السادس بعد المئة سياسة

الأسرى الفلسطينيون بين فكي كورونا والاحتلال


باتت حياة الأسرى الفلسطينيين عند الاحتلال الإسرائيلي في دائرة الخطر المحدق مع استمرار تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) على مستوى العالم وارتفاع نسبة الإصابة في (إسرائيل)، وذلك في ظل عدم اتخاذ الأخيرة أية تدابير صحية ووقائية لحماية أرواح الأسرى في سجونها، الذين يعيشون في ظروف صعبة وإهمال طبي متعمد.

وفي الوقت الذي تتخذ فيه دول العالم إجراءات استثنائية لمواجهة الفيروس والحد من انتشاره، ومنها تحرير سجناء، أبدى الاحتلال استهتاراً معتاداً بحياة الأسرى الفلسطينيين بمصادرة مواد التنظيف والتعقيم، وسحب عشرات أصناف الأغذية من مقاصف السجون (الكانتينات)، ليصبح الأسرى بلا “وقاية أو تغذية”و”فريسة” سهلة لكورونا المستجد.

وما يزال الاحتلال يعتقل نحو 5 آلاف أسير، موزعين على نحو 22 سجناً ومعتقلاً إسرائيلياً، منهم 180طفلا قاصرا، و43 امرأة منهن 16 أماً، و700 أسير وأسيرة بحاجة إلى تدخل طبي لمعاناتهم من إعاقات حركية وأمراض مزمنة وخطيرة وضعف عام في المناعة.

وتشكل السجون الإسرائيلية “بؤرة خصبة” لتفشي الأوبئة والأمراض، حيث إنها قديمة ومتهالكة ومكتظة؛ تجلب الأمراض وفق ما يتحدث به أسرى محَرَّرون لمجلة الفلق، فإصابة أسير واحد بالفيروس تعني انتشار الوباء وسط الأسرى الفلسطينيين.

وتحت ذريعة مكافحة الفيروس قرر الاحتلال في منتصف مارس/آذار الماضي وقف برنامج زيارات المحامين والأهالي لأبنائهم في السجون؛ إلا أن المؤشرات الميدانية تقول إن “الاحتلال يريد مضاعفة معاناة الأسرى وزيادة قلق الأهالي على أبنائهم وليس حمايتهم”.

ومن ضمن الإجراءات التي أقرتها إدارة السجون، وقف إجراء الفحوصات الطبية أو الخروج للعيادة إلا في حالة ارتفاع درجة حرارة أسير، وفيما يخص الأسرى المرضى والجرحى أو من لهم مراجعات طبية مهمة فقد ألغيت تماماً.

وكذلك واصل الاحتلال اقتحام منازل المواطنين وتنفيذ عمليات اعتقال، إذ بلغت حالات الاعتقال منذ بداية العام الجاري 2020 ما يزيد عن 1300 حالة اعتقال طالت النساء والقاصرين وطلاب الجامعات وشرائح مجتمعية متعددة.

ويقول مدير دائرة التوثيق والدراسات في هيئة شؤون الأسرى والمحررين الأسير السابق عبد الناصر فروانة إن خطراً حقيقياً يتهدد حياة الأسرى في سجون الاحتلال، في ظل تجاهل ما تسمى “إدارة مصلحة السجون” للظروف المتردية التي تشكل بيئة مناسبة لتفشي فيروس كورونا”.

ويضيف “يتعمد الاحتلال الاستهتار بحياة الأسرى عبر عدم توفير أي من مقومات الحياة البسيطة لهم، إضافة إلى عدم تنفيذ اجراءات الوقاية لهم لحمايتهم من الفيروس، فعندما طلب ممثل الأسرى من “إدارة مصلحة السجون” كمامات طبية للوقاية من الفيروس، ردت عليه باستهتار وسخرية: “استخدِموا الجوارب”.

ويخشى الفلسطينيون من أن تستغل (إسرائيل) انشغال العالم بتفشي الفيروس، لتصعّد ضد الأسرى وتصادر المزيد من حقوقهم المكتسبة بنضالاتهم على مدار سنوات طويلة، فوفق منظمات حقوقية تعنى بالأسرى، تحجر (إسرائيل) الأسرى المشتبه بإصابتهم بالفيروس في “زنازين انفرادية”، ومن دون أي إجراءات صحية مناسبة.

وعلى إثر سياسة الإهمال، أعلن الأسرى عن سلسلة من الخطوات الاحتجاجية ضد إدارة السجون، لعدم اتخاذها تدابير صحية لمواجهة الفيروس، إذ تتمثل الخطوات بإغلاق الأقسام، وإرجاع وجبات الطعام، مع مخاوف من اندلاع انتفاضة عارمة بسبب تهاوُن مصلحة السجون في الاستجابة لمطالبِ الأسرى ووقف الإجراءات العقابية التي طالت جميع مناحي حياتِهم.

