السادس بعد المئة ثقافة وفكر

ف. نايبول: يوميات عن القراءة والكتابة

في أواخر التسعينيات من القرن الماضي نشرت مجلة “نيويوركر ريفيو أوف بوكس” مقالتيْن مطولتيْن للكاتب البريطاني من أصول هندية، الحائز على جائزة نوبل ف. نايبول، بعنوان: عن القراءة والكتابة: حساب شخصي”، تناول فيهما الكاتب طرفًا من سيرته الذاتية وحديثًا مطولًا عن بداياته الأولى مع القراءة والكتابة. حكي نايبول عن قراره المبكّر بأن يصبح كاتبًا، واعترافه أن طموحه في سنوات الصبا والشباب كان ضربًا من ضروب الخداع، لأنه لم يشعر برغبة جارفة أو حاجة مُلحّة إلى الكتابة، كما أنه لم يكن يقرأ كثيرًا، كما روى تجاربه مع والده وفضله وتأثيره عليه.
أنقل في السطور القادمة فقرات من ذكريات ف. نايبول مع القراءة والكتابة:
“كنتُ في الحادية عشرة، لا أكثر، حينما رادوتني الرغبة في الكتابة. بعدها بفترة قصيرة تحوّلت الرغبة إلى طموح مستقر داخل وجداني. صحيح أن حداثة سني لم تكن معتادة، لكنها أيضًا لم تكن ظاهرة خارقة للعادة. فقد سمعتُ أنّ جامعي الكتب والصوّر في مقدورهم البدء في سنّ مبكرة، ومؤخرًا أخبرني مخرج متميّز من الهند، هو شيام بينيغال أنّه عقد العزم على إخراج فيلم سينمائي لما كان في السادسة من عُمره.
مع ذلك، ولسنوات طويلة ظـلّ طموح الكتابة يمثّل لي لونًا من ألوان الخزي. كنتُ أحب أن أمتلك قلم حبر سائل وزجاجة حِبر من نوع ووترمان وكتبًا جديدة مسطّرة (مزوّدة بهوامش)، لكن لم تكن تحدوني رغبة ولا حاجة إلى كتابة أي شيء، لم أكتب سطرًا واحدًا، ولا حتى الرسائل، إذ لم يكن هناك مَن أكتبُ إليه. لم أكن بارعًا في كتابة قطع الإنشاء باللغة الإنجليزية في المدرسة، ولم أكن أختلق أو أحكي قصصًا في المنزل. لكني رغم ذلك كنتُ مغرمًا بالكتب الجديدة كأشياء مادية، لم أكن قارئًا نهِمًا.
كنتُ أحب كتاب “حكايات الحكيم يعسوب” للأطفال في طبعتها الرخيصة وغلافها الثخين. كما أحببتُ كتاب حكايات أندرسون الخرافي، واشتريته لنفسي بحصيلة نقود عيد ميلادي. لكن كانت لديّ مشكلة فيما يخصّ الكتب الأخرى، ولا سيما التي كان من المفترض أن يحبّها التلاميذ. في الصفّ الخامس بالمدرسة اعتاد المدرس، السيد وورم أن يقرأ علينا أسبوعيًا لمرّة أو مرّتين شيئًا من رواية “عشرون ألف فرسخ تحت سطح الماء” من سلسلة كوللينز للأعمال الكلاسيكية. كان الصف الخامس “معرضًا تعليميًا”، وكان ذا أهمية شديدة بالنسبة لسُمعـة المدرسة، وكانت فكرة المعارض التي تقدّمها حكومة الولاية [ولاية ترينيداد التابعة لبريطانيا] مقصورة على المدارس الثانوية في الجزر التابعة للتاج البريطاني. وكان الفوز في تنظيم هذه المعارض يعني الإعفاء من دفع رسوم الدراسة في المرحلة الثانوية، والحصول على كتبٍ مجانية، كانت فكرة المعارض آنذاك نوعًا من أنواع تحقيق الشهرة بالنسبة للمرء وللمدرسة التي يدرُس بها”.


