الثامن بعد المئة العدد الأخير ثقافة وفكر

الأسرة .. صانعة الحضارة وآخر حصونها

Avatar
Written by مصطفى شلش

ماذا حدث؟ كيف تحوّل المجتمع الذي أعلن ذات مرة الزواج والأسرة للجميع إلى مجتمع يتخلى فيه الرجال عن مسؤولياتهم الأسرية، وتختار النساء تربية أطفالهن بمفردهن، على الرغم من العواقب الاقتصادية؟ وماذا سيحدث بعد ذلك؟ هل يستمر تفكك تكوين الأسرة في الزحف إلى الأعلى حتى يتفكك المجتمع؟ هل يجب أن نحاول تقوية الأسرة التقليدية ذات الوالدين أم أننا نقبل المنازل الخاوية والأمومة العازبة “كنوع جديد من الأسرة” – وهو على ما يبدو يتطلب دعمًا أبديًا مِن الحكومات؟

هكذا تساءل الصحفي وليام تاكر في كتابه الصادر بالإنجليزية عام 2014 بعنوان: (Marriage and Civilization: How Monogamy Made Us Human) وبالطبع، فإن كل هذه الأسئلة تخفي قضايا ضخمة لم يتم حسم الجدل حولها، مثل: ما الأسرة البشرية؟ من أين وكيف تنشأ؟ هل هي ببساطة مؤسسة غريبة عتيقة الطراز يمكن التخلص منها بسهولة؟ لكن، أطروحة تاكر بسيطة وتتلخص في تقديم الدور الذي لعبه الزواج الأحادي (الزواج من امرأة واحدة) وتكوين الأسرة في تطور المجتمع وصنع الحضارة، ولهذا يحشد العديد من الأدلة البيولوجية والأنثروبولجية والتاريخية للتدليل على طرحه، خصوصًا أن “الأسرة الطبيعية” اليوم صار ينظر إليها ويتم تناولها بعدم راحة كبيرة مِن قبل الأجيال الجديدة.

الزواج المتعدد أم الزواج الأحادي

في الوقت الحاضر، يتكرّر الجدل مرارًا وتكرارًا بين فكرتين تقليديتين، الأولى: أن تفكك الأسرة هو ثورة مبررة ضد “النظام الأبوي” القمعي، والثانية: أن تفكك الأسرة والأمومة العازبة لا يمثلان سوى “نوع جديد من الأسرة”، لكن، يحاول تاكر وضع فكرة ثالثة مِن منظور مختلف تمامًا وهي تقييم الدور الذي لعبه الزواج الأحادي في تطور الإنسانية وبناء الحضارات. ولهذا السبب، يعود بالزمن إلى القرن التاسع عشر حيث المجتمع الفيكتوري –المستقر نسبيًا- الذي انتصر فيه الزواج الأحادي بفضل الوعي الديني عبر تقديم المسيحية كونها سفينة الإنسانية للنجاة من الطوفان الهمجي، وذلك بعدما أقرّت المسيحية زواجًا يكرّم عادات زوجية مختلفة تمامًا.[i]

في القرن التاسع عشر، لا شيء فتن علماء الأنثروبولوجيا أكثر من مسألة كيف ومتى تطوّرت الأسرة البشرية؟ منذ العصور القديمة، كان الزواج الأحادي القاعدة العامة للحضارات الغربية. ومع ذلك، كان الناس يعرفون دائمًا أن أنظمة التزاوج الأخرى ممكنة؛ حيث مارست الآلهة اليونانية زواجًا أحاديًا فضفاضًا إلى جانب الفوضى الجنسيّة. وأخذ العديد من البطاركة العبرانيين الأوائل زوجات متعددات، وذلك على الرغم مِن أن الزواج الأحادي قد تم تأسيسه في القوانين اليونانية والرومانية وعززته الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى، إلا أنّه من المعروف جيدًا أن الثقافات الأخرى – وأبرزها الإسلام في الشرق الأوسط – لم تعترف بذلك.

