الثامن بعد المئة العدد الأخير ثقافة وفكر

الأزمة والقطيعة: بمناسبة ظهور جائحة كورونا

Avatar

  لم يكد الاقتصاد العالمي يتعافى من تداعيات ما عرف بالأزمة المالية والبنكية التي حلت به في العشرية الأولى من هذا القرن، حتى دخل في انكماش عام جديد في ظل أزمة كورونا كوفيد 19 لتزداد الصدمة اتساعا وعمقا بما يجعل الخروج منها مفتوحا على المجهول في الأمد المنظور على الأقل. 

 ليست الأزمات التي تعرفها المجتمعات البشرية ومنها الأزمة المالية والبنكية الأخيرة، بل وأزمة كورونا الحالية أيضا، سوى ارتدادات ونتائج تطفو على سطح القشرة الأرضية أما الأسباب العميقة فينبغي البحث عنها والتماسها في التحولات والقطائع الكبرى التي يشهدها تاريخ المجتمع البشري. 

 لابد من التمييز بين الأزمة والقطيعة في كل تحول أساسي من التحولات التاريخية. عندما تحدث الأزمة، أي أزمة، فإن الخروج منها يقتضي النظر إليها وإدراكها كقطيعة أو فرصة لإحداث القطيعة كما يقتضي أيضا التعبئة والانخراط الجماعيين في نفس هذا المنظور. بعبارة أخرى، عندما تحدث أزمة ما لا ينبغي التماس المخرج في العودة إلى ما كان عليه الحال قبل حدوث الأزمة وإنما ينبغي البحث عن توجهات أخرى جديدة بعد إدماج التحولات والمعطيات الجديدة وإلا فإن الأزمة ستعاود الظهور من جديد ولو بعد مدة من الزمن، بل قد تتكرر بشكل دوري كما يدل على ذلك تاريخ الأزمات الاقتصادية العالمية. وها نحن اليوم في ظل أزمة كورونا أمام وضعية مساءلة حقيقية من طرف الزوج المفهومي أزمة/قطيعة. 

 ثمة علاقة، حسب الفيلسوف الفرنسي المعاصر “ميشيل سير”، صاحب كتاب “زمن الأزمات”(2)، بين لفظي “أزمة” و”نقد”. فإذا كان لفظ “وضعية أزمة” Critique (Situation)  يتضمن دلالة قانونية في الأصل فإن لفظ “أزمة” Crise يحمل دلالة طبية. لقد صارت عبارات مثل “أزمة عصبية” و”أزمة قلبية” و”أزمة كبد” وغيرها مألوفة لدى عامة الناس تقريبا في معانيها المتداولة. تفيد الدلالة الطبية لمفهوم الأزمة معنى التصاعد في شدة المرض إلى أن يبلغ أوجا يصير معه التحمل أمرا صعبا لا يطاق. هذه هي الأزمة في دلالتها الطبية. في مثل هذه الوضعية المتأزمة يكون من المفروض على الجسد أن يحسم ويختار ويقرر. هنا ينبغي استحضار الدلالة والأصل القانونيين juridique لمعنى الأزمة، ذلك لأن هذا اللفظ يرتد أصله الإتيمولوجي إلى فعل إغريقي يفيد معنى “الاختيار” choisir الذي يفيد بدوره معنى اتخاذ القرار décider وإصدار حكم juger في أمر ما. فالقاضي، على سبيل المثال، يختار ويقرر ويحكم في النهاية ما إذا كان المتهم الماثل أمامه مذنبا أم بريئا. وبالمثل فإن الجسد، في وضعية الأزمة الصحية بالمعنى المحدد سابقا، يتعين عليه الاختيار. هنا مربط فرس المسألة كلها. فإذا فرضنا أن الجسد يتعافى بعد أن يبلغ المرض أوجه أي بعد حدوث أزمة صحية، فإن ثمة مدرسة كلاسيكية في المجال الطبي ترى أن التعافي من المرض، في هذه الحالة، معناه أن الجسد قد قرر في النهاية العودة إلى حالته الابتدائية أي إلى وضعية ما قبل المرض والاعتلال. غير أن معظم الاخصائيين وعلماء البيولوجيا قد لاحظوا مؤخرا أن العودة إلى واقع الحال statuquo السابق على المرض تحمل في طياتها خطر العودة إلى نفس الشروط السابقة التي ظهر في ظلها المرض والتي أدت بالجسد إلى الأزمة. وبما أن نفس الأسباب تؤدي إلى نفس النتائج فإن الجسد يمكن أن ينتهي به المطاف بعد التعافي إلى نفس الأزمة مجددا ويدخل في ضرب من الحلقة المفرغة. 

