مجلة نزوى.. بين الغايات والواقع

كتب بواسطة سعود الزدجالي

هوية المجلة:

         تحاول هذه الورقة تقديم رؤية تحليلية ونقدية لفلسفة المجلة وإمكاناتها الرؤيوية والواقع الثقافي في المنجز الذي ظهر في الفلسفة (= بيان المجلة في العدد الأول) والمحتوى وأبعاده الإنجازية في الواقع، وهي تتوسل الإجابة عن سؤالين: إلى أي مدى أعربت المجلة بوضوح تام عن فلسفتها ورؤيتها ورسالتها في الأعداد الأولى واللاحقة وأبانت عن هويتها؟ وهل كانت المجلة قادرة على الوفاء بمتطلبات تلك الفلسفة عبر المحتوى وأثره في المشهد الثقافي العماني وإشكالاته؟ علمًا بأنني حاولت نشر المقالة في المجلة ذاتها ولكن رئاسة تحريرها رفضت ذلك؛ وهذا بحد ذاته يخالف فلسفتها ورؤيتها النقديّة والثقافيّة.

         وإذ نحاول الإجابة عن السؤالين السابقين؛ فإننا نمزج بين الآراء النقدية وما امتازت به المجلة من منجز ثقافي لا يمكن إنكاره بحال من الأحوال؛ من حيث إن الرؤية النقدية بذاتها تعد قيمة ومنقبة للعمل الفكري، وليس ضدا أو إثارة أو استعداء. تصنّف مجلة “نزوى” بين أشكال التداول الثقافي في المجلات بوصفها شكلا للتداول، ويعبر عن المجلة في اللغة الإنجليزية بـ Review أوMagazine  وتعني الأولى “المعاينة” والثانية مخزن البضائع، وهما يعبران عن مضامين المجلة من حيث الغاياتُ والمحتوى، وهي إحدى وسائل الاتصال الجماهيرية تصدر بشكل دوري[1]، وتندرج المجلة وفقا لقانون المطبوعات والنشر الصادر بالمرسوم السلطاني (49/ 84) في قائمة المطبوعات حسب المادة (3) القابلة للتداول، ويجعلها القانون ضمن مصطلح “الصحيفة” وتعني “كل جريدة أو مجلة أو مطبوع يصدر باسم واحد بصفة دورية في مواعيد منتظمة أو غير منتظمة” وكانت “نزوى” تصدِّر العنوان أو الأيقونة بمفردة “مجلة” التي تمّ حذفها بناء على وضوح المحتوى والشكل، ونلاحظ أن هوية المجلة تتضح عبر بعدين:

  1. الهوية الانتمائية التي عبّرت عنها المجلة بالأيقونة البصرية والتاريخية متمثلة في مفردة “نزوى” بوصفها علامة لسانية، تبرز بطريقة كتابتها على غلاف المجلة الخارجي، أو المحتويات الداخلية والحواشي، وفي بيانها عن المصدر أو المنتِج “دار جريدة عمان للصحافة والنشر” في البدايات ولاحقا “مؤسسة عمان للصحافة والنشر والإعلان”، كما تتضح في ملامح المحتوى الأيقونية متمثلة في الأسماء، واللوحات التي أعلنتها المجلة منذ اللحظة الأولى في العام 1994.
  2. الهوية الوظيفية وتتضح في تصنيف المجلة من حيث الحقل الذي تريد أن تنتمي إليه وظيفيا وغائيا؛ فهي “مجلة فصلية ثقافية”، والمفردات الثلاث مجتمعة تشير إلى شكل الظهور، وفتراته، وغاياته أو محتوياته؛ فهي مجلة ثقافية، ويمكن تسييج  مفردة “الثقافية” بالمعاني التي أشار إليها سايمون ديورنغ في المقدمة النقدية؛ فهي ملتزمة تهدف إلى تعزيز التجارب الثقافية والاحتفاء بها، ولا تُغفل جانب المتعة بالتشكيلات الواسعة من الصيغ الثقافية وتحليلها وتحليل دعاماتها الاجتماعية، وهذا يتضح في فلسفة المجلة التي أفردنا عنها حديثا في المقال نفسه؛ ولكنها ليست حيادية فيما يتعلق بالاستثناءات والمظالم والأضرار التي تلاحظها، وهي بهذا المعنى يعدُّ صمتها أحيانا عن بعض النزعات والأشكال الاجتماعية حيادا؛ لذلك فإن المعنى الثالث يؤشر إلى اختلافها الفعلي عن الأنواع الأخرى من العمل الأكاديمي؛ فهي تتعامل مع الثقافة بوصفها جزءا من الحياة اليومية من دون تشييئها[2]

