الثامن بعد المئة العدد الأخير ثقافة وفكر

من الكتابة النسائية إلى الكتابة النسوية

Avatar

“السرد الروائي النسوي: الحرية، الذات، الجسد” لعزيز العرباوي

عن دار دال للنشر والتوزيع بسوريا، صدرت الطبعة الأولى من كتاب “السرد الروائي النسوي: الحرية، الذات، الجسد” للناقد والكاتب المغربي عزيز العرباوي، الذي استطاع من خلاله أن يقدم لنا تجربة روائية لدى العديد من الأقلام النسوية العربية والتي تركت رواياتها الكثير من الصدى ومن المواقف النقدية عند الكثير من النقاد العرب. قراءة عزيز العرباوي قراءة جديدة للمتون الروائية المقترحة في الكتاب، حيث عمل من خلاله على تحليلها بأسلوبه النقدي والأدبي المميز.  

يعتقد الناقد في مقدمة كتابه، أن المرأة العربية دخلت غمار الكتابة الروائية وهي تدرك أنها ستترك العديد من ردود الأفعال والانتقادات والنقاشات التي تصل إلى حدود النقاشات البيزنطية التي لا تنتج شيئاً، فكانت في الموعد، سواء من خلال تقديمها لتراكم سردي نوعي وكمي استطاعت أن تنافس به منافسها في الكتابة وهو الرجل، أم من خلال الأثر الذي تركته في الساحة الأدبية. فبعد أن كانت لا تستطيع أن تقارب هذا العالم الأدبي، نظراً لكونه كان حكراً على الرجل، استطاعت وبجرأة كبيرة أن تتفوق على العديد من رواد الرواية العربية وتبدع نصوصاً متميزة ورائعة بوأتها مكانة لائقة بها، ومنحتها جوائز وتقديرات متعددة على كافة الأصعدة والمجالات.

 ويرى الناقد أيضاً أن المرأة كرست كتابتها الروائية بالخصوص، من أجل النضال ضد الظلم والحيف الذي لحقها، ومن أجل إنصاف ذاتها واختلافها الجنسي والفكري والفسيولوجي… فحققت في زمن قصير ما عجز عنه الرجل في عقود كثيرة، ألا وهو تلك الحركية الثقافية والأدبية والنقدية التي تتركها كل رواية نسوية تصدر في بلد عربي. وبالتالي، كان هذا سبباً في ظهور موقف رافض لها، ولكتاباتها مدعياً، حسب إبراهيم الحجري، أن المرأة بكتابتها للرواية لن تقوم إلا باجترار تجارب الرجل، وإعادة قولبتها وفق نفَس مستهجن، مادام الرجل يستطيع الكتابة عن الإنساني في جوهره الكلي.

يقول الناقد إنه اختار مصطلح النسوية تماهياً مع ما ذهب إليه الناقد الدكتور عبد الله إبراهيم لأنه يعبر عن إنتاج المرأة الأدبي والفكري، وأبعد مصطلح النسائية الذي يستحضره العديد من النقاد العرب لأنه يعبر عن كل ما يكتب عن المرأة ويهتم بشؤونها وقضاياها سواء أنتجته المرأة نفسها أم أنتجه الرجل… لذلك عمد إلى تغيير مصطلح النسائية بمصطلح النسوية. فالكتابة النسوية حاولت، حسب الناقد، أن تتوسع لتشمل مجالات التعبير الفكري والأدبي والفني والعلمي، فكانت قضايا الوطن والهوية والعرق والطبقة من أبرز القضايا التي أثارتها هذه  الكتابة، كما انخرطت البعض من النساء في الكتابة في مجال الفلسفة واللغة والأنتربولوجيا. فاهتمت بالتاريخ، باعتباره سجل أفعالاً دوَّنها الرجال عموماً، طبقاً لفرضيات الثقافة الكلاسيكية والتقليدية، فعملت على إعادة تدوين الأحداث التاريخية من وجهة نظر نسوية ساهم في إغناء التراث والتاريخ البشري عموماً… كما ظهرت بوادر أخرى، بعد ذلك، للاتجاه نحو الكتابة في بنية المجتمعات الأبوية، وكشف الأنساق الثقافية المهيمنة فيها، حيث كشفت هذه النقلة المتغيرة، من وجهة نظر عبد الله إبراهيم، التحيزات الكبيرة التي تضمرها فكرة الذكورة الثقافية في رؤيتها للأحداث التاريخية والاجتماعية، ولكي تتوافر الظروف المنهجية لتقديم مقترح بديل في الكتابة التاريخية، ينبغي زحزحة الركائز الأساسية للمنظور الأبوي المهيمن.