 في مقابل هذا المنظور الكلاسيكي القائم على مفهوم العودة إلى الحالة السابقة، يرى “ميشيل سير” ؟.[1] أن ثمة اليوم في المجالين البيولوجي والطبي فلسفة جديدة في موضوع العلاج والتعافي قائمة على مفهوم ابتكار الجديد. فالتعافي، حسب هذا المنظور الجديد، ليس معناه عودة الجسد إلى الوضعية السابقة على حالة الأزمة المرضية، بل معناه أن الجسد يعمل بشكل جذري على خلق وابتكار وضعية/حالة جديدة مغايرة تماما للوضعية السابقة. فبما أن الأزمة، بهذا المعنى، تحمل الجسد على الاختيار بين أن يموت أو أن يستمر في الحياة، فإن اختيار الحياة معناه ألا يعود الجسد مرة أخرى إلى الحالة السابقة التي قد تنتج الأزمة من جديد، بل التعافي معناه أن يبتكر وضعا قائما statuquo جديدا.لعل هذا ما يدفع “ميشيل سير” إلى تحديد وتعريف الحياة بصفة عامة بأنها ” القدرة على ابتكار الجديد”. وبهذا المعنى فإن الجسد يمتلك القدرة، في أوج اعتلال صحي قاس وصعب، على ابتكار “شخصية أو هوية عضوية جديدة” أي، ابتكار وضع جديد. وهذا هو معنى الحياة.

الأزمة بين الطبي والاقتصادي 

 كما كان الحال بالنسبة للأزمة المالية التي عصفت بالكثير من بلدان العالم في العشرية الأولى من هذا القرن (2008) وكما هو واقع اليوم أيضا مع أزمة فيروس كورونا المستجد كوفيد 19، فإن مسألة التعافي والخروج من وضعية الأزمة الوبائية والاقتصادية أثارت ولازالت تثير جدالا ونقاشا واسعين. غير أن ما هو ثابت ومشترك في الآراء المستشرفة لآفاق ما بعد كورونا هو ضرورة الاستفادة من دروس هذه الجائحة في بناء المستقبل. إن الحل الأنسب في جميع حالات الأزمات، في نظر “ميشيل سير”، هو استعارة وتطبيق المنظور الجديد للتعافي الطبي والبيولوجي من الأزمة الصحية، إذ لا مناص من ابتكار الجديد من أجل التعافي والتجاوز. ذلك، لأن العودة إلى الوضعية السابقة معناه الارتماء في حالة شبيهة بما وقع إبان القرن التاسع عشر في فرنسا مثلا، حيث حدثت ثورة أولى جاء بعدها رجوع إلى حالة توازن ثم حدثت ثورة أخرى أعقبتها حالة أخرى من استتباب الأوضاع على نحو متكرر، وفي كل مرة كانت تتم العودة إلى الحالة السابقة مما يؤدي إلى معاودة السقوط في نفس الوضعية المتأزمة situation critique. لذلك إذا كانت هناك أزمة في مجال الاقتصاد والمال فإن المنظور الطبي/البيولوجي لمفهوم الأزمة وكيفية التعافي منها، عن طريق ابتكار الجديد، هو الأفيد والأنجع في المجال الاقتصادي أيضا، لكن شريطة التوجه إلى أسبابها العميقة والحقيقية. وهذا يقتضي التمييز، في حالة الأزمة الاقتصادية، بين ما يطفو على السطح من مشكلات مالية وبنكية وبورصوية وما هو منغرس في أعماق “الطبقات الجيولوجية” التحتية للنظام الاقتصادي من ميكانيزمات وأسباب عميقة منتجة للأزمات بشكل دوري. ذلك لأن الآثار الظاهرة على السطح والتي يلتقطها الإعلام والصحافة باعتبارها أحداثا، إن هي إلا تمظهرات وآثار دالة على ما يوجد خلفها من عوامل محددة. فما هي التحولات والقطائع الكبرى في العالم التي تطبع الحياة المعاصرة كما يشخصها “ميشيل سير”

