قراءة في رواية ” والشجر إذا هوى ” لسعيد سلطان الهاشمي

لـ


10/12/2019

وأنا أقرأ رائعة سعيد سلطان الهاشمي، رواية ” والشجر إذا هوى ” للمرة الثانية، تذكرت نصيحة لينين البليغة للشبيبة البلشفية بأن يقرؤوا كل كتاب مرتين على الأقل أو ثلاث، شرطًا لفهمه والتعمق في محتواه؛ وأدركت كم يظلم القراء كتّابهم حين لا يقرؤون عصارة عقولهم وأفكارهم أكثر من مرة، فلا يقفون إلا على القشور، ونتف مهلهلة من مكنونات تلك العقول التي أرهقت أصحابها، إلى أبعد حدود العناء الذي قد يشارفهم أحياناً تخوم الموت والفناء؛ فقد اكتشفت من قراءتي الثانية عوالم ومواقف وجواهر فكرية لامعة بديعة ما تمكنت من اكتشافها في قراءتي الأولى، وأنا متأكد لو أني قرأتها مرةً ثالثة، لاكتشفت المزيد من تلك الجواهر النفيسة المخبوءة بين دفتي تلك الرواية.
وأنا هنا، لا أكتب نقداً أدبياً أو أدوّن ملاحظات على الرواية، فأنا لا أتنطع لذلك؛ ولكني أسرد انطباعاتي الشخصية عنها لا أكثر من ذلك ولا أقل. وكأن ما أكتبه هو لي شخصيًا، أحتفظ به لذاتي وذكرياتي مع أي كتاب ممتع قرأته، وعشت معه أجمل لحظات السعادة المتأتية من العيش في العوالم السامية التي تتيحها القراءة للكتب الرصينة الجادة.
هذه الرواية أخذتني إلى أغوار سحيقة من الفكر والتأمل، وقفتُ إزاءها مبهوراً أحاول التقاط أنفاسي اللاهثة المتقطعة، فسعيد سلطان الهاشمي في هذه الرواية توليفة فذة من الشخصيات الثقافية الضليعة بالموضوعات التي يتحدث عنها؛

  • فهو أمرؤ القيس أو قس بن ساعدة الأيادي حين يتحدث بمفردات :
    “نث الدمع، رس الجذع في الأرض، نأمة من الخلايا، لواعج القلب، صبابات الهوى، ينز مع كل التماعة نجم، زغُب العشب، تضوع العطر، الأوراق اللاطئة، نضت عن جسدها الثياب، مخمصة الجوع، هديل اليمام، غار الماء، عز القطر، البهائم الرتع، والهوام الفٌزع، الزهور البضة، الطاقة النازة، فحيح الرمضاء، النوء، جذاذة من ورق، الجذع الأملط ..إلخ “.
    • وهو المثقف النوعي الذي غاص في جذور مجتمعه إلى مستوى الارتواء والتشبع بالمكنونات الثقافية لهذا المجتمع، إلى حد أني تساءلت في مواقف عدة؛ ترى هل هذه مجرد ثقافة متحصلة من قراءة أو سماع، أم من معايشة للحدث، كما جاء في وصفه الدقيق لفعاليات حلقات الزار؟
    • وهو ذلك الفلكي الموسوعي عند وصفه للأفلاك والأنجم وأثرها في حياة الناس الخاصة والعامة : “نجم الأحيمر، هذا النجم الذي حين يغيب تهب الأعاصير، يغضب البحر” (ص 10) طالع سعد السعود، فاتحة الربيع، الرشا، وهو من نجوم كوكبة الحوت الكبير، طلوعه قبل طلوع الشمس بساعة، إذا طلع هذا النجم فإنه يُعد علامة أولى من علامات غيوب نجم الثريا (ص 86) … ” من يبزغ الدبران، توقدت النيران، وجفت الغدران” (ص 113)… الهعقة، هو أحد نجوم كوكبة الكلب الأكبر أو الأسد، نجم الشعرى أو الشعرى اليمانية، وأصغر منها الشعرى الشامية، أبلج النجوم المرئية من الأرض، بعد الشمس والقمر والزهرة ” إذا طلعت الشعرى، نشف الثرى ” ”إذا طلع سهيل، طاب الليل ” (ص 168) .. إلى آخر تلك المعلومات الفلكية والثقافة الشعبية القيمة المتناثرة هنا وهناك في ثنايا الرواية، التي لا يسع القارئ إلا أن يعجب بمقدرته الفذة على جمعها وتدوينها وعرضها بتلك الصور اللافتة الجميلة، غير أن هذا العجب يتضاءل حين نعلم أن سعيد سلطان الهاشمي ليس مجرد ” مثقف ” كباقي المثقفين، وإنما هو “باحث فذ ” أيضاً، وتلك هي الصفة الغالبة عليه. والباحث هو المنقب عن المطمور، و الكاشف للمستور؛ فلا غرو إن تمتع بهذه الثقافة الثرية المتنوعة.
