السادس بعد المئة سياسة

هنري كيسنجر… وتجدد ” القوة المظلمة ” في فترة ما بعد كورونا

Avatar
Written by نبال خماش

نشر هنري كيسنجر – وزير الخارجية الأمريكية الأسبق، وواحد من أبرز المفكرين الجيوسياسيين على مستوى العالم، وصاحب العديد من الطروحات المستقبلية، التي يدور فحواها حول نقطة جوهرية واحدة: ضرورة إخضاع النظام الدولي لحاجات ومتطلبات الرأسمالية العالمية، وضمان ديمومة التفوق والازدهار لدول المركز، وفي مقدمتها الولايات المتحدة – نشر مؤخرا مقالا في الجريدة الدولية ” وول ستريت جورنال” تحت عنوان ” كورونا سيغير النظام العالمي إلى الأبد”. ويمكن تلخيص المقال بست نقاط، غير أن أكثرها أهمية وتحفيزا على إثارة الجدل النقطة الأولى والأخيرة، وما بينهما يمكن إدراجه باعتباره كلاما عاما استدعته متطلبات الدبلوماسية والخطاب السياسي الموجه. وربما قصد كيسنجر من هذا التباعد، بين الفكرتين الأهم في مقاله، أن يدفع عن طرحه تهمة الانتهازية السياسية في استثمار كارثة عالمية لصالح نظام سياسي/اقتصادي بعينه.
النقطة الأولى في المقال بمثابة شرح لعنوانه، فآثار ” كورونا ” الوبائية ستزول، ولكن الآثار السياسية والاقتصادية ستبقى ولسنوات طويلة. وهذه حقيقة بات كل واحد منا يدرك أبعادها، على اختلاف في مستويات التغير ودرجته. وفي نهاية المقال يقدم كيسنجر وصفته السحرية، وتتلخص بكلمات قليلة: ” حماية مبادئ النظام الاقتصادي العالمي، الحر”. أما النقاط الأربع، فلا تعدو كونها مشهيات فكرية، بين شاطر ومشطور، يطلق عليها اللغويون اسم “الكامخ”. مثل الإشارة إلى أن الوباء بات ظاهرة خارجة عن السيطرة، لتصبح مجالات استهدافه “عشوائية”، ودعوته إلى تعاون دولي لمواجهته، باعتبار أن نتائج الإخفاق في مواجهته ستكون كارثية على العالم. وأكد على دور حكومته في لعب دور قيادي، ليس لمواجهة الوباء ذاته على وجه الخصوص، وإنما لمواجهة كافة الأمراض المعدية.
الملاحظة الأهم في محتوى المقال، هذا التوصيف المختزل الذي يعكس قدرة النظام الرأسمالي على تجديد نفسه من خلال طرح برامج ومشاريع بين فترة وأخرى، وعلى نحو يلبي نهم دول المركز لموارد العالم وثرواته، إضافة إلى التسابق فيما بينها للتحكم بالنقاط الإستراتيجية، التي تضفي مزيدا من مظاهر النفوذ العالمي لمن يتحكم بها، ناهيك عن هذا الحرص في استمرارية عملية تراكم رأس المال في خزائن مصارفها. وهي حكاية ليست وليدة هذه الفترة من القرن الحالي، ولا القرن الذي سبقه، وإنما هي حالة يصل مداها إلى ستة قرون متواصلة.
تبدأ أولى فصول هذه الحكاية مع انطلاق الكشوف الجغرافية بتمويل من أمراء أوروبا وتجارها في نهايات القرن الخامس عشر، وتراكمت نتيجة هذه المغامرة تلال الذهب والفضة في القارة الأوروبية. وبعد هذه المرحلة عقد في ألمانيا “مؤتمر وستفاليا” الذي لا يمل كيسنجر في تمجيده، والإشارة إليه بجميع كتاباته باعتباره نقطة التحول الحقيقية، التي وجهت مسار أوروبا نحو عالمية نظامها الاقتصادي. وكان من أهم نتائج هذا المؤتمر ظهور الدولة القومية ابتداء، وبلورة