قطائع وتحولات كبرى معاصرة

 يقتضي القبض على الأحداث والمستجدات الحقيقية عمل الحفر في أعماق تحولات وقطائع تاريخية كبرى عرفتها البشرية ابتداء من النصف الثاني من القرن العشرين يحددها “ميشيل سير” في مداخلاته المختلفة على هامش صدور كتابه “زمن الأزمات” ويمكن إجمال هذه التحولات في حزمتين أساسيتين من الأحداث التاريخية تخص علاقة الإنسان بالمجال وعلاقته بجسده إلى جانب حركيته على كوكب الأرض.

انهيار العالم القروي 

 لعل أبرز تحول عرفه الإنسان على مستوى علاقته بالطبيعة وبالمجال يتمثل ديموغرافيا في انهيار الحياة القروية. فقد تحولت نسبة الساكنة القروية، حسب “ميشيل سير”، في معظم البلدان الأوروبية من المراوحة ما بين 70 و75 في المائة من مجموع الساكنة خلال القرن الماضي إلى 1,7 في المائة فقط في القرن الحالي، مع العلم أن هذا الرقم في تناقص مستمر. لكن بأي معنى يعتبر هذا التحول الديموغرافي الذي يمس علاقة الإنسان بالطبيعة وبالمجال حدثا كونيا؟ وكيف يمكن قياس مدى جدة وقيمة وأهمية الحدث الكوني؟ يقاس الحدث الفعلي والحقيقي، حسب “ميشيل سير”، بمدى استمرار حالة أو ظاهرة ما في الزمن والتاريخ قبل أن يأتي الحدث المعني ليضع لها حدا وليبدأ عهد جديد. فمعلوم أن الإنسان قد مارس الزراعة وتربية الماشية كنشاط اقتصادي أساسي منذ العصر النيوليتيكي. وعندما ينخفض عدد ممارسي هذا النشاط إلى هذا المستوى، فإن ذلك يعتبر حدثا كونيا حقيقيا. بهذا المعنى فإن سنة 2000 وبداية القرن الواحد والعشرين هي بداية نهاية العصر النيوليتيكي. لكن بالرغم من أهميته هذا المنعطف الذي يؤشر على تحول أساسي في علاقة الإنسان بالعالم إلا أنه لم يشكل حدثا في الإعلام وفي الصحافة. هكذا يحضر حدث كبير كهذا بيننا كما يحضر لص في جنح الظلام دون أن يثير الانتباه. 

 لقد رتب الحدث الديموغرافي المتمثل في تهاوي عدد المشتغلين بالزراعة آثارا ديموغرافية أخرى على مستوى العلاقة بين المدينة والقرية. فإلى حدود سنوات 1800 و1850 لم تكن ساكنة المدن تشكل سوى نسبة تتراوح بين 3 و5 % من سكان العالم أما الباقي فقد كان يسكن البادية. لكن المفارقة الغريبة أن التاريخ الذي تلقيناه في المدارس هو تاريخ المدن (مدن مثل بابل والقدس وأثينا وإسبارطة وروما والبندقية. ..) أي تاريخ 3 % فقط من البشرية وكان لابد من انتظار القرن الواحد والعشرين ليتحول الثقل البشري والديموغرافي بشكل فعلي نحو المدن بعد انهيار العالم القروي لتصبح المدينة هي حاملة التاريخ الفعلي. 