كنتُ قد بدأت في تلك الفترة في تشكيل فكرتي الخاصة عن الكتابة، كانت فكرة شخصية مفعمة بالفضول والنبالة، لكنها مُنبتة الصلة عن المدرسة وعن الحياة المضطربة المفككة لعائلتنا الهندوسية الممتدة الفروع. تشكّلت فكرتي عن الكتابة – التي كانت تعطيني الطموح لأن أصير كاتبًا- عبر القراءات البسيطة التي كان أبي يتلوها على مسامعي من وقتٍ إلى آخر.” كان والدي رجلًا عصاميًا علّم نفسه بنفسِه حتى صار صحافيًا، وكان له منهجه الخاص في القراءة. في تلك الفترة كان أبي في أوائل الثلاثينيات، وكان ما يزال يواصل التعلّم، وكان يقرأ عدة كتبٍ في آنٍ واحد، لكنه لا ينهي قراءة واحدٍ منها، لم يكن يبحث عن الحكاية ولا عن الجدال الذي قد يثيره الكتاب، بل كان يبحث عن شخصية الكاتب أو عن الخصال المميزة لشخصيته. وهناك فقط كان يعثر على متعته، فيتذوّق المؤلفّين عبر دفقات متشظية. كان أحيانًا يدعوني للاستماع إلى صفحتيْن أو ثلاث صفحات أو أربع وربما أزيد قليلًا من الأعمال التي تمتعه شخصيًا. كان أبي يقرأ ويشرح لي ما يقرؤه باستمتاع شديد، فكان من السهل تمامًا أن يعجبني ما أعجبه. وعلى هذا النحو المضطرب، وبالنظر إلى خلفية المشهد الثقافي؛ أقصد المدرسة مختلطة الأعراق داخل إحدى المستعمرات، وطغيان الطابع الآسيوي على تفاصيل بيتنا، شرعتُ في تشكيل مختارات باللغة الإنجليزية تخصني وحدي. ضمّت هذه المختارات قطعًا نثرية جمعتها قبل أن أبلغ الثانية عشرة: بعض من خطابات يوليوس قيصر، وصفحات متفرقّة من أوليفر تويست، ومغامرات نيوكلاس نيكلبي وديفيد كوبر فيلد.
ولكنني حينما أقبلتُ على قراءة الكُتب نفسها لم أجد في بطون الكتب عُــمــق ما رُوِي على مسامعي من قبل، فما عرفته عبر السماع كان شيئًا سحريًا عجيبًا، بينما ما قرأته كان أبعد ما يكون عن ذلك؛ إذ كانت لغة الكتب آية في الصعوبة، فضللتُ طريقي وسط متاهة التفاصيل الاجتماعية أو التاريخية. ففي قصّة “كونراد” كان المُناخ محل الوصف وعالم النباتات مماثلًا لما أراه حولي، بينما بدا أهل الملايو غير حقيقيين، ولم أتمكن من هضمهم على النحو الموصوف. وحينما أقبلتُ على قراءة الكُتاب الجدد، أخرسني حشد تركيزهم على صفاتهم وسماتهم الشخصية، عجزتُ عن التظاهر بأنني مثل سومسرت موم في إنجلترا أو هسكلي أو أكيرلي في الهند. كنتُ أرغب في أن أصير كاتبًا، لكن تلك الرغبة صاحبتها معرفة بأن الأدب الذي رسّخ في أعماقي تلك الرغبة، كان قادمًا من بقعة أخرى تمامًا بعيدة عن البقعة التي أنتمي إليها.


أن أصير كاتبًا لم يكن يعني أن أصير مؤلف قصص وروايات. كان هذا هو شكل الطموح الذي راودني آنذاك، مسلحًا بالمختارات الشخصية والقراءات التي كان يتلوها عليَّ أبي، وقد بقي الأمر على هذا النحو. الغريب أنني لم أسائل هذه الفكرة، إذ إنني لم أكن أملك ذائقة أقرأ بها الروايات، ولم أكن أشعر بالحافز (الذي كان يقول الأطفال أنهم يشعرون به) الذي يدفعني إلى ابتكار القصص، علاوةً على أن مخيّلتي طوال سنوات “حشر المعلومات” كانت قد تشكّلت عبر السينما، لا عبر الكتب. وكان ينتابني توتر شديد وأنا أفكّر في حالة تبلّد الكتابة التي تطوّقني، حينها كنتُ أقول إلى نفسي – وكأنني رجل أومن بقوة السحر- إنه حينما يحين الأوان سنتقشع غمامة التبلّد وستُكتب الأعمال. كان من المفترض أن يحين الأوان وأنا في أكسفورد الآن، بعد حصولي على المنحة الدراسية بشقّ الأنفس، لكن تبلّد الكتابة لم يفارقني، وواصلت فكرة “الخيال الأدبي” والرواية” تؤرقانني.
الرواية شيء مُختلق مُلفّق، هذا هو تعريفها، لكنها من المفترض أيضًا أن تكون شيئًا حقيقيًا، شيئًا مستمدًا من الحياة، فتكون الرواية على هذا الأساس مكونة من رفض الخيال بنسبة خمسين في المئة، أو النظر إليها كحقيقة واقعية.