مفاهيم التجارة العالمية الحرة، وسيطرة رأس المال، والشركات العملاقة… وبناء على إرشادات وتوضيحات هذا المؤتمر توزعت الدول القومية الأوروبية في أنحاء الأرض، واستوطنت العديد من المساحات ضمن ما عرف بـ ” الاستيطان الكولونيالي”. وحفزت عملية التراكم الرأسمالي الإنفاق على العلم والاختراع، وبذا شهدت القارة الأوروبية ما عرف بـ ” الثورة الصناعية”. ووظف كثير من نتائج هذه الثورة في سبيل تأكيد الهيمنة الغربية، وتكيف الأنماط الاقتصادية على النحو الذي يلبي حاجة السوق الغربية ومتطلبات الحركة الصناعية على وجه الخصوص.
وشهد مطلع القرن الماضي مرحلة جديدة من تطبيقات الرأسمالية العالمية عبر هذا الاجتياح العسكري الأوروبي لدول العالم. واتسعت رقعة الحركة الاستعمارية لتغطي ما يقارب من تسعين بالمائة من مساحة القارة السوداء، وخمس وسبعين بالمائة من آسيا. وخلال هذه المرحلة واصلت دول المركز نهب ثروات الدول المستعمرًة واستنزاف مواردها. وبعد عقود من انطلاقة أضخم حركة استعمارية عرفها تاريخ البشرية، غادر الاستعمار الغربي الأماكن التي وقعت تحت سيطرته، لكنها مغادرة لم تحدث فارقا حقيقيا في العلاقة بين الطرفين: المستعمٍر والمستعمًر، حيث تمكنت الدول الغربية، خلال حكمها التسلطي، من نمذجة الدول المستعمرة في كافة المجالات. وتوطيد نفوذ شرائح اجتماعية محلية في أوطانها، والتعامل مع أفرادها باعتبارهم وكلاء ومنتدبين محليين في خدمة القوى العالمية.
ومن خلال علاقة لا متكافئة، بين دول الأطراف المتخلفة، ودول المركز التي أخذت بمبدأ الليبرالية الرأسمالية، بدأت معالم علاقة جديدة في التشكل، أبرز مظاهرها تخلي القوى الرأسمالية عن أدواتها التقليدية في بسط نفوذها على العالم، لتحل مكان هذه الأدوات دعوات الانفتاح وحرية التجارة والإغراق في إطلاق نظريات اقتصاد السوق، وتحت ذرائع التنمية وتحسين مستوى الحياة، بدأت إستراتيجية إغراق الدول التابعة بالديون الخارجية وتوظيف المعونات الخارجية والتسهيلات لأغراض سياسية، كل ذلك جرى توظيفه في سبيل استعادة مراكز الرأسمالية العالمية سيطرتها على الدول التي باتت تشعر بمعنى الاستقلال والسيادة ولو بصورة رمزية أو مجتزأة، وامتدت هذه المرحلة حتى نهاية السبعينيات من القرن الماضي.
مع حلول ثمانينيات القرن الماضي، وتحت وقع أزمة الطاقة العالمية، التي عانى بسببها العالم الصناعي من خلال أزمات الركود في النمو. ولمواجهة هذه الأزمة أدخل تعديل جديد في العلاقة “اللامتكافئة” بين القوى العالمية والدول الضعيفة من خلال إجراء تعديل على طبيعة العلاقة بين دول المركز ودول الأطراف من خلال ما عرف آنذاك بـ ” إعادة الاحتواء”، وهي إستراتيجية استهدفت بالدرجة الأولى الهامش الاستقلالي البسيط الذي منح لحكومات العالم الثالث عقب انتهاء الحرب العالية الثانية ومطلع الثمانينيات، وأدخلت إضافات وتعديلات فنية على جوهر الليبرالية الرأسمالية أفضت في النهاية إلى اعتماد نهج عالمي جديد. وتعزز هذا التوجه أواسط التسعينيات عندما أشيع في العالم أن النموذج الأمريكي