مفهوم افتراضي جديد للمكان 

 لم يعد الإنسان، في ظل التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال وفي ظل الثورة الرقمية المعاصرة، يقيم في نفس المكان وفي نفس العنوان الذي أقام فيه أسلافه من قبل. ولم يعد العنوان الشخصي الأساسي المستعمل من طرفه من أجل التواصل هو العنوان الكلاسيكي القائم على مفهوم الشبكة (شبكة أرقام المنازل والشوارع والأحياء والمدن والدول والقارات، القائمة كلها على حساب المسافات) القائم بدوره على تصور أقليدي (نسبة إلى العالم الرياضي اليوناني القديم المشهور”أقليدس”) لمفهوم المكان أي المكان الهندسي والحسابي. فلقد صار العنوان الشخصي الرئيسي للإنسان المعاصر اليوم مندرجا ضمن تصور جديد ذي طبيعة طوبولوجية وافتراضية وعلى مفهوم التجاور Voisinage. وبما أن لفظ “عنوان” Adresse يتضمن في أصله اللاتيني معنى القانون Droit ومعنى السلطة Roi فإن هذا يعني أن الإقامة في مكان ما وفي عنوان معين، تفترض قانونا وسياسة معينين، من ثمة، فإن مكان الإقامة الجديد، في ظل التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال، يفترض قانونا وسياسة جديدين مختلفين عن قانون وسياسة المكان الهندسي الكلاسيكي. لعل هذا ما يفسر الإشكالات القانونية والسياسية التي يثيرها الإعلام والنشر على مواقع التواصل الاجتماعي اليوم. وفي نظر “ميشيل سير” فإن العالم الافتراضي يقتضي ابتكار قانون وسياسة جديدين يتلاءمان مع خصوصية هذا الفضاء الجديد. لكن إذا كانت التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال قد جعلت الأمكنة عبر العالم بين يدي الإنسان المعاصر دون ما حاجة الحضور الجسدي في أي مكان محدد، فإن الحركية البشرية على الأرض قد بلغت مع ذلك أوجا غير مسبوق. 

سرعة وضخامة الحركية البشرية والفيروسية عبر العالم 

 إلى جانب الظاهرة/الحدث الجديدة المتمثلة في التحول الديموغرافي من الحياة القروية إلى الحياة المدينية يلتقط “ميشيل سير” ظاهرة أخرى غنية بالدلالات تتعلق بالحركية البشرية على كوكب الأرض. غير خاف أن البشر كانوا دائما متحركين على كوكب الأرض. فالإنسان كائن مهاجر ومسافر بطبعه منذ القدم. لكن الواقع اليوم يكشف أن هذه الحركية غير مسبوقة. فقد نقلت الشركات العالمية العاملة في مجال الطيران في سنة 2006 ثلث البشرية الكونية، أي مليارين ونصفا من الأشخاص عبر العالم. هل انتبهنا لذلك؟ يتساءل “ميشيل سير” لكن إذا كان تنقل البشر من مكان إلى آخر على كوكب الأرض أمرا عاديا، فإن من الأهمية بمكان الانتباه إلى أن كل رجل أو امرأة ينقل معه في ترحاله كمية معينة من الفيروسات والبكتيريا يؤدي إلى تشكيل خليط ميكروبي يؤثر على الحالة الصحية للبشرية جمعاء مما ينتج عنه تحولات في الحالة الصحية للبشر.وقد يؤدي الأمر في المستقبل القريب إلى وضعيات صحية غير متوقعة يصعب التحكم فيها وتدبيرها. إن الهلع الذي تثيره مسألة انتشار بعض الأوبئة عبر العالم لها ما يبررها حسب ميشيل سير وليست مجرد تضخيم للأمور ذلك لأن كثافة وسرعة الحركية البشرية عبر العالم من شأنها أن تضع البشر في أي وقت أمام حالات فيروسية مستجدة وغير متوقعة. وعلى الرغم من أن “ميشيل سير” الذي غادر هذا العالم في شهر يونيو 2019 عن عمر يناهز 88 عاما لم يشهد جائحة كوفيد 19 إلا أنه فكرها على نحو شمولي بنظرته الاستباقية الثاقبة. ولا غرابة في ذلك، فالتفكير الاستباقي بالنسبة له، من أساسيات التفكير الفلسفي. 