عشنا فوق جزيرة صغيرة مساحتها 1,800 ميل مربع، وعدد سكانها نصف مليون نسمة، لكنها كانت خليطًا متنوعًا من السُكان ومزاجًا من عوالم مختلفة أشدّ ما يكون الاختلاف. وحينما حصل أبي على وظيفة بإحدى الجرائد المحلية سافرنا لنعيش في المدينة، التي لم تكن تبعد سوى اثني عشر ميلًا، لكن الأمر كان أشبه بالذهاب إلى مدينة أخرى. تركنا وراء ظهرنا عالمنا الهندي الصغير.
منحتني مختارات القراءة التي كوّنتها بنفسي فضلًا عما كان يقرؤه أبي عليَّ الفكرة السامية حول الكتابة. مع أنني بدأت الكتابة من زاوية مختلفة نسبيًا، كان موقفي يشبه موقف جوزيف كونراد حينما نشر عملَه الأول، وحينما بعثَ بروايته الأولى إلى أحد الأصدقاء. كانت الرواية واحدةً من حبكات كثيرة داخل رأسي. لم يكن كونراد يرى الرواية مجرد عملية بوحٍ للقلوب البشرية، بقدر ما كانت “اختلاقًا” لمجموعة من الأحداث التي لن تكن في جوهرها سوى مصادفات غير مقصودة. كتب كونراد إلى أحد الأصدقاء:” أتخلص من كل السحر وكل الحقيقة عبر آلية قصصيى تبدو عبرها الحكاية أقرب إلى الزيف”. كان اكتشاف/ابتكار الحكاية بالنسبة إلى كونراد، مثله مثل سارد رواية “تحت أنظار غريبة” مجرد عمل أخلاقي.


حينما كانت تراودني أوهام أن أصير كاتبًا لم أكن أملك تصورًا واضحًا كيف يمكنني تأليف كتاب. ربما كانت هناك (لا أزعم أنني متأكد من ذلك) فكرة غامضة تسبح في خيالي، وما إن أمسكها حتى تعقبها الأفكار الأخرى. لكن الأمور لم تجرِ على هذا النحو، لم تكن المادة المتوفرّة تحت يديّ تسمح بذلك. في تلك الأيام المبكّرة من حياتي كانت فكرة كل كتاب جديد تحتّم عليَّ مواجهة ذلك الخواء مجددًا وتحتّم العودة إلى البداية. ولم تكن الأعمال التالية أفضل حالًا من سابقتها، إذ كانت تتولّد من مجرد رغبة في تأليف كتابٍ/رواية، مشوبة بنوع من التشبث البدهي أو البريء أو حتى اليائس بمجموعة من الأفكار والمواد الخام دون امتلاك معرفة كاملة بما قد تقودني إليه الأمور. كانت المعرفة تأتي مع مرحلة الكتابة نفسها. كان كل كتاب يأخذ بيدي إلى معرفة أعمق ومشاعر أعمق، وكانت هذه المعرفة تقود خطاي إلى أسلوب جديد في الكتابة، كانت كل رواية مجرد مرحلة من عملية الاكتشاف والعثور، وهي عملية غير قابلة للتكرار وإعادة التدوير. كانت مادّتي في الكتابة، وماضي حياتي – المنفصل عني مكانيًا – ثابتيْن مُكتمليْن، مثل طفولتي تمامًا، ولا يُمكن إضافة تفاصيل إليهما. استهلكتهما طريقة الكتابة. كان خيالي في التأليف يتحرّك مثل قطعة طباشير تخريش فوق سبّورة سوداء، تُمحى لتصير نظيفة في بعض المراحل، ثمّ تعود السبّورة سوداء مجددًا.
أخذني الخيال إلى حدوده القصوى. وكانت هناك أمور لم أقدر على التعامل معها، كسنوات إقامتي في إنجلترا، لم يكن ثمة عمق اجتماعي تستطيع التجربة الأدبية التعامل معه، بل أقرب إلى سيرة ذاتية لسنواتي في تلك الفترة.


الصدفة وحدها هي التي دفعتني إلى تأليف الأعمال غير القصصية. كان هناك ناشر من الولايات المتحدة الأميركية ينشر سلسلة عن كتب الرحلات، فسألني كتابة عمل عن رحلاتي في المستعمرات البريطانية. ظننتُ في البداية أنه عمل يسير: قليل من التاريخ المحليّ لمسقط رأسي، بعض الذكريات الشخصية وبعض الصور المرسومة بالكلمات. كانت لديّ فكرة مشوبة بنوع غريب من البراءة أن المعرفة في عالمنا اليوم متوافرة في كل مكان ويمكن استدعاؤها عند الحاجة. لكنني اكتشفتُ أنه لم يكن ثمة تاريخ محلي يُمكن الرجوع إليه، لم تكن هناك سوى بضع كتب إرشادية تحوي بعض الأساطير المُكررة. لم تكن المستعمرات مهمّة، فقد اندثر تاريخها. واشتملتْ بعض الكتب الإرشادية سالفة الإشارة إلى نقطة ساخرة مؤداها أن شيئًا ذا بال لم يقع على أرض المستعمرات البريطانية منذ زيارة السير والتر ريليج في سنة 1595. فكان عليّ العودة السجلات والوثائق وشهادات الرحّـالة. والأوراق الرسمية البريطانية.


الأدب هـو منجم من الاكتشافات، وكل ما يُمكن اشتقاقه من الأدب بارع، مثير للإعجاب، باعث على السعادة. لكن ينبغي علينا دائمًا العودة إلى الجذور. الأدب مثله مثل كل المخلوقات الحيّة لا يتوقّف عن الحركة. جزء من دورة حياة الأدب أن العنصر الأساسي بداخله خاضع للتغير المتواصل.

عن الكاتب

Avatar

أحمد الزناتي

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.