عشرات من علماء الأنثربولوجيا وعلم النفس ظنوا لعقود أن المجتمع البشري انتقل مِن تعدد الزوجات البدائي إلى الزواج الأحادي الحديث، كما ذكر عالم الأنثروبولوجيا روبرت بريفولت حتى عام 1927 في مجموعة من ثلاثة مجلدات تسمى الأمهات، كانت الأم والطفل هائمين في الطبيعة بينما كان الأب والأسر ذات الوالدين اختراعًا حديثًا للغاية، لكن لا يمكن الجزم بذلك.[ii]

كانت لتكهنات سبق الزواج المتعدد على الزواج الأحادي بعض الحقائق؛ غير أنه لا يمكن وصفها بالدقيقة. فقد كانت الدراسات دائمًا مهتمة بالمجتمعات القبلية المكتشفة في أفريقيا الاستوائية وغابات إندونيسيا وأمريكا الشمالية والجنوبية، وكلها تمارس “الزراعة”، باعتبارها أقدم المجتمعات البشرية. وفي عام 1983 صدر كتاب جامعة ييل لكلٍ مِن كارول ر. إمبر عن الارتباط بين تعدد الزوجات وعدم التوازن بين الذكور والإناث. وكتبوا: “يبدو أن الأدلة عبر الثقافات تتفق مع الفكرة القديمة القائلة بأن تعدد الزوجات قد يكون بشكل عام استجابة لنسبة جنس غير متوازنة لصالح الإناث”. فما الذي يخلق الخلل؟ “يبدو أن نسبة الجنس غير المتوازنة لصالح الإناث قد تنتج عن الحرب، التي تؤدي إلى ارتفاع معدل الوفيات بين الذكور”. وقاموا بتحليل البيانات بحثًا عن الارتباطات بين الحروب وتعدد الزوجات. من الناحية النظرية، صحيح أن الحرب تقتل الكثير من الرجال وتترك فائضًا من النساء. والطريقة الوحيدة لحل هذه الإشكالية هي السماح بتعدد الزوجات. لكن، لماذا تناسى الباحثون أن السببية قد تعمل في الاتجاه المعاكس. فالمجتمعات التي تتعدد فيها الزوجات تبدأ بالذهاب إلى الحرب على وجه الخصوص؛ لأنها خلقت اختلال التوازن بنفسها مِن خلال السماح لكل رجل بالزواج مِن نساء عدة. وهذا يخلق طلبًا على عدد أكبر من النساء لا يمكن حله إلا من خلال سرقة النساء من القبائل الأخرى. وهكذا يصبح أمر الحرب وتعدد الزوجات بحيث يعزز كل منهما الآخر. لكن، لم يلتفت العديد من علماء الأنثروبولوجيا لهذا الربط، على الرغم من الأدلة، كما يوضح تاكر.

تثبت دراسة الإنثربولوجي الأمريكي نابليون شاغنون عن اليانومامو، التي صدرت باسم (Yanomamo: The Fierce People- 1968) صحة فرضية تاكر[iii]، فعندما سأل شاغنون عن سبب الحرب الدائم بين قرى اليانومامو، أخبروه أنهم يسعون إلى أسر المزيد من النساء لتلبية رغبة تعدد الزوجات، واعتبر علماء الأنثربولوجيا شاغنون مخطئًا تمامًا، فاليانومامو  يعتقدون أنّهم يذهبون إلى الحرب من أجل البروتين. فعاد شاغنون وقام بإجراء دراسات غذائية ووجد أن اليانومامو لديهم الكثير من اللحوم، وأجسادهم لا ينقصها البروتين، فأطلع مرافقيه من اليانومامو على طرح زملائه فضحكوا، وقالوا له: “نحن نحب اللحم، لكننا نحب النساء أكثر”.

بدأ التحول في مسار الدراسات عندما اندفع الأنثربولوجيون إلى زوايا أبعد منسيّة في العالم، اكتشفوا أن القبائل المتبقية التي ما تزال تمارس الصيد والجمع مثل: البوشمان في صحراء كالاهاري، والأقزام في أواسط أفريقيا، والسكان الأصليين في أستراليا. كانت الصدمة مذهلة، كان الزواج أحاديًا.