جسد جديد 

 ينقل “ميشيل سير” في المجال الصحي عن منظمة الصحة العالمية معطى إحصائيا لا يخلو من دلالة مفاده أن الطبيب في ثلاثينيات القرن الماضي كان يستقبل في عيادته من ضمن عشرة مرضى ثلاثة مصابين بمرض الزهري (السيفيليس) وثلاثة مرضى بداء السل وأربعة آخرين (أمراض أخرى) لكن ابتداء من سنوات 1945/1950 وبصفة خاصة بعد ظهور “البينيسيلين” لم يعد هذا الطبيب يستقبل إلا الحالات الأخرى وهو ما يعني أن الطب أصبح ناجعا من الناحية العلاجية كما من ناحية التشخيص أيضا. وأكثر من هذا فإن القول بأن الطب قد اكتشف سنة 1950 هو قول غير مجانب للصواب، ذلك لأن هذا التاريخ يدشن تراجعا ملحوظا ليس في الأمراض التنفسية فقط بل وأيضا وبصفة خاصة معاناة الإنسان بسبب الألم بعد اكتشاف المضادات الحيوية ومختلف الأدوية المسكنة للألم إلى جانب مواد التخدير (البنج). لا يعني هذا الاكتشاف أن المريض قد تخلص من الألم بشكل مطلق لكن هذه الخطوة في مجال الطب تعتبر عملاقة خاصة عندما نستحضر معاناة حكام عظماء مثل الامبراطور لويس الرابع عشر، وهو من أكبر عظماء زمانه في القرن السابع عشر، مع الألم حيث أمضى جزء هاما من حياته وهو يصرخ ليلا متأوها من شدة الألم بسبب إصابته بمرض “الناسور الشرجي” Fistule anale ولم يخضع للجراحة إلا في أواخر أيام حياته، في حين أنه منذ منتصف القرن الماضي صار بالإمكان أن يستقبل الطبيب في عيادته شخصا في سن الستين لم يسبق له أن عانى من الألم. كما أنه منذ ملايين السنين، أي منذ ظهور ما يسمى “الأومو سابيينس”  Homo sapiens(الإنسان البدائي) وعملية الوضع أو الولادة تتم بألم إلى أن ظهر في الفترة المعاصرة ما يعرف بالولادة بدون ألم La péridurale كحدث تاريخي مميز. وكنتيجة لكل هذه التراكمات وغيرها فقد تحول سكان العالم من مليار ونصف إلى ست مليارات في مدة زمنية وجيزة نسبيا لا تتجاوز خمسينيات القرن الماضي. 

 لكن إذا كان استغراق الإنسان في “الوجود السطحي” ونسيانه “للوجود الأصيل”، بلغة “هايدغر”، يجعل التحولات والقطائع الكبرى التي تعرفها البشرية تعاش دون أن تلفت الانتباه اللازم، فإنها تظل مع ذلك موشومة في الذاكرة اللغوية وتظل اللغة مرآة شاهدة عليها. 

اللغة مرآة شاهدة على التحولات التاريخية الكبرى

 يعلمنا الدرس الأنتروبولوجي مع كلود ليفي ستروس أن وضعية اللغة داخل الثقافة مزدوجة. فهي جزء من الثقافة وشرط لإمكانها في آن. فاللغة، بهذا المعنى، هي بمثابة مرآة تعكس مختلف التحولات الكبرى التي تعرفها البشرية عبر التاريخ. يقرأ “ميشيل سير” قيمة وأهمية هذه التحولات التي عرفتها البشرية منذ منتصف القرن الماضي من خلال الفرق في عدد الكلمات بين آخر نسختين للمعجم اللغوي المرجعي الذي تصدره الأكاديمية الفرنسية. لم يكن فارق الكلمات بين النسخة السابقة وتلك التي تليها، في كل النسخ السابقة، يتعدى ألفين وخمس مائة إلى ثلاثة آلاف كلمة، بمعنى أن الكلمات التي تنقرض وتلك التي تولد في فترة ما بين الصدور السابق واللاحق لم تكن تتجاوز العدد المذكور.

 غير أن هذا الفارق بين النسخة الأخيرة الحالية وتلك التي سترى النور (في 2013) قد قفز فجأة إلى 35 ألف كلمة. إن الأمر لا يدعو لأي استغراب ولا يرجع سببه الرئيسي إلى اجتياح اللغة الانجليزية للغة الفرنسية كما هو الحال بالنسبة لكل لغات العالم كما يعتقد البعض، بل يعود إلى التحولات الكبرى التي شهدتها الإنسانية المعاصرة في الفترة المعاصرة والتي يشخصها “ميشيل سير” في كتابه المذكور وهي تحولات تبدو معها بعض الأحداث التاريخية الماضية مثل الثورة الصناعية مجرد “لعب أطفال”. وبالفعل فنحن اليوم أمام أوضاع خاصة بالجسد والمكان والموت والولادة والمهن ووسائط الاتصال والتواصل كلها مختلفة عما عاشه وألفه أسلافنا في الماضي. لذلك لا غرابة في أن يتحدث الأطفال، بعد أربعة أو خمسة أجيال،لغة هي الأخرى مختلفة عن لغتنا الحالية كتلك “الفرنسية القديمة” التي كانت في العصور الوسطى والتي تحتاج إلى متخصصين لفك رموزها. 