         مجلة نزوى مشروع “حكومي” بما تعنيه مفردة “حكومي” من معنى في العالم ولا سيما في الوطن العربي؛ فما تريده الحكومة أن يبقى في سياقها فإنه سيتسم بالبقاء والديمومة؛ دون أن نكف عن ذكر بعض الاستثناءات التي يصنعها أحيانا العاملون في سياقها، أو الظروف المحيطة بالمشروع؛ أو ما يصنعه طابع الاغتراب أو الإغراب الثقافي الذي قد يؤدي إلى عدم فاعلية الخطاب وأثره، وتاليا إلى تركه يثير اهتمام النخبة بلغتها الخاصة، وهذا ما حدث في مجلة نزوى إن قليلا وإن كثيرا.

         عبرت المجلة عن التنويع الثقافي في المحتوى في الأبواب المطروحة في العدد الأول، وظهرت فيها ملامح الهوية الانتمائية، والوظيفية، كالعمارة، والدراسات، والمتابعات، والاستطلاع المصور، والشعر والقصص والمسرح والعلوم والتشكيل والتراث، ويظهر في المحتوى الملمحُ العماني بقوة سواء أكان الظهور موضوعاتيا، أم كان بتقديم الكاتب والمبدع العماني، وبهذا فإنه لا بد من تسجيل إشادة وتميز عن مشروع “التسامح” أو “التفاهم” في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الذي لم يستطع أن يعبّر عن هذه السمة؛ فظل الكاتب العماني مقصيا عن محتويات المجلة؛ بينما واكبت نزوى ميلاد الكاتب العماني وبذلت لاحتوائه ومتابعة تاريخه دون إقصائه وتصنيفه.

         نلاحظ أن “نزوى” ظلت خلال حقبة صدورها منذ العام (1994) وحتى العدد (100) في العام (2019) محافظة على البعد الوظيفي والتنويع الثقافي من خلال ثبات الأبواب نسبيا؛ وهذا يدل على جدية الاختيار منذ اليوم الأول بما يضمن القدرة على الاشتمال؛ إضافة إلى الملفات التي قدمتها المجلة؛ مثل ملف “الشيخ الشاعر عبدالله الخليلي” في العدد (24) لأكتوبر (2000)، أو غيرها من الملفات المهمة؛ مما يعني أن المجلة مع اتساع الأفق الثقافي المتنوع ظلت قريبة من الآفاق الثقافية المحلية التي كانت ضمن فلسفتها وغاياتها المهمة.

         اقتربت المجلة على الرغم من السمة الحكومية من موضوعات تمَسُّ الجانبَ النقديَّ للتراث العماني نسبيا، ولكنها لم تستطع أن تخلق بيئة نقدية متميزة خلال فترتها الطويلة؛ فظلت موضوعات تراثية ودينية متخشبة ومتكلسة وازدادت في عنفوانها وتعاليها؛ وانزوت خارجَ دائرة النقد الثقافي وضمن “التراثيات المتحفية”، ونلاحظ أن هذا الجانب قد أدركته المجلة وهي تجابه عنفوان التيارات الدينية التي وصلت اليوم إلى مربع التقديس الغرائبي؛ ويظهر ذلك جليا في الافتتاحية التي كتبها سيف الرحبي في العدد (19) يوليو (1999) “حول المشهد الثقافي العماني وحزمة الأوهام الجميلة”، وهو يدعو فيها إلى استنطاق التراث العماني وهضمه في الإبداعات المتجددة إلى درجة أن الكاتب يمزج بين المتناقضات بالاستلاب والدعوة إلى النقد؛ إذ يكاد أن يجعل الممارسة النقدية نوعا من الاستسهال والتطفل الثقافي وافتعال المواقف والهذَر الكلامي باسم “الحداثة” الذي يمس مقدسات الناس ويعتدي على مناطق شعورهم العقائدي والقيمي، وتلك لغة تتسم بسمات لغة السلطة وعدم الانحياز الذي يعدّ بحد ذاته وهما كما يزعم نيتشه؛ فالتراث العماني – فيما يرى الرحبي – معينٌ لا ينضب في مختلف تجلياته وعصوره، يمدنا بضياء الجذور وعمقها وطرائقها، نستلهم رموزه التاريخية والأسطورية، ونستلهم طقوسه وتضاريس مكانه ومتخيله الجمعي.

