فإنه يمكن للحكومة بيعهم أي شيء باسم الأمن والحماية. وقد تكون الأحداث التي تبرر إدخال أدوات المراقبة المتطفلة مؤقتة، ولكن الأدوات موجودة لتبقى. ولكن ماذا يحدث مع دولة غير استبدادية مثل الصين؛ بل هي في الأساس بلد ديمقراطي؟  حسنًا، الديمقراطية لها حالتها الخاصة، مثل اعتماد حالة الطوارئ أو حالة الاستثناء. وبحسب جورجيو أغامبين، الفيلسوف الإيطالي، فإن حالة الاستثناء ليست “دولة قانون” بل مساحة بدون قانون، تسمح للحكومة بتجاوز البرلمان. إنها لعبة مفضلة لجميع الديمقراطيات تقريبًا في العالم، حيث تستخدم البلدان في جميع أنحاء العالم حالة الطوارئ لتكون لها طرقها الخاصة دون إزعاج وتذمر العمليات الديمقراطية. على سبيل المثال، من أجل الكشف عن مرضى كورونا، استخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخرًا “قانون الطوارئ” للموافقة على تقنية مراقبة مخصصة فقط لمحاربة “الإرهابيين”. إنه يستخدم سلاحا ضد شعبه صمم بالأساس لمحاربة “الأعداء”.[2]

هناك مشكلة أخرى أيضا في حالة الطوارئ، وهي أنها تجاوزت الحدث الذي أتت من أجله، حيث أعلنت فرنسا حالة الطوارئ بعد الهجوم المروع على تشارلي إبدو[3]في باريس في 13 نوفمبر 2015، وتم تجديد الحالة لمدة ستة أيام ليحل محلها قانون مكافحة الإرهاب. هنا يظهر أن حالة الطوارئ قد استخدمت لمحاربة الإرهاب، لأنها شرعت في فعل شيء مختلف تمامًا لاحقا. يقول ماركو بيروليني، باحث في منظمة العفو الدولية بشأن فرنسا: “يجري استخدام قوانين الطوارئ الهادفة إلى حماية الشعب الفرنسي من خطر الإرهاب، إذ إنه بدلا من ذلك تستخدم لتقييد حقوقهم في الاحتجاج سلميا”.

إذا يمكن للإغلاق بسبب فيروس كورونا أن يكون مفيدًا للحكومات والأشخاص في السلطة للقيام بتعدياتهم الخاصة. في هذا السياق، تُفهم مطالبات الناس الجيش للحفاظ على التباعد الاجتماعي واتباع شروط الحجر الصحي. إن هذا تعبير واضح عن عدم ثقة الناس في الحكومة والشرطة مقارنة بالجيش.  في مقال بعنوان “العالم بعد كورونا”، أشار يوفال نوح هراري أنه تم استخدام نموذجين لمكافحة الفيروس التاجي حتى الآن، أحدهما هو نموذج الصين، الذي يعتمد كثيرًا على التنمر والإكراه، حيث انتشر مقطع فيديو في الصين، يظهر أن الشرطة تضرب رجلاً مقيدًا بعمود بسبب عدم حفاظه على ظروف الحجر الصحي. نموذج آخر متبع هو نموذج تتبعه كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة، وهو نموذج يعتمد على التعاون والقرارات المستنيرة للمواطنين. وبحسب هراري، فإن “المراقبة المركزية والعقوبات القاسية ليست هي الطريقة الوحيدة لجعل الناس يمتثلون للإرشادات المفيدة. عندما يتم إخبار الناس بالحقائق العلمية، وعندما يثق الناس في السلطات العامة لإخبارهم بهذه الحقائق، يمكن للمواطنين أن يفعلوا الشيء الصحيح حتى بدون مراقبة الأخ الأكبر. عادة ما يكون السكان الذين لديهم دوافع ذاتية ومستنيرة أكثر قوة وفاعلية من السكان الخاضعين بجهل لأوامر الشرطة”. 

