التاسع بعد المئة العدد الأخير سياسة

بعد “نكبة الضم”.. ما مصير الدولة الفلسطينية؟

في يونيو/حزيران من عام 1967 سيطر الاحتلال الإسرائيلي على ما تبقى من أرض فلسطين التي لم يسيطر عليها في نكبة 1948، فبعد ستة أيام من حرب 67 المعروفة بـ(النكسة) أحكم الاحتلال على شبه صحراء سيناء المصرية _انسحب منها عام 1979م _ وهضبة الجولان السورية فضلا عن الضفة الغربية وقطاع غزة.

ومنذ ذلك الوقت؛ انطلق ماراثون الاستيطان الإسرائيلي في أراضي الضفة الغربية التي تشكل 21% من مساحة فلسطين التاريخية، عبر السيطرة بالقوة على أرض المواطنين وبناء المستوطنات واستجلاب المستوطنين، سعياً لتغيير التركيب الديموغرافي لصالح الإسرائيليين على حساب أصحاب الأرض الفلسطينيين.

نتيجة الماراثون الاستيطاني كانت _وفقاً لأحدث الإحصائيات _ 503 مستوطنات منها 474 مستوطنة في الضفة و29 مستوطنة في القدس المحتلتين، يقطنها قرابة 750 ألف مستوطناً.

ذلك التوسع الاستيطاني الذي تفشى بأرض الضفة طوال الخمسة العقود الماضية، توِّج مؤخراً بالشرعنة الأمريكية له عندما اعترفت بقانونية المستوطنات المقامة على أرض الضفة وبأنها “لا تخالف القانون الدولي”، والذي تبعه إعلان الاحتلال نيته ضم غالبية مستوطنات الضفة والمناطق التي يسيطر عليها لسيادته كجزء لا يتجزأ من دولة (إسرائيل).

وبينما تبلغ مساحة الضفة 5844 كم2 بما فيها شرقي القدس المحتلة، فإن مساحة البناء للمستوطنات القائمة تبلغ 196 كم2، ومساحة البناء والتوسع الاستيطاني المستقبلي المتوقع يزيد عن 540 كم2، في حين أن مساحة الأراضي التي استولى الاحتلال عليها وما تزال فارغة حول المستوطنات تصل لـ 343 كم2.

وللوهلة الأولى تبدو مساحة البناء الاستيطاني الفعلي ضئيلة وفق تلك الأرقام، إلا أن معاناة الفلسطينيين الأكبر تكمن في التعامل مع الفضاء الاستيطاني، حيث تسيطر المستوطنات على 11% من أراضي الضفة، في حين تصنف 18.5% من أراضيها كمناطق عسكرية يمنع على الفلسطينيين استعمالها، ويعزل جدار الفصل العنصري _بدأ الاحتلال بناءه عام 2002م_ 12٪ من المساحة الإجمالية أيضاً.

ويعد الاحتلال أن 61% من مساحة الضفة التي صنفتها اتفاقية أوسلو بمناطق (ج) وتخضع إدارياً وعسكرياً للاحتلال، على أنها جزء من هذا الفضاء فلجأت (إسرائيل) إلى وضع يدها على مساحات جغرافية واسعة في الضفة للحد من التمدد العمراني الفلسطيني، وللسيطرة على المناطق ذات الأهمية العسكرية كالتلال والمرتفعات والممرات الحاكمة، وللاستيلاء على الموارد الطبيعية كالمياه.

فرصة نادرة

“نكبة الضم” أو خطة الضم لا تتوقف عند الكتل الاستيطانية بالضفة الغربية، بل تطال أيضاً السيطرة الكاملة على الأغوار الفلسطينية، التي تشكل ربع مساحة الضفة وتمتد على مساحة 720 ألف دونم ويعيش فيها نحو 57 ألف فلسطيني.

وللأغوار، التي تسمى (جنة أو سلة فلسطين) أهمية عظيمة تكمن في كونها منطقة طبيعية دافئة يمكن استغلالها للزراعة طوال العام وتتربع فوق أهم حوض مائي في فلسطين وتنتج 50% من إجمالي المساحات الزراعية في الضفة، ومن أجل تلك الخصائص الحيوية وضع الاحتلال الأغوار في بؤرة استهدافه الاستيطاني الممنهج.

ويسيطر الاحتلال على أكثر من 88% من مساحة الأغوار، فعلى أرضيها أقام الاحتلال 90 موقعاً عسكرياً، بالإضافة لــ 36 مستوطنة أغلبها زراعية، وقد هجر الاحتلال ما يزيد عن 50 ألفًا من سكان الأغوار منذ عام 1967؛ بالإضافة إلى تجمعات سكانية كاملة بحجة إقامتهم في مناطق عسكرية.

ويرى رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو في الأجواء العالمية والإقليمية الحالية “فرصة تاريخية نادرة لضم الضفة الغربية لم تحدث من قبل منذ قيام إسرائيل عام 1948″، مشيراً إلى أن خطوات فرض السيادة على مستوطنات الضفة الغربية ومناطق الأغوار ستبدأ فعلياً في الأول من شهر يوليو/تموز المقبل.

