“الموت بكورونا أم الموت بالجوع”؟

كتب بواسطة وضحاء شامس



قدمَ فرع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لشبكة الابتكار للتغيير I4C MENA Hub ندوة على الإنترنت بعنوان:” الحقوق المدنية في ظل جائحة فيروس كوفيد_19″ وذلك بحضور مجموعة من الناشطين والفاعلين في المجتمع المدني من مختلف الدول العربية، وقد سُلِط الضوء في النقاش التفاعلي على سياسة التهميش التي تتبعها بعض الدول تجاه المنظمات والمؤسسات المدنية، الأمر الذي أدّى إلى غياب أدوارها الفاعلة في أبرز القضايا الصحية العالمية الآنية بشكلٍ ملحوظ، حيث تتصدر الدول مشهد الإدارة المركزية لجائحة فيروس كوفيد_19 مستحوذة على الدور الأكبر من الإدارة، وقد يرجع ذلك في رغبتها لإعادة كسب ثقة أفراد المجتمع بعد أن تم استنزاف هذه الثقة وفقدانها في ثورات الربيع العربي، وتمارس بعضها في ظل هذه الأزمة شكلًا من أشكال الإقصاء لأدوار المجتمع المدني كالأدوار الإغاثية والتوعوية والخيرية وغيرها، وعلى الرغم من وجود مجموعة من المبادرات المدنية لمكافحة كوفيد_19 إلاَّ أنها ما زالت تخضع تحت مظلة الدولة وسيطرتها، وهي لدلالة على استغلال الوضع الراهن لوقف الحراك المدني والمطالبات الشعبية حيث تقدم الدولة نفسها كالمحرر والمنقذ الوحيد للإنسان من الأوبئة.
وفي ضوء تفعيل قانون حالة الطوارئ وحزمة القوانين والقرارات الصادرة من الدول العربية لمكافحة جائحة فيروس كوفيد_19، أصبح لابد من الوقوف على الحقوق الإنسانية والمدنية، فإلى أي مدى يحق للدول اتخاذ مثل هذه القوانين والقرارات التي قد تمس بالحقوق الإنسانية؟ وإلى أي مدى يعي أفراد المجتمع هذه الحقوق المدنية في ظل أزمة كوفيد_19؟ حيث جاء في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على سبيل المثال لا الحصر في الجزء الثالث- المادة (6): “الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، وعلى القانون أن يحمي هذا الحق ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفاً” أما المادة (9) فنصت:” لكل فرد حق في الحرية وفي الأمان على شخصه، ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفاً، ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبقاً للإجراء المقرر فيه “، وعلى خلاف ما سبق جاءت خطط حالات الطوارئ الصحية وقرارات الدول للتعامل مع فيروس كوفيد_19 فكانت أبرز القرارات: فرض القيود على حرية التنقل والحركة، الذي عكسه قرار حظر التجول الجزئي أو الكلي، وتطبيق العقوبات في حالة خرق القرارات بالحبس أو دفع الغرامات، ووضع القيود على حرية التعبير ، وإخلاء بعض المناطق أو عزلها، وعلى الرغم من انطلاق القرارات من مبدأ المصلحة العامة ومسؤولية الفرد الأخلاقية نحوَّ المجتمع إلاّ أن الأسئلة المطروحة التي ظهرت في الفضاء الاجتماعي كانت: ألاّ تتعارض القرارات الاحترازية المتخذة لمكافحة فيروس كوفيد_19 مع حق الحياة وحق ممارسة الحرية بأشكالها؟! وألم يحن الوقت لصياغة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في وقت الأزمات؟ أَوْلَيس على المنظمات ومؤسسات المجتمع المدني أن تبدأ بصياغة السياسات العامة لإدارة هذه الأزمات بوصفها شريكًا في المجتمع مع الدولة؟!
وفي هذا المعنى أيضاً أوضحت جائحة فيروس كوفيد_19 هشاشة السياسات وقوانين تمكين بعض الفئات في منظومة العمل بالمجتمعات العربية، على سبيل الذكر لا الحصر: الحقوق المرتبطة بعمال المياومة – وهم الذين يدفع لهم أجورهم يومياً- فقد شكلت القرارات الصادرة لمكافحة الجائحة تهديداً لحياة عمال المياومة، و هدرًا لكرامتهم الإنسانية بانقطاع مصدر رزقهم نتيجة حظر التجوّل، مما دفع بعض العمال إلى كسر هذا القرار المتخذة من قبل الدولة بالخروج من المنزل؛ لتأمين احتياجاتهم الأساسية والرغبة في الشعور بالأمن الوظيفي والاستقرار الأسري، فأصبحوا يواجهون في كُلِّ يومٍ صراعاً وجودياً للبقاء على قيد الحياة وتعاطيهم مع سؤالٍ أخلاقي جدلي وهو:” الموت بكورونا أم الموت بالجوع”؟
وعلى غرار ما سبق، فقد برزت مسألة حقوق العمالة الوافدة وخاصة بدول مجلس التعاون الخليجي العربي بعد جائحة فيروس كوفيد_19 والمشكلات المصاحبة لها، حيث تعدُّ العمالة الوافدة أحد الفئات المهمشة في القرارات والإجراءات المتخذة في تصدّي الوباء العالمي بدول الخليج، ومن جانب آخر كانت مؤشرات انخفاض مستوى وعي العمالة الوافدة بحقوقهم المدنية حاضرةً بصورة واضحة مما جعلهم في موضع انتهاكات واسعة في ظل قرارات الجائحة، وهو الأمر الذي يستدعي من المنظمات والمؤسسات المدنية مناهضة هذه الانتهاكات ضد العمالة الوافدة من خلال تبني مجموعة من المبادرات القائمة على المساءلة، والمناصرة، والتوعية، وتقديم المساعدات اللازمة لهم.
عودًا على بدء، يعدُّ حراك المجتمع المدني العربي حراكاً حديث النشأة، كما أن ظهور أزمة فيروس كوفيد_19 في الوقت الحاضر ساهم في الوقوف على طبيعة عمل المنظمات والمؤسسات المدنية وأدوارها، وذلك بإعادة إنتاج العمل المدني بشكلٍ حداثي وفق الاحتياجات الأولية وما يتناسب مع المتغيرات المجتمعية الطارئة، وفي هذا أيضاً، فتحت أفقاً جديدة آخرى لإعادة تقييم الحقوق المدنية في الأزمات والكوارث، وإعادة التفكير في طبيعة علاقة المنظمات ومؤسسات المجتمع المدني مع سلطة الدولة. وخلاصة الأمر في هذا الشأن؛ فقد خرجت الندوة بمجموعة من التوصيات كان أبرزها: تأسيس مرصد لمتابعة سير حركة الحقوق المدنية في ظل جائحة فيروس كوفيد_19، ورصد المخالفات والانتهاكات التي ترتكب ضد المبادئ الإنسانية في هذه الجائحة الوبائية العالمية.

Hits: 24

السادس بعد المئة ثقافة وفكر

عن الكاتب

وضحاء شامس

اترك تعليقاً