قادر على تقديم الحلول لمشاكل العالم الاقتصادية، وفي سياق هذا الطرح أعلن عن تشكيل منظمة التجارة الدولية. وجوهر هذا النظام باختصار فتح أسواق العالم أمام تدفق رأس المال دونما عوائق، وانسحاب القطاع العام وتحول الاقتصاديات المحلية إلى الاقتصاد المفتوح، وعدم الاكتراث بالقضايا الاجتماعية على مستوى العدالة والرعاية. والأهم من ذلك كله، هذا الدور الذي باتت المؤسسات المالية العالمية: “البنك والصندوق الدوليين” يمارسانه من خلال الضغط على الحكومات الوطنية لإدخال تعديلات على المنظومة التشريعية في بعديها الاجتماعي والاقتصادي، وبذلك انتقلت مهمة التخطيط ووضع البرامج الإنمائية من مستواها الوطني المحلي، إلى المستوى الدولي. وبدأ العالم يشهد كذلك، وعلى نحو صارخ، إعادة هيكلة الثروات واحتكارها، إضافة إلى زيادة الضرائب وارتفاع أسعار الطاقة والتوسع في الخصخصة. وبالتوازي مع ذلك كله كان لليبرالية الجديدة أكبر الأثر في صياغة الإنسانية على نحو جديد، وهي مسألة كان لوسائل التواصل الاجتماعي دور حاسم ضمن سياق انتهى أن تكفلت ثقافة السوق وقيمه الاستهلاكية بتحديد البعد القيمي والأخلاقي عالميا.
وبعد هذا التجوال السريع لأبرز المحطات التاريخية التي واكبت تطور الرأسمالية العالمية، والكيفية التي يواجه من خلالها العقل الغربي الأزمات التي تعصف بالساحة العالمية بين فترة وأخرى؛ يمكن تلمس ملامح الميكانيكية التي سيعمل بموجبها هذا العقل في مواجهته للأزمة الراهنة.
في ظهوره الدولي الأخير، أعلن كيسنجر نهاية العام الماضي من بكين، أثناء مشاركته في مؤتمر ” بلومبرغ”، أنه يشعر بالقلق إزاء المواجهة المستعرة بين الصين والولايات المتحدة بطابعها التجاري، وأبدى مخاوف أن تتطور حالة التنافس هذه وصولا إلى مواجهة عسكرية تفضي في النهاية إلى حرب عالمية ثالثة. وهو تصريح متمم لمقولته المشهورة :” طبول الحرب تدق…ومن لا يسمعها فهو مصاب بالصمم”. وأشار حينها إلى بعض نذر هذه الحرب ومؤشراتها، غير أن أهمها على الإطلاق وهم الإحساس بالهيبة والقوة الذي تشعر به الصين، وأن هذه الحالة ستكون سبب هزيمتها نتيجة مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية. هذا الحديث كان قبل ثماني سنوات من الآن، ومؤخرا كرر كيسنجر المضمون ذاته من خلال مشاركته الأخيرة في مؤتمر بلومبرغ، ولكن بصيغة تحذيرية أقل حدة، واكتفى بالإشارة إلى أن مواصلة حالة النزاع التجاري بين القوتين العظميين، يمكن أن تتحول إلى حرب فعلية بينهما. ولتفادي هذه النتيجة فإن السبيل الوحيد هو دخول البلدين في مفاوضات “تجارية” تسوى خلالها نقاط الخلاف بخصوص “المصالح المتضاربة”. وهي مرحلة تتطلع أمريكا دائما لبلوغها مع خصومها، فالمفاوضات في الدبلوماسية الأمريكية فعالية سياسية توازي في أثرها فعالية الثقب الأسود في الكون، كلاهما لديه القدرة على جذب الجسيمات الفالتة وابتلاعها.