فهذا الموقف الرافض في نظر الناقد، مع العلم أن هناك موقف داعم للمرأة، حيث فضلنا عدم التفصيل فيه هنا، كان دافعاً قوياً لظهور كاتبات وروائيات أخريات انتهكن حرَم الرواية وأبدعن فيها نصوصاً جميلة، كانت مصدراً مهماً لمعرفة حقيقة المرأة وطريقة تفكيرها، ومصدراً غنياً بالأفكار والمواقف التي ساعدت في سبر أغوار النفس الأنثوية والتعرف عليها أكثر… بل إن العرباوي يرى أن أغلب الروايات النسوية تناقش الأفكار المختلفة للفروقات بين الجنسين، والتي تجعل من حياة المرأة صراعاً ضد تيارات القيم الاجتماعية السائدة منذ الطفولة المبكرة إلى مرحلة الشيخوخة. وفي الوقت الراهن يعتبر هذا الصراع إلى حدٍّ ما أكثر مما يمكن للمجتمع العربي أن يتقبله أو يتحمله. وبذلك فإن الأسئلة التي تطرحها هذه الروايات أسئلة هامة ووثيقة الصلة بما هو اجتماعي وسياسي ووطني، في محاولة جدية ومركزة لاكتشاف بداية جديدة للتغيير الاجتماعي والسياسي، يساهم فيها كل من الرجال والنساء كشركاء لبناء مستقبل أفضل للمجتمع. مما يوحي بالحاجة إلى المحافظة على موقف صريح من قضية المساواة والعدالة وتحرير المرأة كشرط أساسي لتحرير كل المجتمع، من خلال تحدي القيم الفاسدة والمنحطة وتكريس القيم الأخلاقية والإنسانية التي تمنح المرأة إنسانيتها في مجتمعها.

ففي نظره أن الروايات التي تعالج الصراع بين الذات والمجتمع، وبين الحق الفردي والواجب الاجتماعي كثيرة ومتنوعة في خطاباتها السردية، لكن يظل السؤال المطروح هو: هل يتقدم واجب الإنسان نحو ذاته على واجبه نحو المجتمع والوطن الذي يحيا فيه؟ أم العكس؟ ومن هنا، نجد أن الجرأة في الرواية النسوية العربية التي تتجلى في نقد قضية اجتماعية حساسة ورؤية واضحة مغلفة بالمعايير المزدوجة، هي جرأة محمودة ومطلوبة في الوقت الراهن الذي نعيش فيه  العديد من سمات الازدواجية في المعايير والمواقف. بل لقد استفادت الكاتبة العربية من هذا الموقف أيما استفادة، فنحن نعرف أن كل ممنوع مرغوب، بل إن كل محرم قد يصير هو الغاية لدى الآخرين الذين يجدون أنفسهم في موقف الظلم من جراء هذا التحريم. والمرأة العربية التي عاشت طيلة حياتها وهي تعاني من ظلم كبير، يتجلى في المنع والحظر، سواء في مجال التعبير عن الرأي، أم الإبداع، أم حتى التفكير في إبداء هذا الرأي في قضية عامة أو خاصة، فقررت في النهاية أن تضع حداًّ لكل هذا العسف والحيف تجاهها، فلم تجد سوى البوح السردي، والروائي على الخصوص لتقدم رؤيتها للعالم، وتبوح بأسرارها، وتعلن رفضها لكل وصاية تعسفية عليها من طرف الرجل، فأعلنت ثورتها على كل هذه الأمور، وطالبت بمنحها شرف المساواة وكرامة المصاحبة للرجل في أمور الدنيا والدين والوطن.