         أقول إن اللغة الشعرية المفعمة بالعاطفة التي توسلها الكاتب في معالجة قضية جدلية وشائكة؛ لم تمنعه من اكتشاف المشكلة التي أشرت إليها؛ متمثلة في قوله: “أما التقوقع والانغلاق على الرأي الواحد، والفكرة الواحدة التي لا يطالها الشك في شيء، فلا بد يفضي إلى جحيم التطرف والانحياز الأعمى الذي نشهد تجسيداته البربرية على امتداد الساحة العربية والعالم من كل الطوائف والأديان والاتجاهات” على أن الكتابات العمانية تتجاهل السمة الجوهرية في التراث العماني الذي هو تراث أو ميراث ثقافة أحادية دينية يفضي إلى تصنيف الأفكار واستعدائها؛ فـ”حين يأتي طالب علم، ويمتنع عن قراءة مجلة وجدت لتخاطبه وتتبنّى حوارا مع عقله وخياله مثل مجلة “نزوى” بحجة أنها صنيعة “العصريين” و”العلمانيين” أو أي شيء آخر، أي عبر إشاعة تبناها كفكرة مسبقة بنى عليها موقفا حاسما؛ فهذا أحد أمثلة سلوك الانغلاق المخيف”، ولو أعدنا اكتشاف العبارة السابقة فإننا نجد أن الكاتب لا يتهم الموقف الذي تبناه الآخر تجاه مجلة الحداثة بقدر ما يتبرأ من العلمانية والعصرنة باعتبار أن انتماء القوم إليهما مجرد إشاعة، وهذا النهج يجعل صناعة الفارق في مجال الثقافة ضئيلا يكاد لا يضيء.

فلسفة المجلة ورسالتها:

         اتضحت رسالة المجلة وفلسفتها عبر الهُويات التي توقفنا علينا وأيقوناتها البصرية، وعلاماتها اللسانية؛ وعبر افتتاحيتين؛ ظهرت الأولى في العدد الأول (1994)، بينما جاءت الثانية استكمالا أو ردة فعل في العدد الثاني مارس (1995)؛ ولذلك فإنني أعتقد أن استكمال الرؤية في العدد الثاني ينطوي على بعض التدارك ومساءلة الآخر واستدعائه لتغيير قناعاته حول ما مضى في العدد الأول من المزاعم والادعاءات؛ لا سيما وأن هذا المضى والفائت كان قراءة قلقة تتوجس خوفا من استفزاز الآخر بمقدساته الكثيرة والمتخشبة التي تجعل التنوير والنقد هرطقة وزندقة وهدما لمقدرات الأمة؛ مما يحيل على “باث الخطاب” بما هو ممارسة مراقبة حسبما يرى ميشيل فوكو في نظام الخطاب؛ لذلك فإن ما يلفت الانتباه تحول “الباث” ذاته من باث مؤسساتي (رئيس التحرير) في العدد الأول يعبّر عن رغبة المؤسسة ورؤيتها على رَكحٍ مراقب وبإذن مسبق إلى باث يتسم بالذاتية ويجعل المؤسسة بمنأى عن تبني خطاب النقد؛ ليظهر بعد ذلك “سيف الرحبي” بدلا من الصفة الوظيفية؛ وهذا ما يجعل السؤال الآتي مشروعا ومهما ومحوريا: إلى أي مدى تريد المؤسسة أن تختفي بقدر ما تظهر في مثل هذه المسارات التنويرية لمجابهة التيارات الدينية المتخشبة والأحادية؟ وهذا أيضا يفسّر التصرف الغريب في المجلة الذي يحوِّل الافتتاحيات من الإعراب عن موقف المجلة وفلسفتها ومحتوياتها وفقا للراهن الثقافي وتحولاته إلى “منتج إبداعي” خاص لسيف الرحبي يلصق المجلة به، ويوحي بحالة غير مقبولة في المجتمعات المدنية تتمثل في فردنة المؤسسات وتحويلها من الحالة الاعتبارية إلى حالة الشخص الطبيعي.

