الثامن بعد المئة العدد الأخير ثقافة وفكر

السَّلَفُ خَلْقًا للخَلَف[1]

تنطلق هذه المقالة من فكرة أنّ الماضي، زمانًا ومكانًا، أحداثًا وأشخاصًا، شؤونًا وشجونًا، عاداتٍ وقيمًا، إنّما هو تأويلٌ يخصّ مجموعة بشريّة عاشت في زمن غير زمننا، أمّا التاريخ فهو خطابٌ يكتسب الشّرعيّة لا لدقّة استرجاعه لما كان وإنّما لإحالة بعض محدّداته إلى بعض؛ هذه الإحالات سياسة، فهي تأتي في سياق منظومة لها مركزها وهوامشها، لها حقّها الذي تعزّزه وتحتفي به، وباطلها الذي تزدريه وتقصيه؛ ولما كان الانسلاخ من السّياق أمرًا لا سبيل لنا إليه كان لا بدّ لفهمنا أن يكون إفرازًا لحاضرنا. 

لا أعني بالسياق هنا زمنًا ومكانًا ثابتين، وإنّما أعني به معنًى ذهنيًّا: جملة الافتراضات التي يحملها الفرد حول ذاته ومجتمعه والعالم المحيط به؛ هذا السّياق فيه كم مهول ومهيب من العناصر؛ وقوام تجمّع بعضنا ببعض أن نختار من هذا الكمّ غير الواضح، المتداخل، المتشابك ما يضفي عليه ضبطًا وتماسكًا[2]؛ فالفهم ليس إفرازًا لسلاسة المفردات وسلامة التراكيب بقدر ما هو محصّلة تفاعل بين عناصر التواصل المختلفة من مكان وزمان وأفراد ومجموعات تحمل افتراضات وخبرات ورؤى متنوّعة؛ من هنا فإنّ كلّ سياق يُخلَق خلقًا فريدًا، ولا سبيل إلى نسخه، فكلّ سعي إلى إعادة خلقه إنّما هو خلقٌ له عناصره ومكوّناته الجديدة؛ ولما كان تعريفنا للسياق متغيّرًا متباينًا بحسب فهمنا له ولما كنّا نحن البشر نتميّز بمحدوديّتنا وجب علينا أن نقرّ بأنّ فهمنا مشروطٌ وجزئيٌّ وآنيٌّ بالضرورة.

وإن كان هذا شأن فهمنا كان علينا أن نسأل أنفسنا سؤالًا جوهريًّا بشأن التاريخ: هل يمكن لنا فعلا فهم ماضي أسلافنا، هل لنا أن نسترجع أحداثًا مضت بسياقاتها المختلفة، وإن فعلنا أيكون ذلك مبنيًّا على فهم الأسلاف لحاضرهم أم على فهمنا الآني المقيّد بحاضرنا؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بدّ لنا من أن نفرّق بين الماضي والتاريخ؛ فالماضي ما مضى، والتاريخ خطاب، وكلّ خطاب هو آليّةٌ يتمّ بها، حسب تنظير ميشيل فوكو، إنتاج وتنظيم وتوزيع وتدوير أقوال يحيل بعضها إلى بعض، فتتشكّل معرفةٌ قوامها السلطة؛ فبحسب هذه المعرفة/السلطة يُحدَّد الجائز وغير الجائز، المقبول والممنوع،[3] وإذا خصّصنا قلنا، يُحدَّد ما التّاريخ ومن المؤرّخ.