كيف يؤدي كورونا إلى تراجع الحرية حول العالم؟[4]

في يوم الثلاثاء الماضي، حظرت موسكو التجمعات التي كان قد حضرها أكثر من 5000 شخص حتى العاشر من إبريل، بحجة أن هذه الخطوة ضرورية للحد من انتشار فيروس كورونا كوفيد 19؛ ذلك لأن هذه القيود قد تكون ضرورية خلال حالة الطوارئ الصحية العامة. وجاء الإعلان في اليوم نفسه الذي أيد فيه الرئيس فلاديمير بوتين اقتراحًا يسمح له بالبقاء في منصبه حتى عام 2036. في أكبر مدينة في روسيا -حيث قامت المعارضة سابقًا بنشاط تعبئة عامة لعشرات الآلاف من الناس على الرغم من جهود الحكومة لقمعهم وحيث لم يكن هناك سوى 20 حالة مؤكدة في جميع أنحاء البلاد في ذلك الوقت-فإن قرار تقييد التجمع الحر يستحق المراجعة.
روسيا ليست وحدها التي استخدمت فيها السلطات فيروس كورونا كذريعة للقضاء على حقوق الإنسان لأغراض سياسية. ومع أن بعض هذه القيود ضرورية بلا شك لمواجهة الوباء، لكن هناك خطرًا حقيقيًا من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تراجع عالمي دائم في الحريات الأساسية- وهو ما قد بدى ملاحظا بالفعل. على سبيل المثال، في الوقت الذي يخلق فيه الوباء وضعا مثاليا للتضليل، فإن العديد من الحكومات تستخدم هذا التهديد لتبرير الرقابة الشديدة، وإخماد مصادر مستقلة للمعلومات إلى جانب منع أي محتوى ضار بالنسبة لها بشكل مشروع. 

لقد أصبحت إيران، وهي من أكبر منتهكي حرية الإنترنت، بؤرة انتشار للفيروس في الشرق الأوسط. خلال دفاع الحكومة بهدف الرد على العالم، انخفض الاتصال بالإنترنت وتم حظر إصدار اللغة الفارسية في ويكيبيديا مؤقتًا وفقًا لمجموعات المجتمع المدني. 
قامت الصين أيضا بنشر جهاز رقابة معقد ضد الأشخاص الذين يتعارضون مع سرد الحكومة للأحداث، وأولئك الذين يسعون ببساطة للحصول على معلومات صحية. وعثر مختبر المواطنCitizen Lab على 45 كلمة رئيسة تخضع للرقابة عبر منصة البث المباشر YY و 516 على  WeChat، بما في ذلك كلمات مثل  “Wuhan + CCP + Crisis + Beijing” ونظرًا لقاعدة المستخدمين العالمية لهذه المنصات، فإن كبح المعلومات هذا قد يتجاوز الصين.

 
تخاطر الديمقراطيات الليبرالية اليوم بتطبيع إجراءات الطوارئ. على سبيل المثال، بهدف تتبع انتشار العدوى، ترد معلومات أن الولايات المتحدة قد ضغطت على شركات الطيران لتوفير أرقام الهواتف وعناوين البريد الإلكتروني للمسافرين الدوليين. من المهم التواصل مع الركاب المصابين ومراقبتهم، ولكن من المهم أيضًا التأكد من عدم إساءة استخدام أي معلومات تم جمعها وأن هذه الممارسات لا تستمر لفترة طويلة بعد ذلك، حيث لا يمكن تجنب قيود محددة على الحريات الأساسية خلال أزمات الصحة العامة، لكن يجب أن تكون هذه القيود شفافة وضرورية ومتناسبة مع الحد من تفشي المرض.
إذا تم السماح للحكومات بفرض قيود غير محددة وغير متناسبة على الوصول إلى المعلومات، وحرية التعبير، والتجمع الحر والخصوصية تحت ذريعة مكافحة كورونا كوفيد 19، فإن الآثار السلبية ستمتد إلى ما هو أبعد من هذا التفشي، حيث  سيعاني الناس من تدهور دائم في الحريات الأساسية وسيفقدون الثقة في المؤسسات المكلفة بحمايتهم، وهذا يعني أنه عندما يظهر التهديد التالي على الصحة العامة، قد تكون الحكومات والمواطنون أقل استعدادًا للاستجابة بشكل مناسب.

