الثامن بعد المئة العدد الأخير ثقافة وفكر

المشروع التنويري الذي لم يكتمل: هابرماس في التسعين.

إدواردو ميندييتا Eduardo Mendieta
تاريخ النشر: AUGUST 11, 2019

ولد يورغن هابرماس في 18 يونيو 1929م في مدينة دوسلدورف في ألمانيا. وهذا يعني أنه بلغ التسعين من العُمر هذا الصيف، ولكن لا شيء يوقف من نشاطه. في اليوم التالي لعيد ميلاده، ألقى هابرماس محاضرة عامة في في قاعة المحُاضرات بجامعة جوته في فرانكفورت، حيث بدأ وأنهى مهنته في التدريس.(تقاعد رسميا ً في عام 1994م، لكنه استمر في التدريس على كأستاذ زائر في الولايات المتحدة الامريكية لسنوات عديدة بعد ذلك). كانت المحاضرة بعنوان “مرة أخرى: في العلاقة بين الأخلاق والحياة الأخلاقية”. كانت مناسبة كبيرة للاحتفال بواحد ٍ من أشهر المفكرين في ألمانيا، ولا شك أنه المفكر العام الأكثر تأثيرا ً في أوروبا والعالم اليوم. لقد كنت محظوظا ً لوجودي بين الحضور، حيث تمت دعوتي لحضور مؤتمر لمدة يومين في اليوم التالي للاحتفال بإنجازات هابرماس والبدء في الاستقبال النقدي لكتابه الرئيسي التالي، وهو عمل ضخم من مجلدين، من المقرر أن يظهر في خريف 2019م.
حضر محاضرة هابرماس أكثر من 3000 الآف شخص، والتي تمثل عدة أجيال من العلماء من جميع أنحاء العالم. كان المبنى مُكتظا ً، بالإضافة إلى وجود خمس قاعات للمحاضرات فائضة، ومكتظة عن آخرها، يتم التواصل معها عن طريق البث المباشر. في وقت ٍ ما سحب شخص ما إنذار الحريق. لم تستطع وسائل الإعلام الألمانية منع نفسها من التعليق بشكل ٍ هزلي على الأحداث الجارية. ألتقط عنوانين من عناويني المفضلة دراما ومشاهد اليوم: “جاء إنذار الحريق بين هيجل وماركس” و ” فليب فلوب إلى هابرماس” Flip-Flops”، وهي كناية عن صوت إنذار الحريق”. لكن لم يغادر أحد. بقي معظم الأشخاص البالغ عددهم 3000 شخص في أماكنهم، أو عادوا إلى قاعات المحاضرات لمواصلة الاستماع إلى هابرماس وهو يوضح أسباب استمرار المواجهة بين كانط وهيجل، بواسطة ماركس، بالنسبة لنا اليوم. وأوضح لنا لماذا حاول التوفيق بينهم في عمله الخاص منذ الخمسينات، عندما بدأ حياته الفلسفية. كان من المناسب أن يغلق أحد أعظم المفكرين الأخلاقيين أكثر من نصف قرن من الحياة الفكرية العامة بالعودة إلى جذوره، مع تفكير جديد في كانط، هيجل، وماركس. بعد ما يقرب من ساعتين – بما في ذلك الانقطاع – تلقيى هابرماس تصفيق حار، والذي استمر أيضا ً ما يقارب ربع ساعة. وكما جاء في احد المقالات الصحفية: كان الأمر كما لو أن الناس قد تجمعوا لسماع اسطورة الروك. ولكن كان هذا أفضل من أي حفل موسيقي للروك. كان الترحيب الحار أكثر بكثير من مجرد الاعتراف بالأداء الجيد: كان التصفيق يشبه عناقا ً لطيفا ً وشكرا ً صريحا ً للفيلسوف هابرماس على كل ما قدمه لنا على مر السنين. هنا، في الولايات المتحدة، قد يكون من الصعب تخيل فيلسوف يتلقى ترحيبا ً حارا ً، ويُظهر له هذا الإعجاب والتقدير والتفاني، لكن في تلك الليلة، لم يكن بالإمكان تقديم نجم الروك المُسن، ولا ممُثل سينمائي مشهور، ولا رياضي مدهش، بمثل هذا الامتنان الصادق والعظيم.
