الثامن بعد المئة العدد الأخير ثقافة وفكر

الحضارة والإنسان عند ابن خلدون

سؤال الحضارة من الأسئلة المهمة والمصيرية لكل الأمم، والملفت للنظر أن طرح هذا السؤال يأتي في توقيت وسياق معين، فتجده يطرح للمراجعة وإعادة التفكير والخلاص من واقع يشهد انتكاسًا، ،ونجد في تراثنا شخصين بارزين أجادا طرح هذا السؤال كلاهما عايش عصر انحطاط سياسي وثقافي، ولعل طرح هذا السؤال بالتحديد كان أملًا في واقع جديد أو فهم جديد للتاريخ ومراجعة لأسباب هذا الانحطاط والتفكك الذي يشهده واقعهما، غير أن الأول وهو ابن خلدون كان طرحه لهذا السؤال كان في معرض إنشائه لمنهج لدراسة التاريخ وتأسيسه لعلم العمران البشري والآخر وهو مالك بن نبي فقد تناول فكرة الحضارة أملا في نهضة وواقع جديد إثرَ الفراغ الذي أوجده الاستعمار. 

مفهوم الحضارة عند ابن خلدون

إن المتتبع لمقدمة ابن خلدون يجد أنه أجاد بناء صرح لمفهوم الحضارة واضح الهيكل وذلك من خلال تحليله لمراحل تكوينها ومظاهر قوتها وأسباب الضعف الذي يكتنفها، أما في مفهومها فهو يقرنها- الحضارة- أبدا مقابلة بالبداوة ويشير إلى أن الأصل في الإنسان  البداوة وكأنّ الحضارة عنده مرحلة يصلها الإنسان بعد عهد بداوته بالاستقرار، وأقرب نص يبين لنا مفهوم ابن خلدون للحضارة هو”… فتعظم لذلك ثروتهم ويكثر غناهم وتتزيد عوائد الترف ومذاهبه وتستحكم لديهم الصنائع في سائر فنونه وهذه هي الحضارة”[1]

ولو أخذنا في تحليل هذا النص نجده أورده في فصل عنون له ب: “في أن الحضارة إنما ترسخ باتصال الدولة ورسوخها” ويعود ابن خلدون بذلك إلى سبب ما  يؤديه ذلك الاستقرار من الرفاهية التي تستدعي التفنن في الصنائع فيقول “ويقع فيها عند كثرة التفنن في أنواعها وأصنافها فتكون بمنزلة الصنائع، ويحتاج كل صنف منها إلى القوَمة عليه المهرة فيه‏.‏ وبقدر ما يتزيد من أصنافها تتزيد أهل صناعتها ويتلون ذلك الجيل بها” فالحضارة هي حالة تنتجها الرفاهية التي تستدعي التفنن في أمور الحياة المنشئة بالطبع إلى تَوفر ونشأة الصنائع التي تتلون بذلك الجيل ويعطيها الطابع الخاص، وقابلية الحضارة في إنتاج طابعها هو روح الحضارة الذي تطبعه في منتجاتها، والذي عبر عنه ابن نبي في حديثه عن عملية الحضارة. “الحضارة هي التي تلد منتجاتها، وسيكون من السخف حتما أن نعكس هذه القاعدة حين نريد أن نصنع حضارة من منتجاتها “[2]، وسمى هذا بالمقياس العام لعملية الحضارة، ويمكن أن نطلق عليه بالقابلية للإنتاج أو الخصوبة التي تتمتع بها الحضارة.

ثم نجد ابن خلدون يعود إلى هذه المنتجات ويجعل منها مقياسًا لقوة الدولة وعظمة الحضارة، فيؤسس لهذا المقياس في فصل:” في أن آثار الدولة كلها على نسبة قوتها في أصلها”، ويرجِع بسبب ذلك إلى أن الآثار إنما تحدث عن القوة التي كانت بها وعلى قدرها يكون الأثر، ومثّل لذلك بإيوان كسرى أحد أهم الآثار العمرانية لدولة فارس  فيقول:” وانظر بالمشاهدة إيوان كسرى وما اقتدر فيه الفرس؛ حتّى إنّه عزم الرّشيد-الخليفة العباسي- على هدمه وتخريبه فتكاءَد عنه وشرع فيه ثمّ أدركه العجز وقصّة استشارته ليحيى بن خالد في شأنه معروفة فانظر كيف تقتدر دولة على بناء لا تستطيع أخرى على هدمه مع بون ما بين الهدم والبناء في السّهولة”[3].‏

ابن خلدون والنفس الإنسانية

لا يمكن إغفال النظر عن الإنسان في سياق الحديث عن الحضارة، إذ الإنسان هو المادة الخام للحضارة، ونظرة ابن خلدون للنفس البشرية عميقة ونافذة، وإذا تتبعنا ما كتب واستنطقناه ودرسناه عن كثب نستطيع الوصول إلى مفهوم خاص و فريد للنفس البشرية عند ابن خلدون.

