التاسع بعد المئة العدد الأخير سياسة

“الاقتصاد السياسي للسيادة الغذائية في الدول العربية” ١/٢

Avatar
Written by نبال خماش

وهشاشة التجارب الخليجية في معالجة الأزمة.

   يعتبر هذا الكتاب، لمؤلفته جين هاريغان – أستاذة الاقتصاد في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية بجامعة لندن-  من المعتمدات الأكاديمية والبحثية الموثوقة، التي يستدل كثير من الباحثين والمتخصصين على التقييمات والاستنتاجات، إضافة إلى المقترحات المتضمنة بين صفحاته. إنه وبخلاف كثير من الإصدارات المحلية/الإقليمية التي تتناول موضوعا شديد الأهمية مثل موضوع الأمن الغذائي، وفق تقييمات لحظية ومجتزأة، وتخضع بالضرورة لعملية ” تسييس” ومراجعة، فيما ينبغي أن يعلن وما ينبغي إخفاؤه،  والاستثمار في هذا التسييس وتضخيمه على المستوى الدعائي… بخلاف ذلك كله، فإن من أهم مزايا الكتاب، هذه الجرعة العالية من الصراحة والمباشرة في الطرح، وكافة الاستنتاجات والتحليلات التي توصل إليها تعتمد على  مؤشرات وإحصائيات بيانية، جزئية وكلية. وغالبية هذه المؤشرات إما أن تكون صادرة عن منظمات عالمية باتت المؤشرات الصادرة عنها واحدة من أدوات القياس للعديد من المواضيع وعلى مستوى عالمي، وإما بالاعتماد على تقارير لجان بحثية استقصائية، إضافة إلى قائمة طويلة من المراجع والأبحاث المتخصصة في الاقتصاد السياسي والأمن الغذائي تقارب ثلاثمائة. والكتاب بنسخته العربية صادر عن المجلس لوطني للثقافة والفنون في الكويت، ويحمل الرقم التسلسلي “465” ضمن سلسلة “عالم المعرفة”، وصدر في عام 2018، ويقع في 348 صفحة.

   ورغم أن الكتاب صادر، بنسخته العربية في عام 2018، إلا أن الجداول والبيانات التي تضمنها قديمة نوعا ما، ولم تتجاوز تفاصيلها نتائج ومؤشرات عام 2013. وبالنظر إلى أهمية، وخطورة الاستنتاجات التي خرجت بها مؤلفة الكتاب، فإن هذا الملخص/العرض للكتاب، تبنى تحديث بياناته والإحصائيات الواردة فيه، والاعتماد، بقدر ما وسع الجهد، على ذات المصادر الإحصائية، وصولا إلى الحالة الكاشفة لهشاشة الأمن الغذائي مع اجتياح وباء كورونا العالم. 

   الكتاب مقسّم في عناوينه الرئيسة إلى ثمانية فصول متنوعة، غير أن هذا التعدد بقي محصورا في معالجة ثلاث ظواهر: أزمة الغذاء العالمية التي برزت في الفترة 2007-2008، الربيع العربي 2010-2011، والظاهرة الثالثة هي الخاصة بمبادرة عدد من الدول، “دول خليجية على وجه التحديد” التي تعاني قلة في مصادر الغذاء، إلى سد احتياجاتها من خلال ما أطلق عليه الكتاب “الاستحواذ” وتملك أراض تابعة لدول أجنبية لسد الاحتياجات الغذائية للدولة المستثمرة الغذائية. ومنذ بداية التناول البحثي تعتمد المؤلفة تعريفا محددا لمفهوم السيادة الغذائية باعتباره، “حق الشعوب في غذاء صحي وملائم ثقافيا، ينتج من خلال أساليب صحيحة ومستدامة بيئيا، وحقها في تحديد نظمها الغذائية والزراعية”. وفي تشخيص استباقي تقدمه المؤلفة حول السياسات الغذائية في عموم المنطقة العربية، والخليجية تحديدا، نظرا لحجم الإنفاق المالي الذي بذلته في هذا المجال، فإن التقييم الأولي لهذه السياسات كان “سيئا”، لتبقى هذه الدول من أكثر دول المناطق اعتمادا على الواردات الغذائية من أنحاء مختلفة في العالم، وهذا الواقع كان له انعكاساته على السياسات المحلية، من خلال العلاقة الطردية بين ارتفاع أسعار الغذاء عالميا والموجات الاحتجاجية التي تعرضت لها المنطقة. 

