الدين إشكالًا تأويليًّا، بين السّياق والمعنى

كتب بواسطة خالد البلوشي

انطلاقًا من فكرة أنّ المعنى لا قرار ولا ثبات له، سأناقش في هذه المقالة “الإسلام” إشكالًا، ذاهبًا إلى أنّ أيّ تأويل له إنّما هو أقرب إلى إفراز لسياقه الآنيّ منه إلى حقّ مطلق.

لعلّنا نعي جميعًا أنّ اللغة من أهمّ ما يميّزنا عن غيرنا من الكائنات؛ فنحن نكتسب بها وجودنا، ونعرف بها أنفسنا ومشاعرنا وعلاقاتنا بالمحيطين بنا، كما نصنع بها مجتمعنا وتاريخنا وثقافتنا وحضارتنا؛ إلّا أنّنا قلّما نلتفت إلى أنّ اللغة عند تحديدها لنا تضعنا في خانات كأنّنا كتلٌ صمّاء؛ فهذا ذكرٌ وهذه أنثى، هذا مؤمنٌ وذاك كافر، هذا فاعلٌ وذاك مفعولٌ به؛ هذه وغيرها من الخانات تُزرَع فينا زرعًا عبر التنشئة، فنتلقّاها كأنّها حدودٌ طبيعيّة مسلّمٌ بها غير واعين أنّها ليست إلّا تأويلات تختلف زمانًا ومكانًا؛ وإن لم نسائل هذه التأويلات أصبحت قوالب وأنماطًا جاهزة؛ فنلوذ تلقائيًّا، من غير بذل أيّ مجهود ذهني، بالدين أو بالمذهب أو بالعرق أو بأيّ خانة أخرى من خانات اللغة أساسًا لتفسير ظواهر ذات أبعاد اقتصاديّة واجتماعيّة وسياسيّة ونفسيّة متنوّعة. 

وربّما نكون نحن البشر أميل إلى قبول تلك الأنماط في أوقات أزمات جسام تمسّ ما رُبّينا عليه من رؤى دينيّة وقوميّة، إذ تفيض عندئذ عواطفنا ومشاعرنا بما قد تراكمت في لاوعينا الجمعي؛ لعلّنا نرى في واقعنا المعاصر مثالًا صارخًا تجسّد في هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، 2001، على أمريكا وما تلاها من ردود فعل متشنّجة وحروب وسياسات عدائيّة الخاسر الأكبر فيها هو الإنسان بصرف النظر عمّا إذا كان من هذا العالم أو ذاك، من هذه الحضارة أو تلك؛ هذه الردود وهذه السياسات ما زالت فاعلة في يومنا هذا، وربّما كان أكبر تجلّ لها على المستوى الإعلامي هو خطاب الإرهاب: تنامي صوتين يناقض ويعارض أحدهما الآخر، فثمّة من يقول بسلام الإسلام وثمّة آخر يقول بعنف الإسلام، كلا الصوتين يضمّ معتقدات وتصوّرات تختلف في الدرجة وفي مستوى الحدّة؛ بل في طبيعة الصوت نفسه، تفسيرًا وتأويلًا. 

في أدبيّات القرآن الكريم تعريفات عدّة للتفسير والتأويل، لكنّ الملاحظ في جلّها أنّ الجامع بين التفسير والتأويل هو الإيضاح والتبيين، والفارق بينهما هو أنّ الأوّل يُعنَى بالآيات الواضحة المعاني، والثاني بالآيات المشكلة المعاني؛ على أنّ المفارقة اللافتة هنا أنّ القائل بالواضح والمشكل هو معرّف الوضوح والإشكال وهو موضّحهما ومبيّنهما في آن؛ فإنْ كان هذا القائل المعرّف الموضّح المبيّن يستدلّ بالنصوص الدينيّة، منقولةً إمّا بالكتابة وإمّا بالراوية، فإنّ له سياقًا آنيًّا يؤول إليه، فيتّكئ على المجمع عليه فيه من المعاني، فيؤوِّل ما اتّضح له وما أشكل عليه؛ والتأويل إشكالٌ أصلًا سواء اختصّ الأمر بالمتشابه أم بالمحكم، سواء أكنّا من الخواصّ “الراسخين في العلم” أمّ كنّا من العوامّ الجاهلين به، سواء أكنّا من داخل الثقافة الواحدة أم من بين الثقافات المختلفة، في الزمن الواحد أم عبر الأزمان المختلفة.