لذا يستدل تاكر بما ورد في عدد يناير 2012 من المجلة العلمية ” المعاملات الفلسفية للجمعية الملكية” حيث نشر ثلاثة من الباحثين وهم: جوزيف هنريش من جامعة كولومبيا البريطانية، روبرت بويد من جامعة كاليفورنيا، وبيتر ريتشاردسون من جامعة كاليفورنيا في ديفيس دراسة بعنوان “لغز الزواج الأحادي” مُشيرين إلى:

أن 85% من التاريخ الأنثروبولوجي يشير إلى أن المجتمعات البشرية سمحت للرجال بأن يكون لديهم أكثر من زوجة واحدة (زواج متعدد)، وتشير كلّ من الاعتبارات التجريبية والتطورية إلى أن الاختلالات المُطلقة والكبيرة في الثروة تعزز فرضية الزواج المتعدد. ومع ذلك، انتشر الزواج الأحادي في جميع أنحاء أوروبا، ومؤخراً في جميع أنحاء العالم، حتى مع الاختلال المطلق في الثروة. هنا، نقوم بالعودة للفرضية القائلة بأن المعايير والمؤسسات التي مهدت الطريق الحديث للزواج الأحادي قد تم تفضيلها بواسطة التطور الثقافي وذلك بسبب آثاره المفيدة، حيث صنع الزواج الأحادي شكلاً من أشكال المساواة، وربما ساعد في تهيئة الظروف لظهور الديمقراطية والمساواة السياسية على جميع مستويات السلطة. وداخل التاريخ الأنثروبولوجي نجد أن هناك ارتباطًا إحصائيًا بين المؤسسات الديمقراطية والزواج في اليونان القديمة، لا نعرف أيهما جاء أولاً ولكننا نعلم أن أثينا، على سبيل المثال، كان لديها عناصر الزواج الأحادي والديمقراطية، وبهذا المعنى قد يساعد تاريخ منظومة الزواج الأحادي على تفسير سبب ظهور المثل الديمقراطية ومفاهيم المساواة وحقوق الإنسان لأول مرة في الغرب.[iv]

وبأي حال مِن الأحوال انتصر الزواج الأحادي على تعدد الزوجات، كما يشير تاكر.

انتصار الزواج

نعود مرة أخرى للعصر الفيكتوري حيث أصبح الزواج الأحادي المدعوم بأخلاق الطبقة الوسطى هو حجر الزاوية للازدهار غير المسبوق والاستقرار الاجتماعي في القرن التاسع عشر. لم تكن هناك حروب كبرى بين نهاية العصر النابليوني في عام 1815 واندلاع الحرب العالمية الأولى في عام 1914. وخلال ذلك الوقت ازدهرت معظم أوروبا – وخاصة بريطانيا العظمى – بطريقة لم تكن ممكنة على الإطلاق.

صحيح لا يمكن إنكار فقر عمال المصانع، ومحنة الأيتام، وتدهور أحوال الفتيات اللواتي أجبرن على ممارسة البغاء. لكن المثالية بقيت. لم يعد العالم منقسماً إلى نبلاء يرثون الثروة والامتياز وفلاحين لم يكن لديهم آمال في النهوض. كانت قيم الطبقة الوسطى، والشعور بالاحترام الذي تنامى، كان الصعود الطبقي في متناول الجميع، وكان المكون الأساسي لاحترام الطبقة الوسطى هو الزواج الآمن والحياة الأسرية.

عرفت هذه الحقبة حماية القانون والعُرف للزواج الأحادي. ففي البلدان الكاثوليكية كان يجب أن تقر الكنيسة الزواج، وكان الطلاق شبه مستحيل. وفي البلدان البروتستانتية، كان الطلاق أكثر شيوعًا ولكنه كان يعتبر عارا. إلا أن إلزام الأب “الرجل” بالحضانة ودفع نفقات إعاشة كاملة للأسرة “الأم والأطفال” جعلت من الطلاق ليس الخيار الأسهل لحل المشكلات.[v]