   الاستدلال الكاشف على حالة قصور الأمن الغذائي، في الدول العربية، وموقعها المتأخر على الصعيد العالمي، لدرجة أن هذه الدول باتت تعامل باعتبارها الأكثر قصورا في هذا المجال، هو حجم الواردات العربية من سلعة الحبوب على اختلاف أنواعها، وتحديدا القمح. واستنادا إلى إحصائية منظمة الأغذية والزراعة العالمية “الفاو” عام 2010 فقد بلغ صافي واردات العالم العربي من الحبوب 66 مليون طن، مقارنة بـ 63 مليون واردات قارة آسيا بما فيها الصين. وأظهر مؤشر آخر للمنظمة ذاتها، أن غالبية الدول العربية مدرجة ضمن أكثر 30 دولة مستوردة للحبوب بالنسبة لحصة الفرد في العالم. وتصدرت العربية السعودية رأس القائمة، بواقع 150,96 دولار للفرد، تليها مباشرة الكويت ” 135,84 دولار للفرد” وتأتي قطر في المرتبة السادسة، بواقع “122,39 للفرد” وجاءت الإمارات العربية في الترتيب الحادي عشر “94,99 للفرد”، ثم سلطة عمان وترتيبها خامس عشر “90,00 دولارا للفرد” وأخيرا البحرين في الترتيب 18 وبواقع ” 82,55 دولار للفرد”.  

      المعطيات الإحصائية في السنوات اللاحقة، غير مذكورة في الكتاب، تشير إلى تفاقم حالة العجز الغذائي في المنطقة العربية عموما، بما فيها دول الخليج العربي، فأظهرت إحصائية عام 2014 أن سكان العالم العربي، الذين يشكلون خمسة بالمئة من سكان العالم يستهلكون 20% من صادرات الحبوب، وتصدرت السعودية القائمة حيث بلغ استيرادها 500 ألف طن، تليها الكويت بواقع 56 ألف طن، قطر 30 ألف طن، عُمان 2,2 ألف طن. وفي الأعوام اللاحقة حققت أرقام استيراد الحبوب على وجه الخصوص قفزات مذهلة، ووفق بيانات رسمية صادرة عن الدول العربية ذاتها، بلغت واردات عُمان من الحبوب ومستحضرات الحبوب عام 2015 مليونا وربع مليون طن. وواصلت السعودية احتفاظها بمركز متقدم على الصعيد العالمي في قائمة الأكثر استيرادا للحبوب، ليبلغ حجم استيرادها 3,2 مليون طن عام 2019، فيما بلغ مجموع استيراد الإمارات من هذه المادة 1,8 مليون طن. 

   وبالعودة إلى مضمون الكتاب، ولتوضيح أكثر لفكرة أن المنطقة العربية غدت بؤرة جيوسياسية من بؤر العجز الغذائي المتفاقم، تشير الكاتبة إلى تقرير صادر عن البنك الدولي. ومن خلال رؤية استشرافية لحجم الاستيراد الغذائي، ومقارنته بواقع القدرة المحلية على الاكتفاء الذاتي،  يتوقع التقرير أن يستمر الطلب الكلي على الحبوب في المنطقة العربية بنحو 70% بين العامين 2000-2030. وأن الطلب المستقبلي على الواردات الغذائية سينمو بسرعة أكبر في هذه المنطقة مقارنة بسائر دول العالم. والنقطة اللامعة التي يشير إليها الكتاب بخصوص الأمن الغذائي في المنطقة العربية، أن هذا البعد، الأمن الغذائي، بات مرتبطا بالثروة وليس بالمناخ، فالمناطق الأكثر اعتدالا واستعدادا للتنمية الزراعية، باتت مهددة بصورة أكبر في أمنها الغذائي مقارنة بتلك الدول التي لا تمتلك مزايا زراعية خاصة، إلا أنها تعتمد على أمنها الغذائي بصورة أكبر من خلال  العائدات النفطية، والتي تقدر بـ 70% من مجمل عائدات هذه الدول. إلا أن حصر النسبة الأكبر في العائدات بالاعتماد على مورد واحد، يشكل بحد ذاته عنصر قلق وتهديد في نفس الوقت، لتصبح هذه الدول التي لم تبلغ إلى الآن مرحلة التنويع في مظاهر اقتصادها، مهددة بأمنها الغذائي الذي يخضع وبصورة تلقائية لتقلبات أسعار الموارد النفطية. ومن خلال مؤشر ذي صلة بموضوع الأمن الغذائي الكلي والجزئي، يتضمن الكتاب جدولا من إعداد فريق بحث استقصائي، “2010” يوضح عددا من الحيثيات المرتبطة بالموضوع، من ضمنها نسبة إجمالي الصادرات – الواردات الغذائية. وتضمن الجدول 25 دولة بينها دول مجلس التعاون الخليجي، التي جاءت نتائجها على هذا النحو: السعودية: 5-19، الكويت: 4-25، الإمارات العربية: 2-17، قطر: غير متاح، عُمان: غير متاح، البحرين: غير متاح.

