أدب العاشر بعد المئة

أوستر وبوكوفسكي: عوالم مشتركة في الكتابة الروائيّة

لا جدال في أن أرنست هيمنغواي ووليام فوكنر، يُعَدَّان عملاقي المشهد الروائي الأمريكي، وبلغ صيتهما العالم بأسره، وبعد موتهما دخلت الرّواية الأمريكية في سباتٍ طويل وعميق، صحيح، أن هناك روائيين حاولوا بَصْمَ المشهد بعددٍ من الأعمال الرّوائية، خصوصا في ظلٍّ تنامي ما بات يُعرف في الأدبيات الروائية الأمريكية بروايات “القاع التّحتي” أو”الحضيض” أو سرود ما يُسمّى بـ”الواقعية القذرة”، إلا أن هذه المحاولات الجديدة في الكتابة الروائيّة، وقد جنحت نحو الانغمار في الواقع ورصد ندوبه وآلامه، سرعان، ما خبت وخفتت، لأن تلك الأعمال الروائيّة، خرجتْ للوجود منزوعة من شرط المُتَخيّل، أو نقلت الواقع بطريقة آلية ميكانيكية أو سقطت في الروايات الصفراء ذات الطابع الصحفيّ، إلى درجة أن أعمال هذه الفترة على غزارتها وقوّة منظوراتها، لم تستطع أن تتغلغل في فكر القارئ، وتجذبه نحو عوالمها ومساربها التّخييلية والبنائية والتيماتيّة، أضف إلى ذلك، أن القارئ العربي، لم يتعرّف هذه الأعمال الروائية نتيجة شُحٍ في عمليّة التّرجمة، ولا أريد أن يُشتمَّ من حديثي، أنني ضد نوعية هذه الروايات، بل، أوثرها وأنزلها منزلةً رفيعة، لأنها تنقل لنا الواقع كما هو، بلا مساحيق تجميليّة، غير أن القارئ في وقتنا الرّاهن، بدأ يستلذُّ ويميل إلى نوعية أخرى من الروايات، التي اختارت طرائق أخرى، مغايرة ومختلفة في التعبير والكتابة والتّخييل، لكن، مع بروز أسماء أخرى في عالم الرواية الأمريكيّة، تَمَكَّنت من اجتذاب القارئ العربي، دون أن ننسى دور التّرجمات الجديدة في تقريب هذه العوالم الروائي من مُتَخَيَّل القارئ العربي والاقتراب أكثر من تفكيره، وأحسب أن ما بلغه الروائيان: بول أوستر وتشارلز بوكوفسكي من شأوٍ ومنزلة في راهنيّة الكتابة الروائية في العالم، أن ذلك، لم يأت من فراغ، وإنّما، نتيجة جهدٍ حثيث في الكتابة والبحث عن شواغل أخرى للتعبير والكتابة عن الواقع الأمريكي، لكن، بطريقة سلسة بوهيميّة تمدح المسار العبثيّ في التفكير والسلوك البشريين، وإن كان لا بد من مقارنة بين هذه الروائيين، فإن مطاف ومظان هذه المقاربة في عوالم الرواية الحديثة والمعاصرة، فإن ما يُميّز مسارهما الروائيّ هو هذه النّزعة الحادّة في انتقاد التسليع الأمريكي، والاتّجاه بعوالم الرواية نحو التّشظي والبوهيميّة والانشطار وتعزيز سردية الذات، إلا أن ثمة أشياء أخرى، تجمع بين الاثنين، كالكتابة الشعرية وحبّ الثقافة الفرنسية والسينما، فصاحب “ثلاثية نيويورك” و”حماقات بروكلين” و”قصر القمر”، وغيرها من الأعمال الروائيّة، بول أوستر، كان شغوفا بفن السينما، إلى جانب اشتغاله على روايات التّحري والغرائبيّة، من زاوية أخرى، فإن مبدع روايات:”هوليود” و”الشطيرة”، و”نساء”، تشالز بوكوفسكي لا ينفك يُقدِّم أعمال روائيّة مختلفة ومجدولة بالأساس على المحكي اليوميّ ونقد الواقع بلغة بسيطة بذيئة، إلى جانب الاهتمام بالسيرة الذاتية والشعر والسينما كتابة