وازداد الأمر مأساوية وخطورة، بعد ثبوت خبر إصابة الأسير المحرر نور الدين صرصور بفيروس كورونا، إذ أظهرت نتائج الفحوصات التي أجرتها وزارة الصحة الفلسطينية لصرصور عقب خروجه مباشرة من سجون الاحتلال الإسرائيلي في 31 مارس/آذار الماضي إصابته بكورونا.
ومع تأكد إصابة المحرر نور الدين صرصور إلا أن الاحتلال لم يتخذ أية إجراءات وقائية أو احترازية لحصر الأسرى المخالطين له قبل تحرره، ولم تؤخذ عينات منهم بسجن عوفر حيث كان يقبع الأسير، بل عمد إلى تكذيب فحوصات الصحة الفلسطينية والاستخفاف بالأمر مع المماطلة باتخاذ إجراءات حقيقية داخل أقسام الأسر.
وأمام تلك المعطيات تبرز أهمية تشكيل ضغط على الاحتلال من أجل وجود لجنة طبية دولية محايدة، تشارك في معاينة الأسرى والتأكد من سلامتهم، كون المعلومات التي تصدر حتى الآن مصدرها إدارة سجون الاحتلال التي عملت على مدار العقود الماضية على طمس الحقيقة ومحاربة رواية الأسرى.
يوم الأسير
وتُعد معاناة الأسرى مع كورونا، صورة مصغرة عن الانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى في كافة السجون في ظل تنكر الاحتلال للمواثيق الدولية ذات العلاقة بالأسرى، إذ يتفنن في ابتداع الأساليب التي تنكد عليهم حياتهم ويبدع في اختراق الذرائع لقضم حقوقهم.
وسعياً وراء حرية الأسرى ونصرة قضيتهم العادلة يُحيي الفلسطينيون في الوطن والشتات يوم الأسير الفلسطيني في 17 نيسان من كل عام، وقد اعتُمد هذا اليوم من قبل المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974 باعتباره يومًا وطنيًا.
وخلال يوم الأسير، يذكِر الشعب الفلسطيني العالم بالأسرى الفلسطينيين، وما يتعرضون له بشكل يومي من أبشع صنوف العذاب والتجاوزات في السجون الإسرائيلية، التي فاقت كافة الأعراف والمواثيق الدولية والإنسانية، وفي مقدمتها القانون الإنساني الدولي، و”اتفاقية جنيف الرابعة”، ومبادئ حقوق الإنسان، و”النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية”.
ومن أبرز هذه الانتهاكات: إساءة المعاملة، والاحتجاز في ظل ظروف غير إنسانية، والتعذيب النفسي والجسدي، وكذلك الحرمان من حقهم في الزيارة من قبل غالبية ذويهم وأهاليهم والاعتقال الإداري دون محاكمة، والعزل الانفرادي الذي يمتد أحياناً لسنوات، فضلاً عن الإهمال الطبي، واقتحام غرفهم على أيدي وحدات قمع خاصة ورشهم بالغاز والتفتيش العاري.
ولا يقتصر استهداف الاحتلال للأسرى عند الانتهاكات المادية والمعنوية بل تصل كذلك إلى إصدار قوانين تعسفية في سبيل التضييق على الأسير الفلسطيني على كافة الصعد، مثل قانون إعدام الأسرى، وقانون محاكمة الأطفال، وقانون إقرار قانون التغذية القسرية للأسرى المضربين عن الطعام.

وشرّع كنيست الاحتلال خلال السنوات القليلة الماضية قرابة 13 قانون ضد الأسرى، إلى جانب دخول 30 قانونا مرحلة التشريع قبل التصديق النهائي عليها، فضلاً عن مناقشة الكنسيت على أكثر من 120 مشروع قانون، مثل قانون احتجاز جثامين الشهداء وحرمان الأسرى من لقاء محاميهم ومنع الأسرى من إكمال التعليم.

وتشير إحصاءات الهيئات والمؤسسات الرسمية الفلسطينية التي تعنى بشؤون الأسرى إلى إقدام سلطات الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1948 على اعتقال نحو مليون فلسطيني، من بينهم الآلاف من الأطفال والنساء وكبار السن.

ونحو 48 أسيراً فلسطينياً مضى على اعتقالهم قرابة عشرين سنة بشكل متواصل، إلى جانب 37 أسيراً مضى على اعتقالهم أكثر من ربع قرن، فضلاً عن 29 أسيراً من قدامى الأسرى المعتقلين منذ ما قبل اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير والاحتلال عام 1993.

عن الكاتب

Avatar

عبد الرحمن محمود

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.