         من خلال قراءة كل ذلك في الافتتاحية الأولى (1994) “هذه المجلة والمشروع الثقافي” والثانية (1995) “إشارات”، وهما – كما يفترض – يعبران عن متطلبات الراهن والمستقبل وما تريده المؤسسة الثقافية؛ عبر التحولات والتداخل بين التراث ونقده، والتنوير الثقافي ومساراته؛ يمكن أن نضع فلسفة المجلة ورسالتها في الآتي:

  1. أعربت المجلة في بيان هويتها الوظيفية أو الغائية أنها جاءت استجابة للمتطلبات الثقافية للمجتمع العماني في جانبين مهمين: جانب التراث العماني الذي جعله الكاتب المعين الذي لا ينضب لاستنطاقه وهضمه، وجانب التحولات الاجتماعية والثقافية؛ ويعدُّ هذا التصريح مهما جدا في الاشتغال الثقافي والتنويري، ولكن ما يُلحظ على هذه الرؤية تلكم “النزعة الكلامية” التي ظهرت في الافتتاحية الثانية (1995) لبيان طموح المجلة نحو العمل التنويري الجاد؛ ونعني بهذه النزعة هاجس التنزيه والتمييز الذي تريده الذات عندما تعرب عن إرادتها؛ فهي لا تقوم بالعمل باعتبار أهميته بقدر ما تريد الذات الممتلئة أن “تميِّز نفسها” إزاء الآخر؛ ولذلك توقف الرحبي على ظاهرة “الاستخلاج” وارتباطها بالنفط والاستهلاك، ويرتبط ذلك أيضا بالنزعة الدعوية في العمل الثقافي الذي يريد أن يتملك كلَّ شيء لإصلاحه دون أن يحرك الضمير ويجرح المشاعر ويستفز مناطق الرتابة والسكون؛ لأنها مقدسات.
  2. يأتي “جهل الآخر” ومتطلبات التثاقف من بين الظواهر التي تريد المجلة أن تعالجها أو ترتادها؛ إذ تدعي أن النتاجات الفكرية التي ارتادها الأسلاف كانت تتحدى شراسة الجغرافيا ونأي الأمكنة؛ فهي ليست “عامل انغلاق وعقدة”؛ على أنني أرى أن هذه الرؤية نظرت إلى شكل التراث أو إلى “الحالة الاحتفائية” دون المضامين والغايات؛ فالنتاج التراثي العماني يتمركز حول “الإنتاج الفقهي”، والنقول، والتكرار إلى جانب أن “الانغلاق” يعدُّ سمة وعاملا للمحافظة على “الهوية الدينية” كما يرى باحثون مثل جون كرافن ولكنسون؛ وعلى اعتبار أن التراث العماني “مجهول” فبأي شكل من أشكال الحداثة أو الأصالة يجب تقديمه إلى الآخر الجاهل به؟ وهل استطاعت المجلة تجاوز الانكفاء على الذات إلى تقديم دراسات نقدية جادة حول هذا المنتج الإنساني؟