دخل هابرماس المجال العام الألماني عام 1953م، عندما نشر مراجعة نقدية للمحاضرات التي أعُيد نشرها لمارتن هايدغر من عام 1935م، والتي تحدث فيها هايدغر عن “الحقيقة الداخلية وعظمة” الحركة الاشتراكية الوطنية. نادى هابرماس، في ذلك الوقت، بالشفقة الأخلاقية والقسوة على هايدغر. ومع هذا الرفض النقدي لهايدغر، الفيلسوف الألماني الأكثر شهرة في ذلك الوقت، ناشد هابرماس للتصالح مع مسؤوليتهم التاريخية عن الماضي النازي. ومنذ ذلك الحين، ظل هابرماس في قلب كل نقاش رئيسي وجدل في المجالات الألمانية العامة والأوروبية. يمكن تتبع تأثيره داخل الأكاديمية وخارجها. في الستينات والسبعينات، على سبيل المثال، ساعد في تشكيل تطور العلوم الاجتماعية من خلال التدخلات في سلسلة من المناقشات النظرية الهامة. حيث اشرك العقلانيين النقديين مثل كارل بوبر Karl Popper ، و هانز ألبرت Hans Albert، في ما يسمى النقاش الوضعي، كما سأل هانز جورج جادامر Hans-Georg Gadamer عن حدود التأويل وادعاءاته العالمية. وتناول فكرة نيكولاس لومان Niklas Luhmann لنظرية النظم، وشدّ الانتباه لنزعاتها المحافظة والمعادية للإنسانية. في الثمانينيات، اشتبك هابرماس مع المؤرخين الألمان حول ظهور الميول الإعتذارية الناشئة حول تاريخ محرقة الهولوكوست، التي سعت لإستيعاب فظائع أخرى في أوائل القرن العشرين، وبالتالي التقليل من أهميتها. بالنسبة لهابرماس، كان على ألمانيا أن تستمر في العمل من أجل التصالح مع الماضي [Vergangenheitsbewältigung] ، خشية أن ينزلق المشروع التنموي للديمقراطية إلى الاستبداد. يتشكل المستقبل من أولئك الذين يحددون كيفية تفسير الماضي، وكان هابرماس يعرف أن ألمانيا الديمقراطية، التي انعكست ذاتيا ً، لا يمكنها التقليل من شأن ماضيها فيما يخص الإبادة الجماعية.
دخل هابرماس في حوار ٍ مع أهم المثقفين في الذاكرة الحديثة. في أواخر الثمانينات، انخرط في في مناقشات ٍ رئيسية مع المفكرين التفكيكيين، ما بعد البنيويين، وما بعد الحداثيين، ممثلة بشخصيات مثل ميشيل فوكو، وجاك دريدا. ثم في التسعينات، ومع نشر كتابه بين الحقائق والمعايير في عام 1992م، دخل هابرماس في سلسلة جديدة من المناقشات الهامة، حيث ركزت هذه المرة على مواضيع مثل القانون، السياسة، السيادة الوطنية، المواطنة، حقوق الإنسان، والعدالة العالمية. وبينما كان يدرس في الولايات المتحدة ويجهز لطباعة العمل الضروري والهام: المعرفة والمصلحة البشرية في عام 1968م، كان كتاب بين الحقائق والمعايير قد بدأ في إشراك أهم علماء السياسية والأخلاق الأمريكيين، بدءا ً من جون راولز John Rawls، رونالد دوركين Ronald Dworkin، إلى كاثرين ماكينون Catharine MacKinnon، نانسي فريزر Nancy Fraser، سيلا بنحبيب Seyla Benhabib.