السيناريو، فأعماله الروائية تتحرك ضمن أفق واحد وهو إعادة كتابة سيرة “هنري تشيناسكي”، الذي هو في الأخير ليس إلا بول بوكوفسكي، ومن المؤكد، في ضوء هذه الاستقصاءات في المادة الكتابيّة عند تشالز بوكوفسكي وأبعاد عالمه الروائي، إننا أمام ظاهرة روائية جديرة بالتتبع والاهتمام، وربّما، بات في وسعنا اعتباره، إلى جانب بول أوستر، أحد الأعمدة الروائيّة، ليس في أمريكا فحسب، وإنما في العالم أجمع.
وإن كانت هناك من دلالة يُمكن أن نستقيها من هذه المنظورات الجديدة في العالم الروائي، فإن أهم شيء يُمكننا التّوقف عنده عند كل محاولة لوضع هذين الروائيين في خارطة الإبداع العالميّة، هو ذلك الأفق المشترك في الكتابة والتّخييل وتحبيك المرويات، ونتقصَّد به ها هنا، تلك النّزعة في مجابهة بذاءة العالم والوجود والأشياء والغير والذات، بل، إن بول أوستر في عددٍ من رواياته يعمل على إحياء نزعة “موت الإنسان” كتجلٍّ أدبي مفارق ومغاير، والأمر نفسه ينطبق على تشالز بوكوفسكي من خلال احتكامه للغة عنيفة، متوحشة، مليئة بالنقد للمجتمع الأمريكي الآخذ في تسليع الإنسان ومشاعره، وهي كتابات ممتدة ومتشعبة في كلا المسارين، وهذا لا يعني أن كتابتهما تدخل ضمن خانة ما أشرنا إليه آنفا بالواقعية القذرة، بل هي فقط رافد من روافد متعددة شكلّت وتُشكِّل عالمها الروائي، بما هو مأدبة لمسارب الكلام، أو لنقل، كتابات تستجيب لروح العصر بما ينطوي عليه من تسارعٍ واستهلاكٍ وتشظٍ، والثابت أيضا، أن التجربتين كليهما مختلفتان، وهذا طبيعي؛ ذلك، أن لكل روائي- مبدع عالمه الخاص، بصمته الخاصة في الكتابة والتّخييل والتحبيك، وما يمور في تفكيرهما من محاولات لمحاربة الصدأ والتنميط والسكونية، وفي اعتقادي، هذه كلها مؤشرات تجعل منهما كاتبين منذورين لنزعة تدمير الذات والفرد والأشياء، في أفق بناء عوالم روائيّة بمنظورات مغايرة ومختلفة، فأصالة الكاتب الحقيقي تتبدّى من خلال التعبير عن الملفوظات التّخييلية بوصفها جزءا لا يتجزأ من منظور عام حول الكتابة الروائيّة، في راهنيتها وفي حافزياتها من أجل بناء ميثاق مع القارئ أو تعاقد معنوي يُعيد للحياة صلاتها مع الواقع والمتخيل والشخصيات السردية، وإذا كان بول أوستر يتوغل وينحو نحو كتابات المستقبل بشكلها الغرائبيّ، فإن تشالز بوكوفكسي يُعبِّر عن أصالة السيرة الذاتية ودورها في نسج تعالقات/علائق مع المتخيّل وشخصية السارد في منحى تعاقبي يعيد للذات مركزيتها وقدرتها على التّماهي مع الواقع والذكريات الرّاسبة.
بهذا المنظور من المغايرة في الكتابة الروائية الأمريكية، يتوغل كلٌّ من بول أوستر وتشالز بوكوفسكي في محاولات إعادة الاعتبار لروايات هاجسها البحث عن منافذ لكتابة هموم الإنسان وهواجسه تعبيرا عن منزلته ورفعا من قيمته مهما بدا الأدب قاصرا على فهم مأساة الإنسان أثناء رحلته من المهد إلى اللحد، وكأن أوستر وبوكوفسكي، لهما من الطاقة التعبيرية القادرة على توزيع السرود بشكل متكافئ، كردّة فعلٍ إزاء مقولات “موت الإنسان”.

عن الكاتب

رشيد الخديري

اترك تعليقاً