بريطانيا ومعظم أوروبا، ناهيك عن الولايات المتحدة كانوا قادرين على الوصول إلى مستويات الرخاء التي لم تتحقق من قبل في التاريخ، جاء ذلك من خلال الثورة الصناعية التي أنتجت المحرك البخاري، والسكك الحديدية، والكهرباء، وكل التقدم الذي تلاه فجأة من الاكتشافات العلمية وحركة الاستعمار ومن قبلها تجارة الرقيق، لا يمكن نكران ذلك، لكن كان في هذه المجتمعات وحدة صلبة، وهي الأسرة المكتفية ذاتيًا، التي أصبحت هي جوهر الفعل الاقتصادي للمجتمع. عرفت كلٌّ مِن بريطانيا والولايات المتحدة وأوروبا الغربية نظامًا تعاونيًا بين العائلات والحكومات للوقوف على ما الذي يجب توفيره أولًا مِن الضروريات الأساسية. كان الهدف ينمو في الغرب نحو الاكتفاء الذاتي على كل الأصعدة، وأهمها على الصعيد الأسري، فقد كان الإشباع العاطفي والمادي للأسر هو الهدف الأسمى لحركة السياسة المجتمعيّة. 

لم يكن الأمر سهلًا كما يتم التعبير عنه أو ورديًّا، فقد شهد القرن التاسع عشر، كتاب توماس مالتوس الشهير “السكان” الذي افترض فيه أن الكتلة البشرية محكوم عليها بالفقر الأبدي نتيجة الزيادة السكانية غير المحسوبة. وتم التطرق إلى موضوع تحديد النسل من حين إلى آخر؛ ولكن سرعان ما رفضته الكنيسة وثبت أنه لا يمكن أن تكون هناك قيود عملية على الإنجاب. لذلك أصبحت الاستراتيجية الرئيسة للسيطرة على النمو السكاني هي “تنظيم الزواج”. اجتمعت الحكومات والسلطات الكنسية لفرض مبدأ أن الولادة يجب أن تحدث فقط داخل الزواج، وأن الزواج لا يجب أن يتم حتى يتمكن الزوجان من إعالة نفسهما. في النمسا مثلًا، كان على الأزواج الحصول على إذن من الدولة قبل الزواج، وتم إلزام معظم ضباط الجيش بعدم الزواج حتى الوصول إلى رتبة نقيب.

من المؤكد أن هذه المعايير قد انتهكت في كثير مِن الأحيان، كما يشير تاكر، كما أنه يشير إلى دراسة جيرترود هيميلفارب عن القيم الفيكتورية، التي أدت في منتصف القرن التاسع عشر إلى خفض معدل المواليد خارج إطار الزواج من 7% إلى 4%، كما تم تسجيل  40% – 50% من حالات لتوثيق زواج كانت المرأة حينها حاملا، وهذا يعني إلزام الرجال بتحمّل مسؤولياتهم الأسرية وتربية الأطفال ودفع النفقات، وكل هذا لم يكن له سوى هدف الوصول إلى أسرة مستقرّة، لخلق مجتمعٍ صحيٍّ.

ساهم مزيج الأخلاق الصارمة وتكوين الأسرة في الاستفادة من زيادة الازدهار. وتضاعف عدد سكان إنجلترا بين عامي 1840 و 1900، لكن مستويات المعيشة ارتفعت بشكل كبير – وهو الأمر الذي بدا مستحيلًا قبل مائة عام من التاريخ نفسه. وانخفضت معدّلات الوفيات، وتم تجنب فخ مالتوس عن فقر الأمة المُدقع.

سرعان ما أدركت الرأسمالية التي بدأت تتوحش بأن الرجال بوصفهم عمالًا يمكن استبدالهم بالنساء والأطفال، أو الزج بالأسرة كلّها في دائرة العمل من أجل توسيعها، علاوة على ذلك يمكن دفع أجور أقل للجميع. كما يمكن للنساء غير المدرَّبات القيام بمهام كان يقوم بها في السابق الحرفيون المهرة. وفي المناجم يمكن للأطفال الدخول في مهاويَ صغيرة لا يمكن للبالغين العبور منها. في ظل هذا النظام أصبح الأطفال مصدرًا رئيسًا للدخل مع إمكانية طرد والديهم مِن العمل. أصبح المنطق القاسي لهذا النظام تهديدًا كبيرًا للأسرة.