ثم جاءت أزمة كورونا متزامنة مع انتهاء أعمال بلومبرغ الاقتصادي، وباعتبارها واحدة من كبريات الأزمات العالمية عابرة الحدود في تاريخنا المعاصر، فإن كافة التحليلات المعتبرة، بما فيها الرؤية التي عرضها كيسنجر، كانت مجمعة على نقطة أساسية، وهي أن هذه الأزمة سيكون لها تأثير واضح في إعادة هيكلة البنى الأساسية للقوى الدولية. هذه النقطة تكاد تكون محل إجماع وتوافق، إلا أن الاختلافات الفكرية تبدأ بالظهور عندما يكون الحديث مرتبطا بمستوى هذا التأثير ودرجته، والاتجاهات والأنشطة الأكثر تضررا، وربما الأكثر جنيا لفوائد الجائحة.
لطالما كانت مسألة إعادة بناء النظام الدولي وفقا للأنموذج الوستفالي هي الصيغة الأمثل التي ما انفك ثعلب السياسة الأمريكية، كيسنجر، يبشر بها، ومحذرا في الوقت ذاته من انقطاع هذه التجربة أو تباطؤها، باعتبار أن الصيغة الموازية ستنجم عنها صراعات أكثر هولا وفتكا بالبشرية، مقارنة بكافة الصراعات التي عرفتها الأمم والدول في السابق. ومسألة اجتراح نسخة محدثة عن الليبرالية الجديدة أو ما بعد الليبرالية قد يكون هذا أوانها. وإذا كانت التحليلات الناقدة للسياسات الأمريكية تذهب باتجاه أن العالم سيذهب باتجاه التحرر والانفكاك من اشتراطات العولمة، فإن المسار الذي ستضع الرأسمالية العالم عليه حالة يمكن وصفها بـ ” التوحيد” أو المزيد منه كعنوان عريض للمرحلة المقبلة، بمعنى أن مرحلة ما بعد الليبرالية مرتبطة بفكرتي توحيد الأسواق وتنميط القيم. وهي بالضرورة حالة تتعارض مع الاستنتاج القائل إن الأزمة الحالية ستعمق حالة الخلاف بين الدول. إن النقطة الأخطر التي يتم تداولها والتجاذب حولها بين مراكز التفكير منقسمة إلى متعارضتين: قوميون رافضون لفكرة العولمة ” التوحيد”، ومعسكر مدافع عن العولمة والرأسمالية العالمية، ويتربص بالقوى المعارضة وعنده استعداد للذهاب إلى أبعد ما يمكن في سبيل الدفاع عن هذا النظام.
كلمة أخيرة بشأن مستقبل الرأسمالية العالمية يمكن اقتباسها من فعالية تنعقد بصورة سنوية ضمن ما يعرف بـ “مجموعة بيلدربيرغ”. فإذا كانت نتائج مؤتمر وستفاليا قد حددت معالم النظام الرأسمالي بصورته القديمة، فإن هذه المجموعة التي تلتئم سنويا بمشاركة 120-140 من أكثر الشخصيات نفوذا وتأثيرا في أوروبا وأمريكا، تبحث على نحو دوري واقع العالم والتحديات التي تعترض النظام الرأسمالي ووضع الخطط والبرامج لاستمراريته. ومن الطبيعي أن تكون شخصية مثل هنري كيسنجر واحدة من الشخصيات التي تدعى بصورة دائمة لحضور فعليات هذا اللقاء السنوي، والذي عقد آخر فعالياته منتصف العام الماضي في سويسرا، بمتابعة صحافية كثيفة ولكن عن بعد، وبالنظر إلى السرية وحالة الغموض التي تحيط هذه المجموعة وخططها، يجري التعامل معها باعتبارها القوة المظلمة التي تحكم العالم. أما العناوين العريضة التي جرى بحثها في آخر لقاءات هذه المجموعة، وفقا لتسريبات مقصودة لعناوين المرحلة المقبلة، فكانت على النحو الآتي: مستقبل الرأسمالية، الصين وروسيا، وسائل التواصل الاجتماعي، تنمية الذكاء الصناعي، خطر التهديدات السيبرانية على البنية التحتية.

عن الكاتب

Avatar

نبال خماش

كاتب أردني

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.