من المعروف أن هابرماس تدخل أيضا ً في مسائل مهمة تتعلق بالسياسة الأوروبية. فكّر من خلال قضية إعادة توحيد ألمانيا، على سبيل المثال، وكذلك ظهور الاتحاد الأوروبي، ناهيك عن الأزمات العديدة التي واجهتها خلال العقدين الماضيين. لم يمر عام ولم يظهر فيه هابرماس في وسائل الإعلام، لمعالجة القضايا السائدة اليوم. وكما أوضحت محاضرته في جامعة جوته، يظل هابرماس أقوى صوت منطقي وأكثر بلاغة، واحتراما ً، يتمتع بالموثوقية، في منطقتنا العامة العالمية المجزأة والمتنافرة. ولهذا السبب فهو بلا شك أكثر الفلاسفة الأحياء تكريما ً، حيث حصل على أكثر من 21 جائزة، منها تلك التي منحت له في المانيا، مثل جوائز هيغل، أدورنو، لاينتز، أو تلك التي تمنحها دول أخرى، مثل مؤسسة أمير أستورياس في أسبانيا، وجائزة كيوتو في الفنون والفلسفة من اليابان، وجائزة Holberg International Memorial من النرويج، وميدالية عوليس Ulysses من أيرلندا، على سبيل المثال لا الحصر. كما تم تسمية هابرماس – ثلاث مرات – كواحد ٍ من أكثر المفكرين نفوذا ً من قبل فورين بوليسي Foreign Policy. وفي عام 2004م، صنفته مجلة التايم Time كأحد أفضل مائة مفكر مؤثر. حيث كان الاستشهاد المختصر المصاحب لهذا التشريف، الذي كتبه تود جيتلين Todd Gitlin، معبرا ً جدا ً، بعنوان: حكيم العقل.
في حين أن هابرماس، كمفكر ٍ عام، كان يُشرك الألمان والأوربيين والمواطنين العالميين بلا كلل على مدى العقدين الماضيين، فقد أظهر أيضا ً إنتاجية فكرية غزيرة، مستمرة. حيث قام بنشر بعض أهم الأعمال في الفلسفة والنظرية الاجتماعية والسياسية والقانونية والأخلاقية في منتصف القرن الماضي. بسيرة ذاتية مدهشة، عمل من التحول الهيكيلي في المجال العام في عام 1962م The Structural) Transformation of the Public Sphere)، ومن خلال ما أعتبره الكثيرون العمل النظري العظيم، نظرية الفعل التواصلي عام 1981م (Theory of Communicative Action)، والعمل المصاحب له الخطاب الفلسفي للحداثة عام 1985م The Philosophical Discourse of Modernity))، ولاحقا ً بين الحقائق والمعايير 1992م Between Facts and Norms)). كما ظهرت العديد من الأعمال المتقطعة عن الفلسفة الأخلاقية، والنظرية السياسية بينهما، إلى جانب ما يصل إلى الآن إلى 12 مجلدا ً من كتاباته المعروفة باسم Kleine Politische Schriften)) التي يُطلق عليها: كتابات سياسية صغيرة، وهي ليست سوى “صغيرة”. كما سيظهر قريبا ً (صدر هذا العمل في نوفمبر 2019م – المترجم) كتاب “أيضا ً تاريخ آخر للفلسفة” Auch eine Geschichte der Philosophie)) وسيكون في مجلدين، يتكون من 1700 صفحة.
تحاول شبكة عالمية من العُلماء بيأس كبير مواكبة إنجازات هابرماس العديدة. حول الوقت الذي سيتم فيه نشر كتابه الفلسفي “تاريخ الفلسفة”، الذي يُحدد ما أسميه فلسفة الدين لديه، كما قام مجموعة من المؤلفين بكتابة سيرة هابرماس ستيفان ميولر دووم Stefan Müller-Doohm، مع لوكا كوركيا Luca Corchia، و ويليام أوثوايت William Outhwaite، بتحرير كتاب ضخم من 800 صفحة بعنوان هابرماس عالميا ً Habermas Global، الذي يحتوي على 32 فصلا ً، كتبها 40 باحثا ً. ويغطي استقبال هابرماس في ألمانيا، الولايات المتحدة، أمريكا اللاتينية، إسبانيا، الدول الاسكندنافية، آسيا، البرتغال، والبرازيل.(اشتركت في تأليف مدخلين في هذا العمل المثير للإعجاب). بالإضافة لذلك، قمت أنا وزميلي إيمي آلن Amy Allen، بتحرير معجم كامبريدج لهابرماس The Cambridge Habermas Lexicon))، والذي يهدف لتوفير مورد ببيلوغرافي شامل لكل للقراء الجدد، والخبراء، لأعمال هابرماس الواسعة والمتداخلة. حيث يحتوي المعجم على 205 مادة، كتبها 100 مشارك، تغطي كل شيء من المفاهيم الأساسية إلى الشخصيات التي كانت أساسية لتطور أعمال هابرماس.