          لقد تنبّهت المجلة إلى صعوبة المهمة الثقافية والمراوحة بين التراث بتصديره ودرسه ونقده، واستجلاب الآخر، ونلاحظ أن المجلة في مسيرتها استطاعت أن تقدم بعض النماذج المهمة في دراسة التراث العماني تاريخا وفكرا ولكنها لم تلامس مناطق الاستفزاز والنقد العلمي الجاد بقدر ما سايرت الخطاب السائد والاحتفاءات، ولكنها كانت تشكل أهمية كبيرة في ظل الغياب الكبير لمثل هذه الإضاءات في العدد (11) مثل “أول عاصمة لعمان قبل الإسلام” لطالب المعمري، أو أضواء على مصادر التاريخ العماني الحديث لمحمد صابر عرب،  أو مدينة صور العمانية لمحمد مبارك العريمي، في العدد (21) من العام (2000)، وقدم العدد ذاته محتوى في “المشهد العماني” من بين أهم دراساته العوتبي لعبدالرحمن السالمي، أو سيرة السالمي لخالد العزري في العدد (23) للعام نفسه، وفي العدد (30) من العام (2002) ظهرت دراسة متميزة حول العلاقة بين الأئمة والعلماء وتطورات الدولة العمانية لعبدالرحمن السالمي؛ ولا تكاد تجد عددا من أعداد المجلة في مسيرتها يخلو من كاتب عماني، أو دراسة عمانية، أو مشهد، أو إبداع، أو مدينة عمانية، أو لوحة تشكيلية أو صورة متميزة تبرز ملمحا من ملامح الهوية العمانية، ولكن الدراسات تظل دائما في جانب السلامة من الاستفزاز النقدي والعلمي خوفا من الخطاب السائد وإثارته.

  • تحقيق حالة من التواصل العلمي مع “المنتج التراثي”؛ فـ”هذه الحقول تكشف لقارئها المعاصر عن صلات بالغة الثراء بتاريخ الفكر البشري، كما تكشف عن ملامح الشخصية العمانية، وأنماط حياتها وتفكيرها المرتبطة بمصير مشترك وشامل بمحيط عروبتها وإسلامها”، ولكن ما يلاحظ على هذه الرؤية أنها تتجاهل نزعة عنيفة تعرقل مسيرة التنمية في المجتمعات العربية والخليجية متمثلة في “الماضوية” فالركون إلى الماضي وما يصحبه من حنين لذيذ إلى الأمس يعرقل مسيرة النقد والتجاوز ويخلق حالة استعداء مع المناهج الحديثة وبناء التنمية؛ والمجلة وقعت في مثل هذه الاحتفائية التي تصنع غلالة أمام كل عين تريد التجاوز والمساءلة للماضي[3]، استدعت هذه النظرة الاحتفائية نحو الماضي حالة التصدع والتشاؤم من الواقع ومستقبل المجتمع أمام إسفاف وسائل التواصل الاجتماعي، مع الإشارة إلى أصوات السجال الثقافي والأصولية؛ كما أشرت سابقا؛ لذا فإن المجلة وقعت في توزيع الاتهامات والتصنيف أحيانا لتصعيد خطاب سائد رتيب ترى أنه هو الخليق بالاهتمام، وهذا ما دفع المجلة إلى الدعوة بإعادة قراءة التراث ولكن برؤية هي تريدها – إن سلمنا أن الافتتاحيات تعبِّر عن فلسفتها – فالتعالي على التراث أو الاستنكاف عنه “جهل به”؛ فالكتابة الحقيقية “هي لحظة تشظٍّ واحتضان لأمكنة وأزمنة يحاول تجسيدها النصُّ في متاهاته المختلفة وبمنطقه وقيمه”.

          إن المجلة إذ تفيض في الاحتفاء بهذا التراث وأهميته تجاهلت أهم سمة نقدية وتنويرية ترتبط بالبعد الهُوياني الموغل في العنف، والتي تحول التراث بسببها إلى “جامد” لا يمكن تسييله ودراسته ونقده، وهو ما حدث فعلا بتنامي الأصوليات الدينية المحلية والإقليمية وتخشُّبها؛ فلم تستطع المجلة أن تخلق تيارا نقديا واضحا وفاعلا في المشهد الثقافي العماني بل انحازت الدولة إلى جانب المنع والمصادرة على الرغم من اعترافها بأن “نزعة الأصول الصارمة والقسرية بحرفيتها ونفيها لأي اجتهاد يخالف قولبتها للتراث والكتابة والحياة، تجسِّد القطب الآخر، والأكثر خطورة لحجب الجوانب المشرقة والخلاقة في هذا التراث؛ فإمّا يتم الانصياع لهذا المفهوم الذي يجمِّد التراث في الزمان الذي أنتج فيه، وإما يتهم صاحب الرأي الآخر “الحديث ربما” بالمروق والخروج عن جادة الصواب وفق التعبير المتبع: محاكمات ومفاهيم جاهزة سلفا يقذفها أصحابها بخفة على كل من يختلف في تناوله لمفهوم التراث وأشكال التعبيرالمختلفة، وكأنما هم الأوصياء المنزلون على البشر وقيمهم وتراثهم، وليس (أي التراث) ملك المجتمع بفئاته وأفراده ومثقفيه مع غض النظر عن الآراء والاجتهادات المطروحة لسجال الخطأ والصواب”؛ فهل تجاوزت “نزوى” هذه التخشبات واستطاعت أن تستجيب لفلسفتها في صناعة واقع تنويري وثقافي متميز أم أنها كانت مجرد شعارات لم تتحقق؟