أخيرا: 

لا تدع حرية التعبير تصبح ضحية لفيروس كورونا.  نحن بحاجة إليها أكثر من أي وقت مضى[5]

في فترة الأزمات أو في تحولات كورونا، تكون المؤسسات والقيم الديمقراطية الليبرالية عرضة للاستيلاء من قبل السلطة الاستبدادية. واحدة من ضحايا هذه القيم، كما هو الحال دائمًا، كانت حرية التعبير، لكن الهجوم الحالي على حرية التعبير خطير بشكل خاص، لأنه لا يستهدف بشكل معقول “الأخبار المزيفة” حول الفيروس التاجي فحسب، بل ينتقد أيضًا أوجه القصور في المستشفيات من قبل العاملين في مجال الرعاية الصحية.

لقد كانت الإجراءات القمعية ضد الأخبار المزيفة موضوعًا شائعًا منذ سنوات وحتى الآن، حيث وصلت إلى مستويات مرتفعة في أعقاب الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016.  وعلى الرغم من أن الآثار الفعلية لـ “الأخبار المزيفة” و “التدخل الروسي” لا تزال غير واضحة ومتنازع عليها بشدة، فقد أقنع عدد من السياسيين الناس بأن انتشار الأخبار المزيفة هو أحد الأسباب الرئيسة لفقدهم الأصوات والسلطة لصالح الشعبويين.

يجري حاليا الضغط على منصات وسائل الإعلام الاجتماعية من أجل “محاربة الأخبار المزيفة” وظهرت مشاريع منزلية حقيقية من مدققي الحقائق، ومع ذلك، تم إحراز تقدم ضئيل للغاية. إن هذا ليس مفاجئًا، بالنظر إلى وابل يومي من الأخبار المزيفة القادمة من بعض أقوى المكاتب السياسية في العالم، بما في ذلك داونينج ستريت والبيت الأبيض. وبما أن دونالد ترمب قد ساهم في شيوع المصطلح (fake news)، فلا يتوقع أن يكون من المستغرب تبني الشعبويين في السلطة بحماس شديد معركة ضد “الأخبار المزيفة”. 

الآن لقد أتاح لهم فيروس كورونا فرصة لتعزيز تلك المعركة من خلال تمرير قوانين صارمة جديدة، بزعم منع الأخبار المزيفة من تصعيد الأزمة. ولعل ما هو أكثر خطورة، الهجوم على حرية التعبير للأشخاص في الخطوط الأمامية لمكافحة فيروس كورونا وهم: عمال الرعاية الصحية. إن هؤلاء هم الأشخاص الذين يطلعون على الوضع بشكل أفضل، وبالتالي فإنهم أفضل الحلول المحتملة للأخبار المزيفة. مع ذلك، فإنه وفقًا للإندبندنت ، فإن أطباء نظام الرعاية الصحية  NHS  يتكتمون على نقص معدات الحماية، بينما سيطرت المؤسسة في بريطانيا على الاتصالات للعديد من مستشفيات NHS والعاملين فيها.

في الولايات المتحدة، إحدى الديمقراطيات الغربية القليلة التي ليس لديها نظام رعاية صحية عام وشامل، تقوم المستشفيات الخاصة الفردية بالرقابة.  لقد هددت المستشفيات الخاصة في جميع أنحاء الولايات المتحدة الموظفين بإنهاء الخدمة إذا تحدثوا عن نقص معدات الحماية، ومنحت الأولوية للعلامة التجارية والأرباح مقارنة بصحة المرضى والموظفين. وتم فعليا فصل العديد من العاملين في المستشفيات بعد تحدثهم علنا، وهو إهدار لا يصدق للموارد خلال أزمة الوباء.
إذا تركنا جانباً إشكالية أصحاب العمل الذين ينظمون خطاب موظفيهم، وهو تطور عرضي شائع بشكل متزايد (حتى في الجامعات)، فإن الرقابة على أخصائيي الرعاية الصحية أمر خطير تمامًا للمجتمع ككل؛ إذ إن هؤلاء هم الأشخاص الذين لديهم حقا تجربة يومية مع فيروس كورونا ويخاطرون بحياتهم لمساعدة الآخرين؛ خاصة إذا لم يوفر لهم أصحاب العمل معدات واقية مناسبة.

