الثامن بعد المئة العدد الأخير ثقافة وفكر

نساءٌ عُمانيّات في مواجهة كورونا: نحمل معنا خوفنا إلى المنازل

نافذة مفتوحة على مساحة زرع صغيرات وشجيرات صنعت لتخفف وطأة الانتظار والألم. سريرٌ وآخر وعشرات أجهزة التنفس موزّعة على نحوٍ حذر، وكل شيء يبدو متوافقًا ليحمي من شبهة انتقال المرض دون حسبان. هنا يترقّب العشرات من المرضى والأطباء والممرضين والعمال الصحيين خروج أحدهم لحريته متحرّرًا من وطأة المرض والعزل الصحي. أمام هذه اللحظات العصيبة التي يشهدها خط الدفاع الأول في مواجهة الوباء تُقاسي عدد من النساء العمانيات العاملات في القطاع الصحي ظروفًا صعبة بين التزامات العمل والمهنة والالتزامات الاجتماعية ومتطلبات الحياة اليومية. التقيت بهؤلاء النساء المنشغلات منذ أشهر في العناية والاهتمام بمرضى كورونا في المستشفى السلطاني حيث يرقد العشرات من المصابين بكوفيد 19 وسجلت شهاداتهن حول العمل في مواجهة الوباء.  

مريم المحروقية- أخصائية علاج طبيعي بالمستشفى السلطاني:

لجأت مريم المحروقية – التي تعمل أخصائية علاج طبيعي بالمستشفى السلطاني منذ عشر سنوات- لمنصة انستجرام للتوعية والتحذير من مخاطر مرض كورونا ومساعدة الناس على تجاوز مشكلات التنفس وفق العلاج الطبيعي. ترى مريم أن الكثير من الناس يجهلون أن الطواقم الطبيّة في خدمة المصابين بكورونا ومعالجتهم متعددة، ولا يمكن الاكتفاء بخدمات الأطباء والممرضين فقط؛ بل يشمل ذلك أخصائي العلاج الطبيعي والطب النفسي والسلوكي وعمال الخدمات العامة والمرافق وغيرهم، فيما هو أشبه بخلية عمل يومية لتجاوز هذا الوباء. 

ظلّت مريم قبل انتشار الوباء تقدم خدمات الاستشارات المتعلقة بالمرضى وتصميم البرامج المتعلقة بصحة المرضى والبرامج الرياضية والعلاجية؛ لكن الوباء أثر بصورة كبيرة في المنظومة العمليّة الطبيّة في المستشفى؛ إذ يتطلب من المعالجين اليوم العناية بمرضى كورونا والاهتمام بهم من خلال التركيز على التنفس والأداء البدني خلال وجود مرضى كوفيد 19 في المستشفى فور إزالة أجهزة التنفس التي يعتمد عليها المرضى في الحالات الحرجة. وهناك بعض المرضى الذين يحتاجون لإعادة تأهيل لعمل الرئة. تقول: في ساعات عملي، أنتقل داخل جناح المرضى من مريض إلى آخر، وفي كل جناح يرقد 12 مريضًا تقريبًا، وفي كل مرّة يحدث هذا الانتقال ينبغي أن أعيد ارتداء ملابس مختلفة، وأن أقوم بالتعقيم اللازم، وهذا يتطلب أيضا جهدًا مضاعفًا؛ لاسيما أثناء ارتداء الملابس الواقية التي تصبح ثقيلة جدا أثناء التحرك. 

ولكن كيف تتعامل مريم عند المرضى؟ 

تقول: “أنا أخبر المرضى بالحركات والتمارين التي ينبغي عليهم القيام بها لتعزيز تنفسهم وقدرة الرئة التي تأثرت بالمرض على العمل بكفاءة مجددًا. أتى هؤلاء المرضى من مناطق كثيرة، وهم ليسوا عمانيين فحسب، وهذا يعني أنني أحتاج للتحدث بلغات وطرق مختلفة ليقوم المريض بالتمارين اللازمة. ألحظ أن جهدي في المعالجة يؤثر بصورة كبيرة في صحة المريض وقدرته على مقاومة المرض والتعافي وتحقيق كفاءة العضلات؛ لكن هناك تحدّيًا دائمًا؛ إذ إننا نرتدي كمامًا مضاعفًا وغطاء للوجه وطبقاتٍ من ملابس الوقاية، وهذا يجعل وصول صوتنا للمريض صعبًا؛ لذلك ينبغي أن أقوم برفع صوتي كل مرّة”.  وتضيف: “كل الأفراد العاملين في القطاع الصحيّ واعون جيدًا بالتعاطي مع المرضى والمراجعين واستخدام أدوات الوقاية في المستشفى وخارجها وهذا الأمر جرى مبكرًا؛ فقد قام  المستشفى بالتأكد من قدرتنا كطواقم طبية وعلاجية من الالتزام بالسلامة والتباعد الجسدي أثناء الخدمة، إضافة لمعايير الصحة وضمان عدم انتقال المرض. قللنا عدد الاجتماعات اليومية وصرنا نستخدم أغراضنا الخاصة الشخصيّة، وكانت هناك نقاط توضيحية كثيرة للتباعد الجسدي ومنعنا التجمعات المهنية الشخصية”. 