كان هابرماس، وسيظل دائما ً، مُرتبطا ً بالتقاليد الفكرية المعروفة باسم النظرية النقدية. خلال الخمسينات، كان مساعدا ً لأدورنو Adorno، ويمكن رؤية تأثير فيلسوف مدرسة فرانكفورت في أعماله حتى هذا اليوم. في نص صغير في أوائل الثلاثينات، بعنوان “أطروحات حول لغة الفيلسوف” يتحدث أدورنو عن كيفية “مشاركة التاريخ في الحقيقة من خلال اللغة، والكلمات ليست مجرد علامات على ما يُفكر فيها، بل بالأحرى يظهر التاريخ من خلالهم، وتظهر ملامح الحقيقة”. أصبحت هذه العلاقة بين التاريخ والحقيقة واللغة، خاصة عندما تتقارب في عمل الفيلسوف، الموضوع الرئيسي لدورة محاضرات عام 1962م-1963م، المصطلحات الفلسفية Philosophische Terminologie))، والتي تُرجمت بعنوان “مقدمة في الفلسفة”. في هذه المحاضرات، يوضح أدورنو كيف يتم استخراج اللغة الفلسفية من العامية للمتحدثين اليوميين، ثم يتم تحويلها إلى مصطلحات فنية، وخاصة. وبعبارة أخرى، فإن الكتابة الفلسفية هي شكل من أشكال الاغتراب. لكن المفكر الجدلي أدورنو الذي كان عليه، يظهر أيضا ً أن العكس هو الصحيح أيضا ً: أي كيف تتحول اللغة الفلسفية مرة أخرى إلى لغة الحديث اليومية، وتحويل ما يمكن قوله – وكيف يمكن قوله – للعامية المشتركة.
لقد حوّل العمل في معجم كامبريدج لهابرماس على تحويل الحدس الذي كان لدي دائما ً حول أعمال هابرماس إلى قناعة فلسفية. حيث أن لغة هابرماس هي أسلوب اللغة اليومية في مفرادات فلسفية هائلة، ولكن على نفس المنوال، فإن لغته قد عادت إلى لغتنا العامية. وقد أتاح لنا ذلك تقديم أسباب ٍ ومبررات لم يكن من الممكن التفكير فيها أو عدم قبولها قبل أن يقوم بعمله التحويلي بشكل ٍ خاص في الفلسفة، وعلى نطاق ٍ أوسع في النظرية الاجتماعية. أود القول، بأن معجم كامبريدج لهابرماس هو شهادة على تأثيره عبر العديد من التخصصات، ولكن أيضا ً، والأهم من ذلك، على اللغة اليومية التي نستخدمها لنسج البناء الاجتماعي والوجودي لنا. يناقش أدورنو في أطروحاته عن لغة الفيلسوف “كرامة الكلمات التي لا تُكسر”. حيث تجُسد الكلمات كرامة أولئك الذين يتحجثون بها، ولكن يمكنهم أيضا ً منح الكرامة لمن يتبنونها. ساهمت لغة هابرماس، بشكل ٍ دائم، وواضح، في المساهمة في “كرامة الكلمات التي لا تنكسر”. فأعماله تُكرمنا: بأن تدعونا إلى بناء ونشر لغات عامة، أكثر شمولا ً، وديمقراطية، وتنّورا ً. فهو مثل كل مفكر رئيسي قبله، يعلمنا بشكل ٍ مستمر أن نُفكر بشكل ٍ مختلف، وأن نتفلسف من جديد، بطرق توليدية وجذرية، لكنه أعطانا أيضا ً مفردات تُبقي فيها وعود الكرامة والاستقلالية والتحرر حية، وصحية.