 لكن المفارقة الكبرى التي يسجلها “ميشيل سير” تتمثل في عدم التلاؤم الظاهر بين قيمة وأهمية وعمق التحولات والقطائع التاريخية المعيشة في الفترة المعاصرة والمؤسسات القائمة. فبما أن جل المؤسسات الاجتماعية والقانونية والسياسية والثقافية القائمة تم تصورها وبناؤها وفق منطق العالم القديم، فإنها صارت تغرق اليوم في عدة أزمات نتيجة عدم تلاؤمها مع الحاجات والخدمات المطلوبة في العالم الجديد. لم يسلم الدين أيضا من الأزمة بسبب نوع من الفهم جامد وغير متجدد.

الجمود والتجديد في الدين 

 إن المسألة الدينية شأنها شأن التحولات والقطائع الكبرى في حياة البشرية لا تقرأ قراءة جيدة ومطلوبة. إن الفهم السائد والغالب في تحليل الأصل الاشتقاقي للفظ دين Religion يسير في اتجاه رده إلى معنى Religare أي الوصل أو الربط Relier وLiaison أي أن الدين هو ما يصل ويربط بين مجموعة بشرية معينة من معتقدات وقيم وشرائع وشعائر أو ما يربط هذه المجموعة البشرية بالقوة المتعالية. لكن إلى جانب هذا المعنى الذي تكرس تاريخيا والذي يؤدي إلى أزمة في قراءة الدين حسب “ميشل سير”، هناك فهم آخر يسير في اتجاه إرجاع لفظ دين Religion إلى معنى Religere أي Relire أي إعادة القراءة. بهذا المعنى الثاني يصبح الدين موضوعا ممتازا للقراءة المستمرة باعتباره نصا وحدثا تأسيسيا أساسيا. وإذا كانت الملل الدينية عموما في أزمة اليوم، حسب “ميشيل سير”، فلأن عملية إعادة قراءتها لا تتم أصلا أو إن تمت فإنها تتم تتم وفق نفس الفهم ونفس المنظومة المعرفية الدينية القديمة وليس وفق أسئلة وإشكالات ومقتضيات العصر والتحولات والقطائع الكبرى الحاصلة. 

 إن المسيحيين واليهود أيضا يعرفون أكثر من غيرهم معنى إعادة قراءة النص الديني التأسيسي. ذلك لأن دين المسيحيين على سبيل المثال ليس هو نفس الدين في العصر القديم والعصر الوسيط وفي عصر النهضة والأنوار، لما خضع له هذا الدين من إعادة قراءة مستمرة عبر العصور.ينسحب الأمر نفسه على النصوص الفلسفية التأسيسية أيضا. تكفي الإشارة في هذا الصدد إلى أن أرسطو القديم مثلا ليس هو أرسطو العصور الوسطى، كما أن أرسطو كما يقرأه “هايدغر” مختلف عنهما تماما. لذلك فإن إعادة القراءة المستمرة للنصوص التأسيسية سواء كانت نصوصا دينية أو فلسفية هي ما يضمن الحياة الدائمة لتلك النصوص، ذلك لأن فهم الوضع البشري المتغير والمتجدد يقتضي مساءلة النص في ضوء ما يستجد من أسئلة وإشكالات عبر العصور وهذا ما يتحقق عن طريق إعادة القراءة. لعل هذا يفسر أن كثيرا من الفلاسفة عرفوا في تاريخ الفلسفة بكونهم ” شراحا” Commentateurs أو ” قراء” لنصوص فلسفية تأسيسية. 


[1] Michel Serres, «Le temps des crises», éd: Le Pommier, 2009.

عن الكاتب

Avatar

علي بلجراف

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.