والمؤرّخ ينطلق، بطبيعة الحال، من سياقه، فينتقي تفاصيل ويترك أُخَرْ، يضع بعضَها في المقدّمة والآخرَ في المؤخّرة؛ فهو يسجّل، مثلًا، أنّ حاكمًا بنى قصورًا وحصونًا وشنّ معارك وحروبًا، ويستبسل في إيراد خبر وراء خبر حول هذا الحاكم ومآثره، ولكنّه يستمسك عن ذكر من بنى وحارب من البنّائين والجنود العوامّ وإن ذكرهم كانوا رقمًا مجرّدًا لا حياة فيه؛ يشيد بأنّ حاكمًا بنى أعجوبة من عجائب الدنيا لأجل حبيبته ولكنّه يغضّ الطرف عن أولئك المساكين السّاعين إلى سدّ رمقهم، أولئك البائسين الذين لوّحت وجوهم الرمضاء في أثناء بنائهم لتلك العجائب؛ والواقع أنّه أيًّا يكن انتماء المؤرّخ أو حسّه الإنساني فهو يسجّل الظاهر من السّلوك، ويترك الشخص والشعور؛ فالمعارك، المادّة الأثيرة للتاريخ السياسي، مثلا، إقدامٌ وإحجام، هجومٌ ودفاع، ضربٌ بالسيف وحمل عتاد؛ كلُّ ذلك قابلٌ للإحصاء والقياس، ولكنّ المُقدِم والمُحجِم، المهاجم والمدافع، الضارب بالسيف وحامل العتاد إنسان؛ والإنسان هاجسٌ وخوف، تردّدٌ وقلق، قوّةٌ وضعف، ترقّبٌ وتوق، تلهّفٌ وتحسّر، طمعٌ وطموح؛ كلّ ذلك لا يقاس ولا يحصى، فالسلوك يُسجَّل والكامن وراءه يُهمَل؛ وإن اُهتمّ به كان قابلًا لتأويلات شتّى.

والتأويل أمر مشكل سواء أكان المرء شاهدَ عينٍ أم ناقلَ أخبارٍ أتته من معاصريه أو من كتب التاريخ التي ألّفت قبله؛ وربّما كان أمر هذه الأخيرة أشدّ إشكالًا، فببعد البون زمانًا بين المؤرّخ ومادّة روايته يزداد اتّكاؤه على سابقيه من المؤرّخين، فيؤوِل كلامهم بناءً على سياقه؛ ولكن لما كان كلّ منّا له فهمه كانت كلّ رواية تأويلًا له ظلاله وأبعاده الفريدة؛ وإن وضعنا بالاعتبار سلسلة الروايات والإحالات المتزايدة عبر أزمان متتالية، وإن وضعنا بالاعتبار أنّ كل رواية، كلّ إحالة مقيّدة برمانها ومكانها، لقلنا في يقين يكاد يكون جازمًا بأنّ فهم الماضي، بشرًا وأحداثًا ووقائع، حسب سياقه محال؛ ولا يجدي المؤرّخ في ذلك ما يسمّى بالمهنيّة أو الموضوعيّة؛ فالفهم لا سبيل إليه إلا من منطلق، وأنت ما إن تنطلق حتّى تجد نفسك موضوعًا في موقع، في منظومة تدعمه مؤسّسات الاجتماع كالبيت والمدرسة والمسجد والعمل، منظومة لها ممدوحها ومذمومها، عاليها وسافلها، صحيحها وخطؤها، سليمها وسقيمها؛ وموضعك فيها يقيّد نظرتك؛ فالتاريخ الذي يكتبه من يعتلي قمّة الهرم الاجتماعي غير الذي يكتبه من يقبع في قاعه، والتاريخ الذي يكتبه الرجل غير ذاك الذي تكتبه المرأة، والتاريخ الذي يكتبه التقيّ أو المؤمن غير ذاك الذي يكتبه الشّاكّ أو الملحد؛ وإن كان الفيلسوف والتر بنيامين صائبًا في مقولته الشائعة إنّه ما من مدوّنة للثقافة إلا وهي في الوقت ذاته مدوّنة للوحشيّة فلنا أن نقول إنّ ما هو فتحٌ وجزيةٌ وعدلٌ لهذا هو قتلٌ وسلبٌ ونهبٌ لذاك. 

لعلّنا نستنتج من ذلك أنّ خطاب التّاريخ منخرط لا محالة في سياقه فهمًا وسياسةً؛ ولربّما كان انخراط الروايات التاريخيّة في السياسة أشدّ بروزًا في المجتمعات الذكوريّة؛ فالحال في هذه أنّ الابن لا ينظر إلى الأب إلا نظرة المفتخر به والممجّد له؛ فإن كنت تقرأ التاريخ صراعًا بين قوى تقف منها موقف المؤيّد لهذه والمعارض لتلك وجدت ما تستحسن وما تستنكر؛ وإن كنت تراه وثيقة لمجد أقامه لك سلفك كان دينًا وفضلا لهم عليك، ومن ثمّ كان واجبًا عليك أن تردّ الإحسان بالإحسان، فتحيي المجد وتأخذ من التدابير ما يضمن بقاءه، وإن تهاونت في حقّهم شعرت بالذنب؛ فكلّما كبر تمجيدك زاد إذن شعورك بالرضا بأنّك رددت الدين، وأدّيت الأمانة، ورمّمت الصرح؛ كلّ ذلك تزداد فاعليّته في سياق اجتماعي يضفي على (ما يؤوَل أنّه) التاريخ قيمة ثقافيّة أخلاقيّة؛ فإذا كنت تكسب مزية اجتماعيّة برجوعك إلى تاريخ أصيل كان بقاء المزية مرهونًا بتمجيدك له؛ وهذا ما يجعل شعورك بالإحسان إلى سلفك ممزوجًا بفرحك برقيّ منزلك. 