      • وهو الرسام بيكاسو، حين يرسم تلك اللوحات الباهرة بريشته الساحرة ” أنفها كان أشبه بنصل ورقة البلسم، أرنبته فيها انحناء خفيف، تكتسي شفتها العليا بزغب كثيف كأنه عشب الربيع ( هنا، يا لروعة التعبير، حتى “القبح”، الشعر الذي ينبت أعلا شفاه النساء، أضفى عليه صفة الجمال، حين شبهه بعشب الربيع ) شيء يشبه الزغب الذي يغطي أوراق نبتة ( كف مريم ) ولا خلاف على أنه لم يزدها إلا جمالاً ونضارة. ابتسامتها الهادئة تُحلق بخفر حول شفتيها، فلا يلتقطها إلا الذي فطر قلبه على الوجد والحزن والهوى، العينان واسعتان تعكسان النباهة واليقظة، فيهما حَوَر يأسر الناظر، يعتليهما سيفان كثان من الحواجب يلتقيان أعلى منحدر الأنف، كأنهما مجرى لشعبتين تزودان وادياً حان سيله. كل ذلك يقود إلى فم صغير كعين نبعٍ وادعة، تعتليه ارتعاشة خفيفة كلما هم بالكلام”(ص)16 . هنا يستحق سعيد الهاشمي “سجدة النثر” كما استحقت بعض الأبيات “سجدة الشعر” في الأدب العربي الأصيل.
        • وهو هيتشكوك، مخرج الأفلام المرعبة، حين يصور في وضوح أثر القحط القبيح في الكائنات “لا مطر يطوي صفحة القيظ الذي تأبد أكثر مما ينبغي، الوادي يكتسي باللون الذاوي ذاته الذي يعلو الجبل والسهب معاً. اصفرار يولد اصفراراً لا نهائياً، أبعد من حد الشوف. غنمة عجفاء ولدت للتو، كتلة سوداء انبثقت منها بعد مخاض عسير، عيناها تذرفان دمعاً يتسول عزاء، حزن يتقدم نهاية لا تريد تصديقها، تسحب سلاها بتأفف، دود يسبح على السلا والمولود الضعيف الأعمى الذي قذفت به إلى الحياة، يلعق الدود، السواد المتكوم بلا حراك، يلعقه بنهم الظمآن إلى أخف بلل علق على الوبر والأهداب. دود لا يعرف أحد من أين جاء؟ من رحمها، من بطنها الجاف، المفتقد لاخضرار العشب، أم من الهواء الحارق لكل من خرج أو لم يخرج من الأرحام بعد.”
          هذه اللقطات المرعبة المقززة ذكرتني بلحظات ميلاد جان غرينوي، بطل رواية “العطر.. قصة قاتل” حينما يقول: “الذي ولد في أشد أيام السنة قيظاً، وكان الحر كغطاء من الرصاص فوق المقبرة”، وقطعت أمه حبله السري بسكينة تقطيع السمك، وألقت به وسط أحشاء وأخلاط الأسماك وجثث الحيوانات النتنة المتعفنة” للكاتب باتريك زوسكند. ص 8
      • وهو الفلّاح الأصيل الذي تضاهي معرفته بالزراعة أعرق الفلاحين: ” إذ إن الحمضيات لكي تُزهر بسخاء وتحصد بكثرة يتوجب أن يعتني متعهدها بريها بنسب موزونة من المياه، خاصة وأن موسم إزهارها يمتاز بهطول أمطار خفيفة، تعرف بأمطار “البلّي” أيضاً، تروي الأرض، وتنشر الرطوبة والسعد والقلق في الوقت ذاته. سعد وفرح بخصوبة الموسم، وقلق من إفساد حبوب لقاح النخيل” ص31.