ووجه الإشكال هو أنّ السّياق الذي نَؤُول إليه ليس واقعًا فيزيائيًّا منفصلًا عنّا؛ فلنأخذ عنصري الزمان والمكان، فهذان كلاهما تصوّر ذهني، فقد قسّمنا الأوّل منهما إلى ماض وحاضر، إلى سنة وشهر، والثاني إلى قارة ودولة، إلى مدينة وولاية؛ وهذه ليست حقائق بقدر ما هي معان اتّفق عليها، ولما كان الاتّفاق يتفاوت، تعريفًا ودرجةً، فإنّ الناتج منه لا بدّ له أن يختلف أيضًا وإن بدا لنا واضحًا واحدًا؛ من ذلك أنّ كثيرًا من أهل العلم ومن العوامّ يستدلّون على الأهمّيّة التي أولاها الإسلام العلم بأنّ “اقرأ” أوّل كلمة نزلت من القرآن؛ ومع أنّ ثمّة خلافًا بين علماء الإسلام حول ذلك فإنّ ما يهمّنا هنا هو ربط القراءة بالعلم أوّلًا، ثمّ اتّخاذ ذلك دليلًا على أهمّيّة العلم ثانيًا؛ لعلّنا قد نتّفق على صحّة الفكرة على المستوى الشكلي، فالسبيل إلى العلم، لا ريب، القراءة، ولكن لنا أن نتساءل: هل ما نعنيه بالقراءة في مكاننا وزماننا المعاصرين هو عين ما كان يعنيه أهل الجزيرة العربيّة في القرن السابع الميلادي، وهل علمنا هو علمهم؟ 

أن “نقرأ الشيء” يعني، حسب معجم “المعاني” الإلكتروني المعاصر لنا، أن “نستشفّ معناه الضمني” أو “نضمّ بعضه إلى بعض” أو “نتتبّع كلماته” أو “نتلوه”؛ ولكي نعرف معاني هذه الكلمات بدقّة كان علينا أن ننظر في موادّ “تلا” و”ضمّ” و”تتبّع” و”استشفّ”؛ وإن فعلنا رأينا أنّ هذه تحيلنا إلى كلمات هي بدورها بحاجة إلى كلمات أخرى لمعرفة معانيها، هكذا نرى أنفسنا في سلسلة إحالات لا نهاية لها، أمّا أن نقف عند إحالة بعينها ونعلن أنّها المراد من “قرأ” فذاك أقرب إلى نتيجة تراخينا أو أثر الأيديولوجيا السائدة فينا منه إلى خلاصة منطقيّة توصّلنا إليها بإعمال أذهاننا. 

وإن فرضنا جدلًا أنّ “قرأ” لا تحيل إلى كلمات أخرى داخل اللغة، وإنّما تمثّل حالة تقع خارجها فإنّ هذا الفرض له إشكالاته أيضًا؛ فإن كانت “اقرأ” أوّل آية فإنّ ذلك يعني أنّه لم يكن هناك ما يُستشَفّ معناه الضمني، وإن لم يكن النبيّ يحمل كتابًا عند نزول الوحي عليه في غار حراء، كما يؤثر عنه، فيُستبعَد أن يؤمر بضمّ شيء لا يحمله أو بتتبّع أو بتلاوة كلمات كتاب ليس لديه أصلًا؛ وإن قلنا إنّ النبيّ أُمِر باستشفاف أو بتلاوة أو بتتبّع ما سيأتي من الكلمات فإنّ ذلك يبقى استنتاجًا مبنيًّا على تقسيمنا للزمن إلى ماض وحاضر؛ ولما كان الزمن تصوّرًا بشريًّا، كما قلنا، لم يعد لنا من سبب نجزم به أنّ ما أراده الوحي (الخارج عن زمننا) هو عين ما خلصنا إليه.

ولكن ماذا لو غضضنا الطرف عن كلّ ذلك، وقلنا بالآية دليلًا على أهمّيّة العلم؟ الواقع أنّ ذلك القول لن يريحنا وإنما يثير لدينا إشكالًا تأويليًّا آخر: ما العلم؟ أهو المعرفة بالدين، شريعةً أم فقهًا أم أحوالًا مدنيّة أم منظومة سياسيّة؟ أهو المعرفة بالعلوم الطبيعيّة، أحياءً أم كيمياء أم فيزياء؟ أهو المعرفة بالإنسان، اقتصادًا أم اجتماعًا أم سياسةً؟ لعلّنا نلمس في هذه الأسئلة أثر سياقنا بل أثر ثقافة أخرى فينا؛ فمع أنّ أممًا وثقافات كثيرة شاركت عبر التاريخ في بناء العلوم الخاصّة بالطبيعة والإنسان فإنّ فهمنا لهذه العلوم اليوم أقرب إلى عصر التنوير الأوروبي منه إلى عصر آخر؛ إن رأينا ذلك صعب علينا أن نقول بأنّ فهمنا لأهمّيّة العلم في يومنا هذا هو فهم أهل الجزيرة العربيّة في القرن السابع الميلادي.