علاوة على ذلك، نحن نعلم مدى خطورة هذه الرقابة من مستوى التجارب الأخيرة في الصين. كتب ماكس فيشر مراجعة لصحيفة نيويورك تايمز عن الكيفية التي ساهمت بها البنية الاستبدادية في الصين في تفاقم استجابة البلاد لتفشي كورونا. وقد أولت وسائل الإعلام الغربية اهتماما كبيرا بالحالة المأساوية للي ون ليانغ، الطبيب الصيني الذي قام بالإبلاغ عن المخالفات وتوفي بسبب فيروس كورونا في شهر فبراير الماضي. تكمن المفارقة في أن بعض السياسيين الذين يدعمون، أو على الأقل يسمحون بالرقابة على ممتهني الرعاية الصحية في بلادهم، كانوا منتقدين صريحين للنهج الصيني. على سبيل المثال، ألقى وزير الحكومة البريطانية مايكل جوف باللوم على الصين في الآونة الأخيرة لفشلها في وقف انتشار الفيروس، في حين وصف مايكل ماكول، كبير الجمهوريين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، استجابة الصين بأنها “واحدة من أسوأ حالات التستر في تاريخ البشرية “. 
للتأكد من أننا لا نرتكب نفس الأخطاء التي ارتكبتها الصين، ولحماية صحة وحياة الأبطال العاملين في مجال الرعاية الصحية (بما في ذلك العديد من المتطوعين) الذين يعرضون حياتهم للخطر كل يوم لإبقائنا على قيد الحياة وبصحة جيدة، يجب علينا مقاومة هذه الهجمات الخطيرة على حرية التعبير، بالإضافة إلى مقاومة التدابير الاستبدادية الأخرى غير الضرورية رداً على أزمة فيروس كورونا. بغض النظر عن الضجيج حول الأخبار المزيفة، فإن حرية التعبير تبقينا أكثر أمانا، كمواطنين ومرضى، حتى في أوقات الأزمات الصحية.

المصادر والهوامش 

  1. Mohammad Abul Kalam Azad:  Freedom, in the time of corona. Newagebd. Published on Mar 26,2020.https://www.newagebd.net/article/103198/freedom-in-the-time-of-corona 
  2. استخدم الكاتب هذا الوصف للدلالة على اعتبار إسرائيل المقاومة الفلسطينية بمثابة العدو الذي ينبغي محاربته خارج أطر أخلاقية واضحة (المترجمة) 
  3. تشارلي إيبدو صحيفة فرنسية ساخرة واجهت هجوما عبر إطلاق النار وأدى ذلك إلى وفاة وإصابة عدد من موظفيها بسبب نشرها رسومات اعتبرت مسيئة للدين الإسلامي. سبب هذا الحدث جدلا واسعا في المجتمع الفرنسي والدولي. (المترجمة)
  4. 4Allie Funk and Isabel Linzer: How the coronavirus could trigger a backslide on freedom around the world. Washington Post. Published on March 17, 2020.  https://www.washingtonpost.com/opinions/2020/03/16/how-coronavirus-could-trigger-backslide-freedom-around-world/
  5. Cas Mudde: Don’t let free speech be a casualty of coronavirus. We need it more than ever. The Guardian. Published on April 6 2020. https://www.theguardian.com/commentisfree/2020/apr/06/coronavirus-free-speech-hungary-fake-news

0 496 19 أبريل, 2020 السادس بعد المئة, العدد الأخير, ثقافة وفكر أبريل 19, 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.