والدوافع التي جعلت نتنياهو يصف الوضع الحالي بـ”الفرصة التاريخية”، ترتبط بانشغال العالم بوباء كورونا، وأيضا الولايات المتحدة مقبلة على انتخابات رئاسية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، والرئيس دونالد ترامب يبحث عن الفوز فيها، ولكي يتحقق هدفه فإن ترامب بعد “صفقة القرن” يراهن على دعم اللوبي اليهودي، ولذلك حظيت “خطة الضم” بدعم ومباركة من الإدارة الأمريكية مما يعزز من احتمالية نجاح الفرصة التاريخية التي تحدث عنها نتنياهو.

وتشمل الفرصة التردد الأوروبي الذي لا يغادر مربع تصريحات إعلامية وبيانات “لإبراء الذمة” في أفضل الأحوال خاصة في ظل عدم الإجماع على إمكانية فرض عقوبات رادعة على (إسرائيل) إن نفذت خطة الضم، وكذلك الفرصة سانحة لنتنياهو فلسطينياً فاستمرار الانقسام الداخلي وتمسك قيادة السلطة بمنهجها دون تغيير استراتيجي يتوافق مع خطوة المرحلة.

تساؤلات؟

وأمام تلك الأرقام والوقائع الكارثية على الأرض والوجود الفلسطيني، تُطرح تساؤلات عدة أبرزها، ما الخيارات الفلسطينية للتعامل مع الخطة الإسرائيلية الجديدة التي لا تقل كارثية عن نكبة 48 ونكسة 67، وما النتائج المترتبة؟، ثم ما مصير الدولة الفلسطينية التي ناضلت وفاوضت منظمة التحرير والسلطة عليها طوال 25 عاماً؟

الخيارات الفلسطينية تبدو محصورة في ثلاثة احتمالات:

  1. عقد اجتماع عام للقيادة الفلسطينية ينتهي بالإعلان عن تجميد الاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال دون تأثيرات جدية على الأرض، كما جرت العادة.
  2. تنظيم سلسلة فعاليات في إطار المقاومة الشعبية تحت سيطرة السلطة، من دون أن تصل تلك الاحتجاجات إلى انتفاضة شاملة تعم مختلف الأراضي الفلسطينية على غرار انتفاضة الأقصى 2000م.
  3. إعطاء الضوء الأخضر لإطلاق انتفاضة جديدة تجمع بين مختلف أشكال المقاومة الشعبية والمسلحة، وهو خيار مستبعد قياساً على كيفية تعامل القيادة مع قضايا مشابهة لخطة الضم، كالاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال ثم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وصولاً إلى الإعلان عن صفقة القرن والاعتراف الأمريكي بشرعية المستوطنات، حيث كانت ردود الأفعال محصورة في الخيارين الأول والثاني.

ومن المحتمل أن يترتب على تنفيذ خطة الضم جملة نتائج، أبرزها، القضاء نهائياً على حل الدولتين وفقًا لقرارات الشرعية الدولية، وقتل الطموح الفلسطيني بإقامة دولة مستقلة ذات سيادة على حدود 67 عاصمتها القدس، خاصة في ظل حديث السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة رون ديرمر أن “الضم سيحطم وهم الدولتين”

والنتيجة الثانية أن مارثون الاستيطان الإسرائيلي سينتقل إلى مناطق فلسطينية أخرى وتحديداً في وسط الضفة وجنوبها في مدينة الخليل، حينها سينتظر الشعب الفلسطيني (خطة ضم 2) تلتهم ما تبقى من الأرض ثم سيعيش في معازل متباعدة كالتي كانت في جنوب أفريقيا.

رئيس دائرة شؤون المفاوضات بمنظمة التحرير الفلسطينية، علق بالقول “نحن نقف اليوم على أبواب المنعطف المصيري الثالث في مسار المشروع الصهيوني الهادف إلى إقامة إسرائيل الكبرى على أرض فلسطين التاريخية”.

يضيف عريقات “الأول كان وعد بلفور، والثاني النكبة وقيام دولة إسرائيل وما تبعها من نكبات متواصلة، والضم الذي تخطط لإنجازه حكومة الاحتلال ليس مجرد إجراء جديد في سلسة التوسع الاستيطاني الاستعماري المتواصل منذ بدء الاحتلال، بل هو الخطوة الرئيسة المتوّجة لهذا المشروع، وينبغي أن يتم التعامل معه على هذا الأساس”.

وختاما يمكن القول إن الاحتلال يسارع الزمن في تحويل الكتل الاستيطانية إلى مدن وبلدات إسرائيلية ذات سيادة كجزء من دولته، الأمر الذي يفرض أمرا واقعاً جديدًا على الفلسطينيين يضاف لسجل الاضطهاد والقهر الذي تمارسه العنصرية الإسرائيلية، ويفرض التفكير في أساليب جديدة للمقاومة ومواجهة الاحتلال وسياساته التي تستهدف كل ما هو فلسطيني.

عن الكاتب

Avatar

عبد الرحمن محمود

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.