من هنا لنا أن نقول إنّ عبارات كالتاريخ “الحقيقي” أو التاريخ “المجيد” إنّما هي وسيلة لتمرير رؤية يراد منها أن تسود على غيرها من الرؤى؛ وإن لم نؤتَ بملكة نقديّة وكان مبلغنا من الفهم أن نرى، من دون تمحيص ولا مساءلة، ما يريه لنا السائد كان موقع المادّة التاريخيّة منّا موقعها ممّن يقول فيهم الفيلسوف الألماني شوبنهاور إنّ المادّة الدراسيّة الأثيرة لدى كلّ من أراد أن يتعلّم شيئًا دون إشغال فكره وإعمال ذهنه هي التاريخ[4]؛ وإن كان هذا شأننا لم نزد على كوننا أدوات يشرعن بها السائد سلطته؛ بيد أنّنا إن انطلقنا من السّياق تصوّرًا ذهنيًّا على نحو ما أوضحت لرأينا أنّنا لا نبدأ من حيث انتهى السلف، ولا نواصل من حيث توقّفوا، ولا نلتقط شيئًا تركوه لمن سيخلفنا؛ فهذه كلّها أقوالٌ بل حيلٌ يراد بها صرف نظرنا عمّا يفعل بنا وفينا؛ وإنّما نحن من يخلق من/ما مضى وانقضى، وإن حملنا رؤيتنا على “سلفنا” جرّدناهم من زمانهم ومكانهم واتّكأنا على عظامهم لتمرير صواب وخطأ كانا إفرازًا لحاضرنا.

فنحن ننطلق، دائمًا وأبدًا، من سياقنا، وفي ذلك قصور فهمنا ومحدوديّتنا بشرًا؛ وأقول على سبيل الختام أنّ هذا الإقرار فضيلة وليس اعترافًا بالذي نرتضيه على مضض، فضيلة لا تساعدنا على إعادة النظر في علاقتنا بالسلف فحسب وإنّما أيضًا على نبذ أيّ فكر شموليّ مطلق يقصي الآخر، فمأتى شرعيّة رؤانا مأتى شرعيّة رؤى المختلف عنّا: السياق. 


[1] هذا المقال نسخة معدّلة كثيرًا من ورقة قدّمت في النادي الثقافي، مسقط، في 31 أغسطس 2016 بالتعاون مع شبكة المصنعة الثقافيّة، وذلك ضمن أعمال ندوة “قراءات في التاريخ العماني”.

[2] Widdowson, H. (200) Text, Context, Pretext, Critical Issues in Discourse Analysis. London: Blackwell.

[3] نظّر فوكو لرؤيته هذه في مؤلّفات عدّة، لعلّ أهمّها

Foucault, M. Discipline and Punish: The Birth of the Prison, trans. Alan Sheridan. New York: Vintage ([1979] 1975). 

Foucault, M. Madness and Civilisation, trans. Richard Howard. New York: Pantheon. ([1965] 1961).

Foucault, M. The Archaeology of Knowledge & the Discourse on Language. (trans. from French by A. M. Sheridan Smith) New York: Pantheon Books. ([1972] 1969).

Foucault, M. The Order of Things: An Archeology of the Human Sciences, trans. Robert Hurley. New York: Vintage. ([1973] 1966). 

[4] Schopenhauer, A [1851] Parega and Parilepomena, trans. E. F. J. Payne (Oxford: Oxford University Press, 1974) quoted in Hans-Johann Glock (2008) What Is Analytic Philosophy? Cambridge: Cambridge University Press, P. 93.

عن الكاتب

Avatar

خالد البلوشي

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.