  • أشارت الافتتاحية (فلسفة المجلة) إلى أزمة المناهج والأدوات في تناول التراث وقراءته؛ ذلك أنه لا يمكن تناول النتاجات القديمة خارج زمن الراهن؛ فقراءة التراث بمنطق التراث ضربٌ من المستحيلات أو الأوهام التي تعيشها الذات العربية؛ وإلا لم يكن تراثا بقدر ما هو راهن معيش لولا اختلاف الزمن وسيولته؛ فــ” المفاهيم الجاهزة التي لا تقبل الشك في شيء، ولا تقبل الحوار المعرفي أو لا تسعى إليه مكتفية بذاتها وبلاغها اليقيني الناجز عن قيم الأمة وبيان ماضيها ومستقبلها الأكيد هي التي تؤدي إلى ظلامية مفرطة في الثقافة والحياة”؛ فكيف تعاملت المجلة مع هذه الأزمة الفكرية التي تخترق فلسفة المناهج والأدوات وتتدخل في لغتها الواصفة بوصفها حقلا تداوليا محميا بموجب الحريات العامة؟

          أرى أن المجلة أوقعت نفسها في التناقض بين دعاوى التنوير والحداثة وجمود التقليدية المفرطة أحيانا؛ ولذلك لم تقاوم السائد واكتفت بالنهي عنه قلبا بأضعف الإيمان في المسكوت واللاوعي الثقافي دون مساءلته وتعكير صفو راحته المقدسة، فوظفت المجلة خانة التناقضات لاستثمار جانب غرائبي تأباه فلسفة التنوير والنقد والحداثة؛ فصنّفت المجلة التراث إلى طائفتين: “القديم المضيء”  والـ”باهت غير المضيء” وهذا ما يجعل أنماط التفكير السائدة بشأن تقديس التراث وإخفاء مثالبه وإشكالاته واستدعائه الدائم إلى الحياة اليومَ أنماطا نشطة غير قابلة للنقاش؛ مما جعل المجلة تتوسل خطابا دعويا في مجال النقد لا يخلو من احتفاء وتبشير، أو انعزالا نخبويا يظهر في إبداعات النصوص. مع اعترافها بإمكانية الوقوع في ذلك في الافتتاحية الأولى، ولعل أبلغ سؤال يجابه المجلة اليوم: بأي معيار يتم تصنيف التراث إلى طائفتيه ومن يمتلك سلطة التصنيف؟


[1] محمود أدهم، التعريف بالمجلة: ماهيتها. قصتها. مادتها. خصائصها، القاهرة: دار الثقافة للطباعة والنشر، 1985، ص. 14

[2] سايمون ديورنغ، الدراسات الثقافية: مقدمة نقدية، تر. ممدوح عمران، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2015، ص. 15- 16

[3] انظر سعيد الهاشمي، المواطنة المثلومة: محاول لفهم واقع المواطنة في بلدان الخليج، ضمن المواطنة في تيارات الخليج، تح. عمر الشهابي وخليل بوهزاع، بيروت: مركز دراسات الواحدة، 2019، ص. 25

Hits: 60

الثامن بعد المئة ثقافة وفكر

عن الكاتب

سعود الزدجالي

اترك تعليقاً