ما قلته في فهمنا للعلم وفي تأثّر ذلك الفهم بثقافات أخرى ينطبق، بوجه من الوجوه، على من عاش في الجزيرة العربيّة في القرن السّابع الميلادي، فلنأخذ في ذلك بعض أسماء الأعلام الشّائعة عندنا؛ فنحن نأخذ محمودًا وأحمد وعليًّا وخالدًا ومحمّدًا وعبد الله على أنّها أسماء إسلاميّة[1]، ونبني عليها أو نفهم بهاغير أمر من عقيدتنا؛ فالاسم الأخير، مثلًا، ينطوي على فكرة العبوديّة لله في الإسلام؛ على أنّنا لا نستطيع أن نجزم أنّها فكرة إسلاميّة خالصة، إذ لا سبيل لنا إلى إنكار أنّ عبد الله وغير ما ذكرت من الأسماء إنّما هي أسماء فترة ما قبل الإسلام، أسماء ما يُصطَلح عليه، من المنظور العقدي، بـ”الجاهليّة”؛ فـ”عبد الله” اسمًا يرتبط بأسماء كانت شائعة في تلك الفترة ولكنّها صارت مذمومة بعد نزول الوحي، أسماء مثل عبد اللات وعبد العزّى وعبد مناة؛ ولربّما كان له امتدادٌ يصل به إلى الثقافة اليهوديّة، إلى أوفاديا أو أوباديا،[2] أو، في وجه من الوجوه، إلى كلّ اسم غربيّ يبدأ بـ”ثيو”.[3]

لعلّه يتّضح لنا ممّا تقدّم أنّ السّياق لا يعني حاجزًا مسيّجًا ولا منظورًا فكريًّا متماسكًا اعتُنِق على نحو مقصود، وإنّما هو جملةٌ من التراكمات التاريخيّة، من التنقّلات والتحوّلات، من الظلال والإيحاءات، من المشعور به وغير المشعور به، من الارتقاء والتطوّر، من المفارقات والصدف؛ فواقع الحال أنّنا لم نكن قطّ في أيّ عالم، إسلاميًّا كان أم مسيحيًّا، يهوديًّا أم بوذيًّا، “فكلّنا رحلةٌ دائبة دائمة، كلّنا متخمٌ بأقوال وصيرورات أعقد من أن تسعها هذه الحاويات الضيّقة الخانقة؛”[4] لعلّنا ننطلق من ذلك لنشكّك في أطروحة “صراع الحضارات”، فقد ذهب صاحبها، صامويل هنتنجتون،[5] إلى أنّ الحروب بعد انتهاء الصراع الأيديولوجي بين الكتلتين الرأسماليّة والشيوعيّة ستقتصر على الثقافات لا على الدول ككيانات سياسيّة؛ وقد ركّز كثيرًا على الحضارتين الصينيّة والإسلاميّة ذاهبًا إلى أنّ كلتيهما تمثّل تحدّيًا لمبادئ الحرّيّة والفردانيّة والاقتصاد الحرّ؛ فالأطروحة ترى “الثقافة” أو “الحضارة” منتجًا مسوّرًا قائمًا بذاته، جاهلةً (أو متجاهلةً) أنّ الثقافة صيرورةٌ فيها من التداخل والتقاطع ما فيها من التبدّل والتحوّل، وأنّ كلّ ذلك يحول دون تقسيم الثقافات إلى كيانات جغرافيّة.[6]

بل أذهب في الختام، من منطلق ما تقدّم، إلى أنّ خطأ القائل بالإسلام دينَ عنفٍ هو خطأ القائل به دينَ سلام، فكلاهما يرى الإسلام حدودًا منيعة وسدودًا حصينة؛ والحال أنّ “العنف” و”السلام” خطابان فيهما من الدين، تأويلًا، ما فيهما من التاريخ والجغرافيا والاجتماع ونفس الإنسان الواعية وغير الواعية، أمّا أن ننسب العنف أو السلام إلى الإسلام حصريًّا فذاك أقرب إلى حكم علينا مختزلين منه إلى حكم على الإسلام (في الحالة الأولى) أو له (في الحالة الثانية).


[1] انظر الفصل الأخير من كتابي النقدي “تقويض بابل” من سلسلة ترحال عبر قصص مترجمة (“الآن”، 2020). 

[2]  Ovadia أو Obadiah  اسم عبريّ قديم، يعني “عبد الله” أو “خادم الله”. 

[3]  Theo من مشتقّات كلمة Theos اليونانيّة، والتي تعني “الإله”.

[4]  “تقويض بابل”، ص 113.

[5] نشرت الأطروحة مقالةً في عام 1993 في مجلّة Foreign Affairs ثمّ ظهرت لاحقًا ككتاب 

The Clash of Civilization and The Remaking of World Order (Simon & Schuster 1996).

غير بعيد عن هذه الأطروحة كتاب فرانسيس فوكوياما: “نهاية التاريخ والرجل الأخير”، فقد ذهب فوكوياما في كتابه هذا إلى أنّ التاريخ الإنساني وصل، تطوّرًا وارتقاءً، إلى ذروته بعد انتهاء الحرب الباردة؛ فبانتصار الدول الديموقراطيّة الليبراليّة (الغربيّة) وصل البشر إلى الطريقة المثلى للحكم ولإدارة شؤونهم، فلا بديل لهم أفضل منها يمكن أن يتوقوا إليه.

Francis Fukuyama, the End of History and the Last Man, (Penguin 1992).

[6] يُعدّ إدوارد سعيد من أهمّ منتقدي الأطروحة، انظر، مثلًا، كتابه:

Humanism and Democratic Criticism (Palgrave MacMillan 2004).

Hits: 30

الثامن بعد المئة ثقافة وفكر

عن الكاتب

خالد البلوشي

اترك تعليقاً