إن صورة المرأة في الكتابة الروائية النسوية قد اتسمت بالتعدد والتنوع، لأنها لم تعدْ فقط صورة نمطية قارة في العقول والأذهان، وثابتة في الأفكار، بل أصبحت كموضوعة للقول الإبداعي وتيمة له، فكانت موضوعاً مهماً له ما لهُ وعليه ما عليه، خلافاً لما كانت عليه من قبل، وخاصة في التصورات المتشددة لفائدة الثقافة الذكورية المحضة، والتي تستمد مشروعيتها من الفكر الكلاسيكي والرجعي الموغل في التراث القروسطي…

وضمن هذه الرؤية، فقد قسم الناقد كتابه هذا إلى أربعة فصول: أولها يختص بمقاربة البدايات الأولى لظهور الفكر النسوي والكتابة النسوية عامة، وصولاً إلى الحديث عن الإبداع الروائي النسوي والأنساق الثقافية والموضوعاتية التي كتبت فيها الروائية العربية. بينما يختص الفصل الثاني بموضوعة الحرية والثورة في الرواية النسوية العربية ومدى مساهمة المرأة في الثورة والنضال من أجل الحرية سواء من خلال مشاركتها في مقاومة المستعمر، أم من خلال مساهمتها الكبرى في الثورات العربية الحديثة والمعاصرة، أم حتى من خلال تمردها على القيم الذكورية والثقافة الأبوية المتسلطة في المجتمع، وقد قارب الناقد بشيء من التفصيل والتحليل الرصين بعض النماذج الروائية العربية التي عالجت موضوع الحرية والثورة، كرواية “الناجون” للكاتبة المغربية الزهرة رميج، ورواية “لَمَار” للكاتبة السورية ابتسام تريسي، ورواية “غراميات شارع الأعشى” للكاتبة السعودية بدرية البشر.

في حين حاول المؤلف في الفصل الثالث من هذا الكتاب أن يضع يديه على موضوع الذات الأنثوية ومدى قدرة المرأة العربية على تجاوز أزماتها الذاتية والهوياتية التي تعيشها، فدرس بعض الروايات الجميلة والتي تركت صدىً كبيراً بعد صدورها نذكر منها: رواية “أبنوس” للكاتبة السورية روزا ياسين الحسن، ورواية “صنعائي” للكاتبة اليمنية نادية الكوكباني، ورواية “أنا، هي والأخريات” للكاتبة اللبنانية جنى فواز الحسن، ورواية “حبل سري” للكاتبة السورية مها حسن. أما الفصل الرابع، فارتأى بأسلوب نقدي مميز أن يقدم لنا مقاربة موضوع الجسد ومدى احتفاء الكاتبة العربية به في رواياتها، بل وجعله البؤرة المهمة في استحضار قيمته وسلطته على الآخر، وذلك من خلال دراسة ثلاث روايات هي: رواية “أصل الهوى” للكاتبة الفلسطينية حزامة حبيايب، ورواية “برتقال مر” للكاتبة اللبنانية بسمة الخطيب، ورواية “أقاليم الخوف” للكاتبة والروائية الجزائرية فضيلة الفاروق.

إن الرواية النسوية العربية تزخر بالعديد من التيمات والموضوعات الثقافية والاجتماعية والسياسية التي تمثل صورة المرأة العربية، وتقدم معلومات وأفكاراً مهمة عن أحاسيسها وعواطفها، ومنظوراً محدداً لعلاقتها بالرجل، ومدى تأثرها بهذه العلاقة، لتمنحنا فكرة واضحة عن كل ما تشعر به وما تكنه من مشاعر تجاهه وتجاه مواقفه منها، وسلوكياته، وتصرفاته معها. إننا نفهم، ومن خلال الرواية النسوية بالذات، تلك الأحاسيس الغامضة التي يصعب على الرجل المبدع، والروائي بالخصوص، ترجمتها عبر إبداعاته، لأنه لا يمكنه أن يدرك تلك المشاعر الدفينة والأحاسيس الداخلية للمرأة… وفي النهاية، يمكننا أن نكوِّن رأياً واضحاً عن المرأة وفكرها ومواقفها من خلال ما نقرأه من إبداعات روائية بالخصوص.

عن الكاتب

Avatar

نجوى مصلية

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.