   وأظهرت كثير من المواقف السياسية الحاسمة في العقود الماضية، حجم الفجوة الغذائية التي يعاني منها العالم العربي وقابلية هذه الحالة لمزيد من الاتساع، إضافة هشاشة الوضع الجيوسياسي في ضوء الواردات الغذائية. ولعل تجربة سبعينيات القرن الماضي من المؤشرات الواضحة التي يمكن الاستدلال عليها. في تلك الحقبة، كان هناك توجه سياسي في اتخاذ مورد النفط كسلاح سياسي وأداة ضغط بوجه القوى العالمية الغربية، وكانت دول الخليج العربي في واجهة هذا الصراع بإعلانها حظرا على شحنات من النفط الخام الغرب، وكان الرد المباشر على هذا الحظر، تخفيض توريد المواد الغذائية للعالم العربي، وأصبح شعار المرحلة في العالم الغربي:” نحن نموت بردا، وهم يموتون جوعا”. وكات النتيجة ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية الأساسية، ( ارتفع الأرز 220% ، والقمح 180% “. وأظهرت فكرة “تسييس الطعام” مدى هشاشة وضعف المنطقة العربية والخليجية على وجه الخصوص، أمام أسواق الأغذية العالمية. 

 تنبهت دول الخليج العربي بعد هذه التجربة إلى ضرورة  الاعتماد على الذات بصورة أكبر وتبني استراتيجيات غذائية  تقوم على أسس زيادة الإنتاج المحلي، والوصل إلى درجة الاكتفاء الذاتي. والمثال الأكثر تطرفا في هذا المجال هي العربية السعودية، أما دول الخليج الأخرى فكانت المشاريع الزراعية أقل ضخامة بسبب محدودية الأرض والمياه. ورغم مواكبة الإمارات العربية هذه الإستراتيجية في وقت مبكر، إلا أنها بعد مضي أكثر من خمسة عشر عاما على تنفيذها، فإنها لم تستوف حتى نهاية الثمانينيات سوى 20% من إنتاجها المحلي في الاستهلاك الغذائي. وسرعان ما بدأت آثار الاستراتيجيات الزراعية الجديدة في دول الخليج تأخذ أبعادا سلبية على المستويات الاجتماعية والبيئية والاقتصادية كذلك. فالمستفيدون من برامج الدعم الحكومي كان دافعهم التوسع أكثر في الملكيات العقارية، وتفوقت رغبتهم  في أن يصبحوا ملاكا كبارا، على رغبتهم في توفير كافة الاشتراطات لإنجاح الإستراتيجية الوطنية،  وكان لهذا التمدد في الملكية آثار مباشرة على الملكيات المتوسطة والصغيرة للمزارعين. وأدى تكدس الكلف المالية الموجهة للمشاريع الزراعية مقارنة بتراجع المخصصات المالية لقطاعات خدمية حيوية، مثل الصحة والتعليم، إلى تراجع هذه الأخيرة على حو واضح في تلك الفترة. كما أدى الاستخدام المفرط للمياه في البداية إلى نضوب مساحات واسعة من طبقات المياه الجوفية. وكان لتراجع أسعار النفط، والكلف المالية العالية لحرب الخليج الأولى،  أثرهما في تراجع الإنفاق المالي على هذه المشاريع، كل هذه العوامل ساهمت في تخلي 76% من المزارعين الصغار عن مزارعهم.  وبعد فترة الثمانينيات التي تميزت بقدرة سعودية على إنتاج مرتفع من الحبوب، أخذت هذه المشاريع بالتراجع والضمور.

   وبدلا من معالجة المعيقات المحلية التي تواجه إستراتيجية إنتاج الغذاء محليا، توجهت أنظار الحكومات العربية نحو السودان، والتعامل مع هذا البلد العربي بما يملكه من وفرة في الأراضي والمياه باعتباره ” سلة غذاء الوطن العربي”، وقدم الصندوق العربي للإنماء، ومقره في الكويت، تصورا لاستثمار 5,5 مليار دولار في الزراعة السودانية خلال الفترة 1976-1985 ووفق التوقعات الأولية كان من المأمول أن يوفر السودان ما نسبته 42% من واردات العالم العربي لبعض المواد الرئيسة “زيت طعام، سكر، قمح”. ومع تدفق ملياري دولار أواخر سبعينيات القرن الماضي لصالح هذا المشروع، إلا أن مصير إستراتيجية الطعام السودانية لم تكن أفضل من إستراتيجية الاكتفاء الذاتي المحلي، وأعلن في وقت مبكر فشل التطبيق. وأسباب الفشل يمكن حصرها بنقاط رئيسة، مثل:  الصراع غير الظاهر بين المستثمرين العرب، ونزاعات استخدام الأراض، وإهمال صغار المزارعين، والإدارة السيئة. 