      • ولقد كان الهاشمي موفقاً ومصيباً في اختياره ” الشجر” لرصد وفضح حكايات البشر وأسرارهم؛ فهو” أصدق من شاهدَنا منذ أن خلقنا ولايزال، أمين رحلتنا وخازن كل حركاتنا وسكناتنا ” ص 12، وسيجيب جواباً مستفيضاً عن السؤال الذي شغل بال “حنيفة ” ” كيف ستحكينا الأشجار؟” .. ” فنحن المسحورون بصبرها، بكبريائها، بجلدها على مغالبة الزمن والنسيان، مبهورون بسماحتها وسخائها مع كل أسراب الطير التي آوت إليها، مع كل الأرواح التي استظلت ظلها”
        ” – كلنا كنا أشجاراً، ( ولكن ) قلة منا أخلص للجذور.”
        ولكنه رأى أن ” النكران ليس لعنة الإنسان وحده، ألم تتنكر الفأس للشجرة ؟”
        ص28 .
        وهنا أستميح الهاشمي عذراً بأن أرفع نقطة نظام، فلم تتنكر الفأس، اختياراً، ولا بإرادتها، للشجرة؛ بل هو أيضاً فعل الإنسان الغادر وإرادته الظالمة فيهما معاً، الفأس والشجرة، حين جعل جزءًا من الشجرة أداة إيذاء وتقطيع واغتيال لها ذاتها بالفأس الذي صنعه منها، تماماً كما يفعل في استعداء الإنسان لأخيه الإنسان بتشويهه أو قتله .
      • غير أني لم أعرف على وجه التحديد هنا معنى ” هوى”؛ أهو من
        “يهوى” بمعنى يحب؛ والشجرة حنيفة قد عاشت وعايشت صور الحب والغرام في حياتها العتيدة مع نجمها سهيل. أم هو بمعنى “يهوي” كالنجم إذا هوى بمعنى انقض وسقط ؛ وهي قد تحطمت وهوت في مآلها الأخير بمعاول شامس الغدار ، ولعله قصد الأمرين معاً
        ” الحب والسقوط” وتلك هي خلاصة مسيرة الكائن الحي لاسيما الإنسان في هذه الحياة؛ صعود فلمعان، ثم سقوط وأفول . دورة وجودية أزلية عبر عنها عمر الخيام في رباعياته بقوله :
        ” كان من قبلك في الدنيا رجال ونساءُ
        زينوا الآفاق كالنجم لاحوا وأضاءوا
        سوف يغدو جسمك المختال طيناً
        كان جسماً لألوف الناس من قبلك جاءوا “
      • ولقد وقفت طويلاً متأملاً في نفثات صدره وعقله والروح، التي نفثها هنا وهناك بين سطور هذه الرواية، وأنبأتني عن حجم الهموم السامية التي يئن تحت وطأتها ويكابدها الهاشمي في حياته.
        كان ذلك بيّن في نجواه للغافة ” هل لو نطقتِ ستعريننا كما نحن، لا كما نتمنى أن نظهر أمام البشر؟ كيف تنظرين إلينا؟ هل تبصريننا بحياة الغرباء أم بتوقعات الأقرباء ؟ ترى هل تشعرين بأحزاننا وأفراحنا؟ كيف تجري الأمور بينكم في عالم الشجر، ترتوون من أرض واحدة ، نبع واحد، ثم تتنوعون وتختلفون في الألوان والأشكال والأحجام والاثمار، من دون أي إقصاء أو خوف أو رعب بعضكم من بعض؟ هل تختلفون وتتعاركون وتتنابزون في مسائل الأصل ؟ كالتي تثقل قلوبنا وحياتنا ؟ هل لدى عالمكم، عالم الشجر، طبقات تتصارع كالتي تفتك بأعمارنا وأرواحنا ؟” ص 12
        في هذه النجوى الشفيفة إسقاط بديع لصدى الهواجس الإنسانية التي تستبد بعقل وقلب كل إنسان شريف.