لقد ترك لنا هابرماس بالفعل أعمالا ً هائلة، يتفوق من خلالها على أي شيء أنتجه أسلافه أو معاصروه. لقد حاولت أن أتخيل ما قد تبدو عليه الأعمال الكاملة Gesamtausgabe))، وفقدت العد في المجلد العشرين. ذلك أن عمله يمتد إلى جميع التخصصات الرئيسية في العلوم الاجتماعية والإنسانية. فهو مثل أي مفكر ٍ آخر في الماضي أو في الحاضر، يبدو أنه قرأ كل شخصية مهمة لكل ما من شأنها أن تساهم في إضافة الابداع والمعرفة. بالإضافة لذلك، ومرة أخرى، تُعد أعماله إنجازات غير قابلة للتوليف: فهو يمتص ويعيد توجيه النماذج الأخرى في مشروع ٍ واحد ٍ مستمر لا يمكن إنكار “هابرماسيته” Habermasian. فعمله الموسوعي، مدفوع أيضا ً بسلسلة من الأطروحات والحدوس الرئيسية: وذلك يعود بشكل ٍ رئيسي للتواصل. يتم التعبير عن هذا السبب من خلال استخدامنا للغة، تلك اللغة التي تجعلنا ندخل عالما ً أخلاقيا ًنتشاركه جميعا ً بفضل قدراتنا اللغوية. الأهم من ذلك كله، هو فكرة هابرماس بأن الاستخدام العام للعقل، الذي يتجسد فيه العقل التواصلي بشكل ٍ أوضح، هو مشروع جماعي للتطور والنُضج السياسي.
بالنسبة لهابرماس، يفترض من خلال اللغة أن يصبح الاستقلال الذاتي واللغوي ضروري. ومن وجهة نظره، لا يبدو العقل نتيجة حتمية للتطور الطبيعي أو الاجتماعي، بل كإنجاز للتفاعلات التواصلية للبشرية. فالعقل يتطلب نضالا ً مستمرا ً، حيث يجب علينا أن نسعى للقبض على إنجازاتنا التربوية وإعادة بنائها بأثر رجعي، حتى لا تتلاشى تحت ضغوط الكوارث التي لا تنتهي، والتي يولدها التاريخ. وبالنسبة له، فالعقل هو مثل حيوان الخُلد Mole)) الذي يحفر عبر حطام التاريخ، مُحاولا ً تمييز ما تعلمناه بشكل ٍ جماعي، حول كوننا مُستقلين أخلاقيا ً وسياسيا ً. إن المهمة العُليا للفلسفة، إذن، هي العمل عبر الماضي من أجل تحقيق التنوير السياسي والأخلاقي للأفراد والمجموعات الاجتماعية على حد ٍ سواء. إنها بالطبع مهمة كبيرة، لكنها ضرورية، كما تُظهر الحالة الراهنة للعالم بشكل ٍ يومي.
إن مهنة كل مفكر رئيسي، لا سيما أولئك الذين أعطونا مجموعة كبيرة من النصوص، تدعونا للتساؤل حول: ما الذي سيبقى من منجزاتهم الفكرية عبر مرور الزمن؟ ما هي آثار ظهور نظريات جديدة ونماذج جديدة؟ ومع وضع هذه الأسئلة بعين الاعتبار، طلبت من مجموعة من الزملاء التفكير في الأعمال الهائلة التي قام بها هابرماس، حيث طلبت منهم التعليق على جوانب من حياته، وأعماله التي يشعرون أنها ستبقى ذات صلة لأجيال المستقبل. وماذا سيعنيه مثال هابرماس بالنسبة للعُلماء والمفكرين القادمين؟
تغُطي المقالات التي تم جمعها هنا (المقصود معجم كامبريدج عن هابرماس – المترجم)، والتي كتبها خُبراء في عدد من المجالات، مجموعة واسعة من القضايا، وهي توضح مدى استمرار توليد أفكار هابرماس لمواضيع في العلوم الإنسانية، والعلوم الاجتماعية. مقالة مارتن جاي Martin Jay بعنوان “هابرماس و ضوء العقل: في النظرية النقدية المتأخرة”، هي بلا شك واحدة من أفضل النظرات العامة لتفكير هابرماس عن التفكير ما بعد الميتافيزيقي. يدرس جاي Jay ، المؤرخ الفكري الأول لمدرسة