   وبعد الإخفاق الذي أصاب استراتيجية الاكتفاء الذاتي الغذائي لغايات تحقيق سيادة غذائية، توجهت أنظار عدد من دول المنطقة، الغنية بالنفط على وجه الخصوص، إلى مسار مغاير من خلال الاستحواذ على الأراضي خارج البلاد. وتمثل الحالة السعودية النموذج الأبرز في هذا المجال تليها الإمارات العربية وقطر، أما عُمان والبحرين، فكانتا الأقل نشاطا في هذا المجال، وأخذت عُمان اعتبارا من هذه المرحلة، مطلع الألفية الثانية، استراتيجية بناء احتياطيات غذاء، بدلا عن توجه نحو اعتماد سياسة الاكتفاء الذاتي، أو الاستحواذ على أراض في الخارج.

   أصبحت دول الخليج هي الأكثر مشاركة في اقتناء الأراضي في الخارج لأهداف مرتبطة بالأمن الغذائي، وحصول هذه الدول على إمدادات غذائية من أراض “مستأجرة أو مملوكة” خارج حدودها السيادية. ومن كبرى الصفقات العربية ” 2006-2009″ اقتناء السعودية 500 ألف هكتار في تنزانيا (خمسة آلاف كم مربع) واقتناء الإمارات العربي 400 ألف هكتار في السودان (أربعة آلاف كم مربع). ومن جملة هذه المشاريع المدرجة ضمن هذه الاستراتيجية تبرز مبادرة الملك عبدالله للاستثمار الزراعي التي أطلقت عام 2009 بمبلغ 800 مليون دولار. وأدارت شركة “أبراج كابيتال” الإماراتية أصولا بقيمة 5 مليارات دولار في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وشبه القارة الهندية. وفيما كانت السعودية تفضل السودان وتنزانيا، كانت الإمارات تفضل باكستان، أما قطر فلديها قدر أكبر من انتشار الاستثمارات. وانتقد البنك الدولي في تقرير صادر 2011 إستراتيجية استثمارات الأراضي في الخارج، وخلصت الدراسة إلى أن العديد من الصفقات لم تنفذ بالكامل، بمعنى أن الأراضي التي جرى اقتناؤها تركت معطلة، إضافة إلى عدم شفافية صفقات تملك الأراضي أو استئجارها، وإهمال المستثمرين للبنية التحتية للمشاريع، وعدم إتاحة سوى القليل من فرص العمل في الأوساط المحلية لهذه المستعمرات، وتهجير بعض المجتمعات من أماكنها دون تعويض مناسب.

وبموازاة الاستراتيجيات المتعلقة بالأمن الغذائي المجربة في الوطن العربي عبر عقود، ولم يستطع أي منها تحقيق أهدافه المرجوة، فإن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة “الفاو” والصندوق الدولي للتنمية الزراعية، تقدمتا بدراسة بشأن الأمن الغذائي في العالم العربي، وأوصت الدراسة لغاية تحسين الأمن الغذائي في المنطقة ضمن منظومة كاملة، تأخذ بعين الاعتبار تحسين سبل المعيشة الريفية، وتحسين كفاءة سلسلة الإمدادات والسياسات المالية، وتحسين شبكة الأمان الاجتماعي بصورة عامة.   

   في شهر أبريل الماضي، نشرت مجلة “العمران العربي” الصادرة عن اتحاد الغرف العربية دراسة تضمنت بيانات مستخلصة من “وحدة الذكاء الاقتصادي” تشير هذه البيانات إلى أن ست دول عربية: السعودية، قطر، البحرين، عُمان، الإمارات العربية… تحتل مواقع متقدمة ضمن أفضل 50 بلد في العالم بالنسبة للمؤشر العام للأمن الغذائي. وهذه دلالة جزئية” تبعث على الاطمئنان والثقة، إلا أن الدلالة “الكلية” تعطي انطباعا مغايرا، خصوصا عندما توضح هذه المؤشرات، التي يتم الترويج لها، أن دلالة الوضع المتقدم لهذه الدول هي الوفرة وارتفاع القدرة الشرائية، بمعنى أن بعد الأمن الغذائي بات مختصرا في قدرة الدول العربية عموما على تخزين الغذاء المستورد.

عن الكاتب

Avatar

نبال خماش

كاتب أردني

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.