كان الرد سلسلة من الإصلاحات التي حاولت الحد من دور النساء والأطفال في مكان العمل. فقد كانت المصانع الإنجليزية في المتوسط تتكون مِن 1802 طفل، يعملون 12 ساعة في اليوم. وفي عام 1810، بدأ المصلح روبرت أوين حملة تحت شعار “ثماني ساعات”: “ثماني ساعات للعمل، ثماني ساعات للترفيه، وثماني ساعات من للراحة”. كان ذلك يستغرق وقتًا طويلاً قبل أن يتحقق ذلك، ولكن تم منح النساء والأطفال في بريطانيا يوم عمل لا يزيد عن عشر ساعات. وفي عام 1847 فاز جميع العمال الفرنسيين بقاعدة اثنتي عشرة ساعة بعد ثورة 1848![vi]

 وفي الولايات المتحدة، اعتمدت ولاية أوهايو أول قانون يحدد ساعات عمل النساء والأطفال في عام 1852. ثم في عام 1912 اعتمدت ولاية ماساتشوستس أول قوانين للحد الأدنى للأجور ينطبق فقط على النساء والأطفال. ألغت المحكمة العليا الأمريكية باستمرار هذا القانون بحجة أن النساء والأطفال يجب أن يكونوا أحرارًا في التعاقدات! حتى عام 1938 أقر الكونغرس أخيرًا قانون الحد الأدنى للأجور الذي حصل على موافقة المحكمة العليا.[vii]

شهدت بدايات القرن العشرين ذروة حركة الأجور للأسر، وذلك بقيادة تحالف الكنيسة الكاثوليكية، والنقابات العمالية، وحركة الرعاية الاجتماعية، والأحزاب السياسية الاشتراكية. كان المبدأ الأساسي هو أن رب الأسرة يجب أن يكون قادرًا على الحصول على “أجر كافٍ” من شأنه أن يعيل أسرته دون أن تضطر زوجته وأطفاله إلى العمل. وعام 1906 كتب جون أ. رايان، وهو مصلح كاثوليكي أمريكي عن أجور المعيشة الكافية: “إن رفاهية الأسرة بأكملها ورفاهية المجتمع أيضًا تجعل من الضروري ألا تشارك الزوجة في أي عمل…”[viii]

في كل من إنجلترا والولايات المتحدة حتى منتصف القرن العشرين؛ ظلت الأخلاق الفيكتورية محك الحياة الأسرية، حتى بدأت سلسلة من القوانين المجحفة تقوّض معظم الهيكل القانوني الذي دعم الأسرة. وبدأت العملية في وقت مبكر من القرن العشرين مع التحول التدريجي إلى حضانة الأم، الأمر الذي جعل الطلاق أسهل بكثير للرجال. وجعل الرجل في حِل من تحمل مسؤولية تربية الأبناء مقابل حفنة من المال للزوجة، جاء التعديل ليفقد الأسرة مصدر دخل أكبر، ويزيد من الأمومة العازبة، ومع فقدان اللوم ضد عملية الإنجاب خارج منظومة الزواج تم تعبيد مسار التخلي عن الالتزام الأخلاقي وهدم الأسرة، ودون أن يتساءل أحد هل هذه القفزات التحررية ستخلق سكانًا أكثر سعادة أم أننا نهدم فقط الأساس الذي بني عليه تاريخ أغلب المجتمعات.

تفكك الأسرة 

اليوم، إن “الأسرة” بوصفها مثلا أعلى وطريقا يمهّد للطبقة الوسطى الترقيَ الاجتماعي والرفاه صار يتمرد عليه الجميع تقريبًا، الجميع قد يمارس الجنس لعقود مع شريك واحد ولكنه لا يريد أن يقوم بالزواج وتكوين أسرة فقط لأنهما قرّرا عدم الاستسلام للقيم البالية، إنه شغف التمرّد على “المؤسّسة”، ولكن التمرّد غالبًا ما يرتبط بفعل لا يمكن لكل الناس القيام به، في حين أنّ الزواج أو عدمه أمر في متناول الجميع، ولا يعني التمرد هنا شيئا يماثل من يحب وجبة بيتزا ومن لا يحبها، لا مجال ولا قيمة هنا للتمرّد. 