فرانكفورت، إعادة بناء هابرماس للعقلانية في حقبة ما يسمى بالأفول في العقود الأولى من القرن العشرين ويظهر كيف أبقى العقل على قيد الحياة حتى خلال الأوقات المظلمة. في حين يوضح ماثيو سبيكتر Matthew Specter، مؤلف السيرة الفكرية المهمة لهابرماس، في ورقته بعنوان ” هابرماس بالألمانية، بالأوروبية، شمال الأطلنطي، والمنظور العالمي”، كيف تمكن هابرماس من العمل كمفكر متجذر يخاطب المناقشات الألمانية بينما يحضر أيضا ً إلى العالمية، اهتمامات ٍ ومخاوف عالمية. في مساهمتها، تركز الفيلسوفة نويل مكافي Noëlle McAfee على “المجال العام في الأوقات المظلمة”، وتحديدا ً على الدوافع الراديكالية خلف تصور هابرماس للمجال العام، والذي لا يزال نموذجا ً مفيدا ً، كما تُجادل، للتنافس السياسي والمداولات اليومية العامة. وبالنسبة لها، قد يمنحنا فهم هابرماس للمجال العام بعض الأدوات لجعل أنفسنا نقاوم “التفاهة” و “ألأخبار الكاذبة”. في “مفهوم هابرماس عن المجال العام والأجندة النسوية الجديدة” تعطينا الفيلسوفة ماريا بيا لارا María Pía Lara، سببا ً آخر لإعادة النظر في مفهوم هابرماس عن المجال العام، بما يشير إلى صلته بالمهام المستقبلية للنسوية. ذلك أنه بالنسبة إليها، لا تزال الحركات النسوي مشاريع غير مكتملة، لذلك من المُحتمل أن يساهم المجال العام في كشف العنف اليومي، والتدهور الرمزي، الذي تخضع له الكثير من النساء. كما أن الفيلسوف ماتياس فريتش Matthias Fritsch، يعالج المشاغل الأخرى الملحة، ويعيد بناء الجدل بين هابرماس ودريدا، وبالوكالة، فوكو، لمعالجة التداعيات الأخلاقية للكوارث البيئية التي تلوح في الأفق. في “مستقبل أعمال هابرماس”، يجادل بأن أخلاقيات خطاب هابرماس – أو ما يسميه اللغوية الكانطية – تقدم إرشادات لفكر أيديولوجي يأخذ في الاعتبار اهتمامات الأجيال اللاحقة. فهو، فريتش Fritsch، يقترح أن أخلاقيات خطاب هابرماس تُظهر لنا كيفية التفكير في أولئك القادمين، حتى لو لم يكونوا هنا بيننا بعد. وأخيرا ً، في مقال شخصي بعنوان “هابرماس: صعودا ً حتى هايدغر”، يتأمل المؤرخ الفكري مارتن ويسنر Martin Woessner، في كيفية تحول الطلاب الأمريكيين الذين أغواهم هايدغر مرة أخرى إلى هابرماس، لبناء بيت الديمقراطية والعمل على بناء وعي أخلاقي عالمي حقيقي.
بشكل ٍ جماعي، تُبين لنا المقالات في هذا الملف ليس فقط كيف انخرط هابرماس مع فكر أمريكا الشمالية على مدى سنوات عديدة من حياته المهنية اللامعة، ولكن ايضا ً كيف تم تبنيه من قِبل مجموعة واسعة من الأمريكيين الشماليين، و بمتابعة مجموعة متنوعة من الأخلاقيات، والمشاريع السياسية والاجتماعية. في هذا الصدد، قد يُنظر لهذه المقالات على أنها استمرار لذلك التصفيق الحار الذي تلقاه هابرماس في فرانكفورت بمناسبة عيد ميلاده. نرجو أن يستمر التصفيق لفترة طويلة قادمة.

رابط المقالة الأصلية: https://lareviewofbooks.org/article/unfinished-project-enlightenment-jurgen-habermas-90/

عن الكاتب

Avatar

علي بن سليمان الرواحي

كاتب وباحث عماني

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.