فقبل حديث ابن خلدون عن العمران البشري في خطبة كتابه ألمع إلماعا طريفا حين أراد أن يأسس منهجا لدراسة التاريخ يميز به صحة الروايات التاريخية من عدمها، وتطرق لإثبات حقيقة تاريخية من منظور نفسي، وذلك عند حديثه عن الفاطميين وصحة انتسابهم لأهل البيت -عليهم السلام- ، فأثبت انتسابهم لأهل البيت- أو بالأحرى اعتقادهم هم بانتسابهم لأهل البيت- وذلك من منظور نفساني فريد، وذلك أن اتصال دولة الفاطميين لثلاثة قرون واتساع دولتهم يستحيل أن يكون مبنيا على انتحال أو كذب في الادعاء وإليك نص قوله: ” ولو ارتابوا في نسبهم لما ركبوا أعناق الأخطار في الانتصار”[4] ، ولاحظ ما أورده في سياق تأكيد هذه الحقيقة تجده يضع العامل النفسي الذي تتلبسه الواقعة التاريخية عاملًا أساسيا لثبوت هذه الواقعة عندما قال: ” والقوم كانوا في مجال لظنون الدّول بهم وتحت رقبة من الطّغاة لتوفّر شيعتهم وانتشارهم في القاصية بدعوتهم وتكرّر خروجهم مرة بعد الأخرى” وهذا العامل النفسي هو الإيمان بهذا النسب والاستماتة في نصرة آل البيت”، ولذلك الفكرة الدينية عامل مهم في “مُرَكَّب الحضارة” بحد تعبير ابن نبي ولقد رافقت دائما تركيب الحضارة خلال التاريخ[5].

ويعود ابن خلون في ذكر أهمية العامل النفسي في بناء الحضارة وحصول الملك والعمران، فنجده يعنون لفصل يسميه: “في أن من عوائق الملك حصول المذلة للقبيلِ والانقياد لسواهم”، فالحالة النفسية التي تتلبس الأمم بالذل والانقياد تعوقهم عن البناء الحضاري والمجد الإنساني، ونجده يمثل لذلك ببني إسرائيل حين امتنعوا عن دخول الشام حين أمرهم موسى -عليه السلام- فقالوا: (إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها )( المائدة ٢٢)، وحلل ابن خلدون ذلك الامتناع تحليلًا يَنُمُّ عن قراءة حضارية للنص القرآني وفهم للنفس البشرية فقال: ” وما ذلك إلّا لما أنسوا من أنفسهم من العجز عن المقاومة والمطالبة (…) وذلك بما حصل فيهم من خلق الانقياد وما رئموا من الذّلّ للقبط أحقابا حتّى ذهبت العصبيّة منهم جملة مع أنّهم لم يؤمنوا حقّ الإيمان بما أخبرهم به موسى من أنّ الشّام لهم وأنّ العمالقة الّذين كانوا بأريحا فريستهم بحكم من الله قدّره لهم فأقصروا عن ذلك وعجزوا تعويلا على ما في أنفسهم من العجز عن المطالبة “، وذكر أن الحكمة من عقاب الله لهم بالتيه أربعين سنة كانت مقصودة “لفناء الجيل الّذين خرجوا من قبضة الذّلّ والقهر والقوّة وتخلقوا به وأفسدوا من عصبيّتهم حتّى نشأ في ذلك التّيه جيل آخر عزيز لا يعرف الأحكام والقهر ولا يسأم بالمذلّة”[6].

وللحرية شأن في بناء الحضارة ألمع بذكره ابن خلدون ” فإن كانت المَلَكة (أي: المُلْك) رفيقة وعادلة لا يعاني منها حكم ولا منع وصدّ كان النّاس من تحت يدها مدلين بما في أنفسهم من شجاعة أو جبن واثقين بعدم الوازع ” ونجد في تعبيره: “مُدِلِّينَ بما في أنفسهم” تعبيرا واضحًا يبين ما تتمتع بها الشعوب التي تنعم بالحرية والثقة في ظل العدل، ونجده يصف الاستبداد في مقابل هذه الحقيقة وما يتسبب به في إذهاب المنعة والبأس، وتُحيل الإنسان كائنٍا مقهورٍا لا يروم بناءً ولا ينال مجدا: ” وأمّا إذا كانت الملكة وأحكامها بالقهر والسّطوة والإخافة فتكسر حينئذ من سورة بأسهم وتذهب المنعة عنهم لما يكون من التّكاسل في النّفوس المضطهدة”[7]، وهذه سمة عامة تجدها في الشعوب المُسْتَبدة التي تغلغل فيها الخوف وتحفرت في ملامح القمع في نفوسها، فهي لا تتمتع بأي قوة ولا يسمع لها بأي إنجاز.

ويعود ابن خلدون في الحديث عن الاستبداد والحكم الشمولي وأثره على الأخلاق، ولكن في سياق آخر مختلف فهو يتحدث هنا عن أضرار الشدة على الصبيان المتعلمين، فيقول: “ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلّمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر وضيّق عن النّفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمل على الكذب والخبث وهو التّظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه وعلّمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقا وفسدت معاني الإنسانيّة الّتي له من حيث الاجتماع والتّمرّن وهي الحميّة والمدافعة عن نفسه ومنزله. وصار عيالا على غيره في ذلك بل وكسلت النّفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيّتها فارتكس وعاد في أسفل السّافلين”، ثم يعود فيقرر أن هذه الحقيقة ليست خاصة في الصبيان وإنما يمتد أثرها في الأمم:وهكذا وقع لكلّ أمّة حصلت في قبضة القهر ونال منها العسف واعتبره في كلّ من يملك أمره عليه”[8].


[1] ابن خلدون، المقدمة، ص٣٤٢.

[2] شروط النهضة، مالك بن نبي، ص٤٧.

[3] ابن خلدون، المقدمة، ص١٦٥.

[4] المقدمة، ابن خلدون، ص٢٩.

[5] ابم نبي، شروط النهضة، ص٤٦.

[6] انظر: المقدمة، ص١٣٢.

[7] انظر: المقدمة، ص١١٩.

[8] انظر: المقدمة، ص٥٣٨.

عن الكاتب

Avatar

المقدام بن خليفة الحارثي

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.