لأسباب اقتصاديّة واجتماعيّة عدة تم تخريب الأسرة، ولكن بقي الإطار الأخلاقي الذي ندور في فلكه الآن محاكاة لهذه المنظومة، لنتساءل كيف انتقلت فكرة الزواج وتكوين عائلة من والدين من كونها مثالية يمكن أن يطمح إليها الجميع إلى قصة خياليّة؟ أول شيء يجب أخذه في الاعتبار كما أوضحنا سلفًا هو أن الزواج الأحادي هو قبل كل شيء “بناء ثقافي”. إنه نظام مصطنع تفرضه المجتمعات البشرية على نفسها من أجل خلق بيئة اجتماعية بناءة أكثر. وصحيح أن الزواج الأحادي لا يرضي الرغبات الفردية لكل فرد، لكن، في أكثر الحالات يفي بالغرض، ويعمل آليا بوصفه قانونًا أخلاقيًّا صارمًا ضد كل أشكال الانحراف والتهرّب من المسؤولية وظلم الآخر، وجعل طرف يحمل مسؤوليات أكثر من اللازم.

في عام 2013، يشير تاكر لدراسة أصدرتها مؤسسة Pew  أن 40% من نساء المجتمع الأمريكي صاروا المعيل الرئيس لأسرهنّ. قد نحتفل بأن هذا نصر للمرأة في سوق العمل، ولكن لو قرأنا من زاوية أخرى هذه النسبة وأعدنا تقسيمها مئويًا، سنجد أن 15% منهن متزوجات وإنتاجهنّ أعلى من أزواجهن -لا عيب في هذا، ولكن لنضع احتمالية تكاسل الزوج واتكاله على زوجته لكي تلبي مطالب المعيشة-، 56% منهن مطلقات ويعلن أطفالهن، 44% لم يتزوجن ويُعلن أحيانًا أطفالا من علاقات خارج إطار الزواج. مع العلم أن متوسط دخل الأسرة الطبيعية في المجتمع الأمريكي حوالي  80 ألف دولار سنويًا؛ بينما الأسر التي تكون فيها المرأة هي المعيل الرئيس لا يتجاوز دخلها متوسط 23 ألف دولار سنويًا، الأمر ليس مسألة حقوق بقدر ما هي أن الرجال يتخلون عن مسؤولياتهم، والمرأة يُدفع بها أو تندفع واعية للمسؤولية، وبالطبع لا ندعو لعمل أحد دون الآخر فقط، ندعو لتوازن الكفتين؛ لأن استمرار الوضع هكذا يؤدي في كل الأحوال إلى تفكّك الأسر، واختلالات طبقية صارخة. وتقريبًا لا نحتاج الإشارة إلى المراة المعيلة في الوطن العربي؛ لأن النسب تتراوح بين 30-40%أيضًا، والكارثة هي على مستوى الأسر واحدة تقريبًا.

ولكن هناك شيء آخر يحدث أيضًا، وهذه المرة على مستوى الخطاب المُتحدي؛ سواء النسوي (نساء ورجال) أو التقدميّ (نساء ورجال)، ونبدأ بالأخير ، أحيانًا نجد تقدميا له شروطٌ، من لا ينفذها يصبح غير  متحضر، مثل ممارسة الجنس أو التلامس أو حتى شرب الخمور والسجائر والمخدرات أو حتّى المصافحة أو حتى عدم تفضيل النقاش في بعض المواضيع، كما تحدثت النسوية غلوريا ستاينم ذات مرة بلباقة شديدة عن قدرة المرأة عن الاستغناء التام عن الرجل، وقالت ببلاغة رائعة: “المرأة بدون رجل تشبه سمكة بدون دراجة هوائية” صحيح أنه يمكن للمرأة أن تعيش بدون أي حاجة للرجل، وكذلك الرجل بدون أي حاجة للمرأة، وفرض العديد من الشروط ووضع التابوهات لتكسيرها، ولكن، هذا على مستوى المقتدرين، وأصحاب الإمكانيات للوصول لأكبر قدر ممكن من الخدمات والرفاه. فهل هذا متاح للنساء والرجال في الريف أو البادية العربية؟ الإجابة قطعًا لا، وليس متاحًا حتى لأكثر الطبقات الاجتماعية الغربية، فالضغط الرأسمالي ومطالب الحياة من تعليم وصحة وسكن وحاجة للخروج من كنف الاسرة التقليدي والاستقلال والسفر وقرار مشاركة الآخرين والعلاقات الجنسية…إلخ، كل هذا لا يمكن أن يقوم به رجل أو امرأة من مستوى عادي، فالحياة لا تُعطي شيئا مجانًا، فقط أصحاب رأس المال المادي كرجال الأعمال والمديرين، ورأس المال الاجتماعي كالنشطاء والكُتاب والمؤثرين هم القادرون على شراء شقق بديلة لعلاقات عابرة، ووضع شروط وإملاءات على أي علاقة، والحصول على حب مفرط من معجبين أو متملقين، والسفر من لاس فيغاس إلى هونغ كونغ للحديث عن ظروف المرأة الصعب في العالم الثالث. وباختصار، كان التنظير غير المسؤول وغير المُراعي للأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والنفسية وحتى الدينية سبب في شعور المرء بغبن يؤدي إلى تدمير الذات عكس المتوهمين أنهم يقدمون نصائح قيمة للشباب لتحقيق حريتهم، فتقطيع الأسرة وهدمها ليس بالضرورة هو المسار السليم للحياة.