أما عن تقبل العائلة لطبيعة عملها فتقول: “قلقت والدتي كثيرًا، وكانت تشعر بأنني تحملت مسؤولية كبيرة؛ ولكنني طمأنتها بأن الأمور ستكون على ما يرام وينبغي الالتزام بالوقاية والتجاوب الإيجابي مع هذه المتطلبات اليومية. كان زوجي حريصًا، وكان يتأكد من تعقيمي جيدًا حتى قبل الدخول للمنزل”.  

نهلة النخيلية – ممرضة عناية مركزة لكبار السن المصابين بمرض كورونا

” أشعر بأثر رعايتي على المرضى.. وهذا يشعرني بالفرح ويخفف وطأة الوظيفة القاسية عليّ”

قدمت نهلة النخيلية من قريتها في صحم للعمل في مسقط ممرضةً في قسم العناية المركزة لكبار السن في المستشفى السلطاني. في نهاية كل فترة عمل تعود نهلة لعائلتها في صحم، ولكنّها قرّرت منذ انتشار المرض قطع عودتها المستمرة إلى القرية. تقول: “بعد كورونا تغيّر الوضع، وأنا حاليًا أكملت ثلاثة شهور، وأعمل في قسم العناية المركزة لمرضى كوفيد 19 الذين يرقدون على أجهزة التنفّس الصناعي. هناك ألم.. ألم وشعورٌ بالغربة الحقيقيّة والصعوبة لعدم رؤيتي لعائلتي منذ فترة طويلة؛ إلا أنني قلقة دائما من أن أكون سببًا لألمهم ومعاناتهم في حال إصابتهم بالمرض، وهذا ما شعرت به في العيد، إذ مررت بأصعب فترات حياتي نتيجة شكوكي المستمرّة”. 

وتضيف: “هاجسي المستمر هو التباعد الجسدي. تعلمون أن أي حركة بسيطة.. غير مقصودة هي سبب كبير وكافٍ للإصابة بالمرض. أحمل معي خوفي إلى المنزل، فمجتمعي الخاص قد تغيّر، وأنا أرتدي أحيانا الكمامة وسط رفيقاتي بالسكن في مسقط خوفًا من انتقال المرض لهم، وفي المستشفى تكون أوقات الراحة محاطة بالالتزامات أيضا. أنا أعلم أن خدمتي لهؤلاء المرضى مهمة؛ لكن ما ينبغي أن يحدث هو أن أبقى بصحة جيّدة، وأن أستطيع أن أؤدي مهامّي حتى انجلاء الوباء من البلاد. عندما أصيب بعض زملائنا من الطواقم الطبيّة بهذا المرض، كان الأمر مريبًا وصعبًا وشعرتُ بحزنٍ شديدٍ وعجزٍ كبير لأن هؤلاء من ينبغي أن لا يصابوا بالمرض ويستمروا دائما في تقديم الرعاية الصحية، وإصابتهم بهذا المرض هو خطر بالغ على عملنا. هناك ارتياب بيننا من مصدر هذا الفيروس: هل أتى من المجتمع نفسه أم من مخالطتهم للمرضى؛ لأننا جميعا نلتزم بلبس الرداء الوقائي ذاته الذي يفترض أنه يعزلنا عن المريض، فالمستغرب هو انتقال المرض لهم”. 

سالمة الوهيبية – أخصائية علاج بالمستشفى السلطاني: 

“تركت عائلتي في بديّة منذ أشهر، وفضّلت البقاء في مسقط خوفًا من انتقال الفيروس لعائلتي. شقيقي الصغير ذو الخمسة أعوام، ووالدتي ووالدي لطالما عانوا من مرض الربو. كل هذا دفعني للبقاء في مسقط والتضحية بقربي من عائلتي. كان هذا الابتعاد هو الأصعب بالنسبة لي، وفي كل يوم تتصل بي والدتي لتطمئن. كنت أكتم عنها أمر اختلاطي بمرضى كورونا وعلاجي لهم، لأنني أعلم كيف سيربك هذا الموضوع والدتي ويجعلها قلقة باستمرار. وبعد غياب استمر مدّة شهرين عدت في نهاية رمضان إلى منزل عائلتي، ولم أستطع أن أحضن والدتي، وكنت أتحدث إليهم من بعيد، والتزمت بالحجر الصحي. أدركت حينها أن العناق نعمة عظيمة وأنني في فقدٍ حقيقيٍّ” 