      • وتأخذني الدهشة أي مأخذ حين يغوص في أغوار الشجر ويتماهى معها، إلى حد وصوله أبعد نقطة في خصوصيتها ” البتلات و الأسدية تماسان نداء الحب في كل زهرة، بحرية وهدوء وسلاسة، تنتجان البذور ” ص 21
      • ووقفتُ على تساؤله الذي يحمل استنتاجاً رائعاً وبليغاً، ولكن لا يخرج به أي فرد، وإنما من فيه عزة النفس وكبرياء الحياة ” أليست الأشجار هي من علمت الإنسان كيف يمشي رافعاً رأسه إلى السماء، متخلياً عن السير على أربع ؟” ص30
        ولعل أعداء الأقلام الحرة وجدوا في تلك العبارة ما يغضبهم ويغيظهم، كونهم لا يريدون لهذا المواطن الإنسان أن يمشي أو يعيش مرفوع الرأس منتصب القامة ، بل مكباً على وجهه ” أفمن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ “.. فمنعوا الرواية الهادية لتلك الحقيقة .
      • أعجبني كثيراً تأبينه المؤثر للمياسة في موتها المبكر ” كان رحيلها مبكراً بالفجيعة، غامرا بالثكل والترمل، رحيل يليق بالغرباء، الذين يأتون كالطيف، يزرعون الحب والبهجة في قلب غيمة، ثم يغادرون بصمت. مخلفين حزناً لا يكفكفه الدمع ولا يسلوه النسيان ” ص 50
      • نعم! ما أصدق الهاشمي في قوله ” الأوجاع الأشد إيلاماً، هي الأوجاع التي لا نعرف مصدرها، ولا ندري كيف نعبر عنها ” ص 80، فما أكثرها في حياتنا وما أمضها على القلب والنفس .
      • ووقفت طويلاً أمام تأملاته الفلسفية المؤلمة، ولكنها الحقيقية للحياة :
        “أصعب ما في الحياة هو احتمال الحياة، لم يفارقني الشعور بالموت يوماً، أراه الأصل، والحياة هي الاستثناء، واستثناء قصير لا يضاهي ذرة من عمر أصغر النجوم ” ص85 … وهي التأملات والوقفات الخالدة التي استوقفت عبر الزمن ذوي النهى أمام لغز الحياة والموت وعبثيتهما، جعلت أبا العلاء المعري يقول قصيدته العصماء المفعمة بالحزن والتأمل:
        ” غير مجد في ملتي واعتقادي نوح باك ولا ترنم شادي
        أبكت تلك الحمامة أم غنت على ذرى غصنها الميّاد
        وشبيه صوت النعي إذا ما قيس بصوت البشير في كل ناد
        صاح هذي قبورنا تملأ الرحب فأين القبور من عهد عاد
        رب لحد قد صار لحداً مرارا ضاحك من تزاحم الأضداد
        ودفين على بقايا دفين من قديم الأزمان و الآباد
        خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد “
        وعلى شاكلته قال عمر الخيام في رباعياته :
        “ما أفاد الفلك الدوار ربحاً من حياتي
        لا ولا زاد جمالاً أو جلالاً بوفاتي
        أنا لم أسمع مدى عمري في دار الشتات
        ما هو المقصود فيها من حياتي ومماتي”
        بديع زاخر بأنفاس الأنفس المرهفة الأحاسيس قوله ” يؤنسني هديل اليمام، يعتريني إحساس بأن الوجود حنون وبريء، وفي الآن نفسه تتسلل حرقة كاوية إلى لحائي اللين الطري، حرقة ذات رنين له صدى بأن كل هذا الوجود بلا قيمة أمام هديل نث من روح متعبة “
        ص 95.
  • وحكمة بليغة وعميقة نجدها في قوله: ” لا يدوم من لا يجيد استدراج الريح “
    ص 99
  • عجباً لأمر الناس، يطيعون من يبث فيهم الرعب، ولا يكترثون لمن يزرع لهم الحب !” ص131
    إنه الجبن والجهل وحب البقاء ولوفي الذل لدى الجبناء من أبناء البشر .
  • وقد سلط الضوء الباهر في هذه الرواية على زاوية من زوايا العتمة التي يقبع خلفها الكارهون للحق والحقيقة حين قال : “ومن غير المعذبين يرفعون رؤوسهم إلى السماء، علّهم يجدون العزاء والمواساة عما يلاقونه من أسى كاوٍ للأبدان وما تضمه الأفئدة.. من غيرهم يؤجل أفراحه للآتي والعالي والمجهول، من غيرهم يراهن على الخسارة أكثر من الرهان على الربح. ..الإنسان أسير تجربته، لذلك، نجد الإنسان الذي يرزح تحت نير العبودية أقدر من غيره على بلع الخسارات، التصالح معها، احتمال المزيد منها، والأهم معرفتها. ليس كالمعذبين الذين بمقدورهم قياس الألم، تثمين الخسارة. لذلك وحدهم من يعرف كيف يهزم كل ذلك، بشرط أن يتسلحوا بالعزم والإرادة، وما أبعدهما ” ص145.