النهاية

يقول تاكر: تولد الحضارات عندما يثق شخصان في بعضهما بعضا، رجل وامرأة. في تلك اللحظة، تخرج النفس من العزلة الباردة للطبيعة، ونبدأ في بناء شيء نسميه المجتمع البشري. ويحدث ذلك مرارًا وتكرارًا، كل يوم، كل عام، كل قرن لملايين لا تعد ولا تحصى في جميع أنحاء العالم وعبر امتداد التاريخ البشري.

لا داعي للخوف من أن الأولاد سيهتمون دائمًا بالفتيات، والفتيات مهتمات دائمًا بالأولاد. سيقع الشباب دائمًا في الحب، مرارًا وتكرارًا، ويتجدد معهما العالم مرة أخرى. العالم معمر كالعشب. علينا فقط التأكد من الظروف الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي تجعل هناك فرصة معقولة لوجود فتاة لكل صبي، وصبي لكل فتاة حتى يتمكنوا مرة أخرى مِن تشكيل أسرة بشرية. عندها فقط يمكننا أن نتأكد من أننا نعيش في مجتمع مسالم ومزدهر.

وأذكر أن الزواج الأحادي، وتكوين أسرة ليس قدرا ولا طبيعة، ولهذا هو أمر يمكن الجدل حوله، سلبًا وإيجابًا، مع الإقرار أن الزواج الأحادي هو المغامرة الأكثر إثارة التي يقوم بها أي شخص على الإطلاق – هذا اللقاء الخطير مع شخص يشبهك كثيرًا، لكنك مختلف تمامًا، النصف الآخر من إنسانيتك، الذي بدونه لست إنسانًا كاملًا. لا يعتمد على الجنس، وهذا أمر سهل، ولكن على مسؤولية الوقوع في الحب، واحترام هذا الحب، وتقديس بناء علاقة متوهمة سعيدة مدى الحياة. 

ومن المؤكد أنه كانت هناك طلاق وحالات خيانة لا تعد ولا تحصى ولا مفر منها، وأزواج غير راضين، وزوجات محبطات، وخمور ومخدرات وأدوية جنسية تفسد الحياة الثنائية، وأمهات عانوا من انهيار عصبي، وأطفال نشأوا خائفين ومحطمين في كنف الأسرة. وهذه يمكن أن نعرفها حسب تاكر بـ “تقلبات الحياة”. وكما كتب تولستوي قبل عقود: “لكل أسرة طريقتها الخاصة سواء كانت سعيدة أو غير سعيدة.”.


[i] Marriage and Civilization: How Monogamy Made Us Human

[ii] Marriage and Civilization: How Monogamy Made Us Human

[iii] Marriage and Civilization: How Monogamy Made Us Human

[iv] Marriage and Civilization: How Monogamy Made Us Human

[v] Marriage and Civilization: How Monogamy Made Us Human

[vi] Marriage and Civilization: How Monogamy Made Us Human

[vii] Marriage and Civilization: How Monogamy Made Us Human

[viii] Marriage and Civilization: How Monogamy Made Us Human

عن الكاتب

Avatar

مصطفى شلش

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.