في شهر مارس الماضي انضمّت سالمة الوهيبي للعمل في المستشفى السلطاني لتقدم خدمات العلاج الطبيعيّ لمرضى كورونا، لتبدأ قصتها في معالجة الوباء. تسرد قائلة: كنت أعلم أن عالم العلاج الطبيعي متعدّد جدا، فهناك العلاج الطبيعي للأمراض العصبية مثل الجلطات والشلل والدماغي، وهناك العلاج الطبيعي لمرضى السرطان، والعلاج الطبيعي بعد العمليات الجراحية، وكنا نتعامل مع مختلف الحالات والأعمال، ولقد عملت قبل الوباء في علاج المرضى الذين يشتكون من ألم العضلات والمفاصل والجلطات الدماغية؛ لكن لم أكن أتوقع أن عملي الحقيقيّ سيبدأ مع علاج مصابين بمضاعفات أمراض الجهاز التنفسي من مرضى كورونا. هل ينبغي أن أشعر بالحظ أم بالخوف؟!

في المستشفى السلطانيّ، بين قسمي الحالات الحرجة يمرّ المرضى بالتنفس الصناعي في أصعب حالاتهم، وهناك قسم آخر هو قسم المراقبة والرعاية الطبيّة العامّة حيث كلفت سالمة بالعمل في الجانبين. تقول: أرتبط بهؤلاء المرضى منذ دخولهم المستشفى، وحتى بعد خروجهم منه إذا ما احتاج المريض لذلك. ينبغي أن أراقب كفاءة الجهاز التنفسيّ للمرضى لمنع تراكم الإفرازات مثل البلغم المسبب لانسداد المجاري الهوائية، مما يودي بحياة المريض، كما أرقب كفاءة الجهاز الدوري لتجنب حدوث الجلطات. أحرك أطرافهم وأرقب حالة عضلاتهم ومفاصلهم، وهناك التمرينات المستمرة الكفيلة بصحة الجهاز الدوري.  

ماريا البلوشية- عاملة نظافة 


منذ ست سنوات، تمارس ماريّا مهامها عاملةً للنظافة في المستشفى السلطاني، وهي الآن تعمل في قسم المصابين بمرض كورونا.  قبل انتشار الوباء، كان العمل يسيرًا ومعتادًا في قسم العناية المركّزة بالمستشفى السلطاني، حيث تقوم ماريا بتنظيف الغرف وبقايا مستلزمات المرضى، وتؤدي مهام التعقيم المعتاد للأسطح. بعد انتشار الوباء، أوكلت إلى ماريا أن تقوم بمهمة تنظيف غرف الطواقم الطبية وتعقيمها بعد تأديتهم أعمالهم في قسم المرضى المصابين بمرض كورونا. تتحدث ماريا عن هذه التجربة قائلة: في البداية كان الأمر مخيفًا وصعبًا جدًّا حيث ينتابك الخوف بشأن إصابتك بالمرض، خصوصا وأنك تتعامل مع من قاموا بصورة مباشرة بالتعامل مع المصابين بالمرض. نصحني زوجي وأفراد من عائلتي بأن أغيّر القسم الذي أعمل فيه، فقد أتمكن من الانتقال إلى أقسام أخرى لا تبدو بالخطورة ذاتها، وكان يمكنني القيام بهذه الخطوة، ولكنّ التفكير في الظروف الإنسانية لجميع الطواقم الطبية وأهمية أن يكون لي دور في حماية الآخرين والاهتمام بهم منعتني من التقدم بهذا الطلب لإدارتي. أكملت عملي في هذا القسم مع انتباهي لكل التفاصيل اليوميّة التي تحميني من المرض وتجنب الاختلاط بالكثير من الأشخاص خارج العمل. 

ولكن ماذا عن ممارسات العمل اليومية؟ تقول: “تخرج الممرضات من غرف المصابين بمرض كورونا، ويتطلّب مني ذلك التحرك السريع للتخلص من كافة الملابس التي جرى استخدامها وتنظيف الغرفة وتعقيمها، وقد يتطلّب مني ذلك أحيانًا الدّخول لغرفة المصابين بالمرض، وعندها ينبغي أن أقوم بارتداء كافّة الملابس الواقية والكمامة والقفازات والالتزام بالتحرّك الحذر في هذه الغرفة حتى مغادرتها تماما. لا أنسى التعقيم واستبدال الملابس يوميا قبل مغادرة المستشفى “. وتضيف: “بعد انتشار المرض والتغيّرات التي مرت بها مهنتي صرتُ مستعدة للعمل في هذا المكان، وصرت أقل خوفًا من أن أصاب بالمرض لأنني تعلمت جيدا كيف أحمي نفسي والآخرين. ما يشعرني بالخوف أن ينتقل المرض لأطفالي وعائلتي؛ لذلك أنشغل بحماية نفسي من الإصابة بالمرض طيلة فترة عملي الممتدة لتسع ساعات”. 

عن الكاتب

Avatar

سمية اليعقوبي

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.