    وأعتقد جازمًا أن هذه الفقرة كانت واحدة من أهم مرتكزات الخائفين من كلمة الحق في منعهم للرواية، لأنها تؤشر لأحوال المعذبين في الأرض، وتلفت الأنظار إلى كتاب “المعذبون في الأرض ” لفرانز فانون، وتؤشر في الوقت ذاته لسبيل الخلاص من عذاباتهم ( العزيمة والإرادة )
  • ما الذي يستحق الالتفات في دنيا الناس، مؤامراتهم، دسائسهم، أحقادهم، خذلاناتهم، تصنيفاتهم، أكاذيبهم ” ..
    هذا ليس حديث حنيفة لأبيها مراد، وإنما هو حديث سعيد سلطان الهاشمي عن نفسه وهواجسه وتجربته المريرة في الحياة .
  • وكان رائعاً ودقيقاً في وصفه للعَجول “الذي لا يرى أبعد من أنفه، فلا طاقة له على التأمل، ولا قدرة ترجى منه على النظر في المعاني والرموز” ص 104 وهي الصفة الغالبة على أبناء هذه الأمة .
  • و في سياق التجربة الشخصية أعتقد أن الهاشمي يسقط ذاته وتجربته الثرية في الحياة في هذه الفقرة ” كم كنت أتمنى أن أصون خلوتي الغالية، من كل ما أنا محاط(ة) به الآن، كل شيء يغدو جميلاً خفيفاً، ويُحتمل، ما دام بعيداً. حتى الشمس التي ندين لها بعافيتنا وحيويتنا لن نستطيع معها صبراً، إذا ما اقتربت ودنت. السر في المسافة، لكن ما أصعب احترام المسافات لدى البشر.”
    “إن أردت ان تُحَب، مُت أو تغرَّب” كما يكشفه لنا المثل الشعبي . ص 167
  • وبديع قوله ” ليس ثمة سحر يوازي كشوفات الظلام ” ص 185 ؛
    ولكن هذا السحر لا يعرفه إلا الذين سئموا من الحياة في الظلام وتاقوا لأشعة الشمس ولو من بين الغمام !
  • ولقد عبر في روايته عن خيبات الأمل والإحباطات التي تمر على الإنسان من غدر الزمان أو الخلان بقوله : ” ما أسرع وأسهل التخلي في عالم البشر” ص187 وهي عبارة نلمح منها الأنين والحنين الدفين عند الهاشمي لوجوه مرت عليه .
  • ولقد أوجعني أخيراً وأبهجني، في آن معاً، اللوحة الجنائزية التي رسمتْها بذاتها “الغافة المغدورة” لرحيلها عن هذا العالم الظلوم: “أحد سيوف المقرضين ثلب وتدي الأخير، العاري العليل ، ترنح العالم، اهتزت كل الصور، تراجعت الحياة، عطش، يبوسة اجتاحتني من أسفل. تردد صدى أخير في داخلي، كأنه حلم، صوت صاعد من جوف الأرض :”الشجر لا ينتهي ( ولا أشك في أنه هنا، يقرن ذلك بروح المناضل الثوري بكل زمان ومكان، كتناسل أزلي لروح النضال والمقاومة في الشعوب) كلما هم بعضه بالرحيل، أودع روحه في عود أخضر” ص199.
  • لقد صادر الرعاديد تلك الرواية لأن الرعاديد يخيفهم المرئي ويخيفهم المستور والمتواري من الحقيقة الجارحة الصارخة؛ ويتوجسون الخوف حتى من حفيف الشجر وشقشقة العصافير، ويأخذ منهم الرعب وسوء الظن كل مأخذ من أية نأمة أو إشارة صادرة من أي شخص عرفوا فيه الجرأة والرجولة وقول الصدق والحق “.. وقد عرفوا في الهاشمي تلك الخصال، فصاروا يتخوفون من كل جملة أو حرف يصدر عنه . بورك الهاشمي من كاتب يرفع الهمم ويشد العزائم وينير الدروب المدلهمة أمام أبناء هذا الوطن، مهما كلفه ذلك من عنت وعناء ومحن .
0 626 23 أبريل, 2020 أدب, السادس بعد المئة, العدد الأخير أبريل 23, 2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.