ما بين الرغبة و النية و الرهبة و السطوة

لـ

omani3

العمانيون شعب كبقية شعوب العالم لهم اطروحاتهم و تطلعاتهم و توجهاتهم و إن تباينت الأمور فيما بينهم نحو تلك التطلعات و الطموحات و التوجهات … و هم شعب عربي ينتمي إلى الأمة العربية التي صنعت عبر التاريخ أمجادا و تراثا لا تزال مآثره حاضرة جلية بين الأمم مستمدين من دينهم الإسلامي الحنيف تعاليم سمحة و خلق كريم. و كأي شعب ينتمي لهذا العالم الفسيح المتعدد الأعراق و الأجناس له من التطلعات و التوجهات ما يحرك الآسن من الطموحات و الآمال و الإرادة …

و لكن كيف لهذا الشعب تحقيق إرادته و تطلعاته و هو حائر بين إرادته و رغبته و نيته و الخوف من السلطة و سطوتها ؟ فالعمانيون في عام 2010 م يختلفون بعاداتهم و تطلعاتهم و متطلباتهم و احتياجاتهم عن ما كان عليه حالهم في منتصف القرن العشرين.

فبماذا يرغب العمانيون ؟ … و ما هي نواياهم في تحقيق ذلك ؟ … و من ما أو من من يرهبون لتحقيق مرادهم ؟ … و هل سطوة و بطش حكومتهم هي عائق لتحقيق ذلك المراد ؟

يمكننا تحديد ما يرغبه العمانيون بالعيش بكرامة و عزة و مساواة في وطنهم في ظل توزيع عادل للثروة الوطنية و تكافؤ الفرص من وظائف و تعليم لأبنائهم و خدمات صحية و مستوى دخل مالي مناسب و استمرارية في تطوير الخدمات و دوران عجلة التنمية و التطوير في ظل استقرار و تآلف وطني و انفتاح و تعاون مع إخوانهم العرب و بقية شعوب العالم. و هم بهذا عاقدو النية على تحسين أوضاعهم و التعبير عن مشاعرهم و تطلعاتهم محققين آمالهم و طموحاتهم ، بينما يترهبون في التعبير عن مكنون إرادتهم و تحقيق رغباتهم و يترددون في تنفيذ النيات رهبة من سطوة السلطة التي – حسب زعمها – وفرت العديد من احتياجات المواطن و دفعت عجلة التنمية إلى الأمام وفق خطط و برامج و جرعات انفتاح رآى فيها صانع القرار أنها مناسبة في وقتها الذي طبقت فيه … و لكن دون أن يشارك المواطن في صنع القرار أو حتى هيئ له المناخ المناسب للتعبير عن ما يجول في نفسه من خواطر و أفكار و توجهات “سياسية” أو التعبير عن احتياجاته و مستلزمات حياته المعيشية ، فكل شيء بالنسبة له مرهون وفق إرادة السلطة و رغباتها … و سطوتها.

omani4

و كما تم ذكره في بداية الموضوع أن تطلعات العمانيين في القرن الحادي و العشرين تختلف عن تلك التي كانت في منتصف القرن العشرين … و أن التطور السريع في خدمات الاتصالات و تقنيات المعلومات و وسائل الإعلام و وسائطها المختلفة ساهم إلى حد كبير في تنمية تلك التطلعات و توسيع الآفاق الفكرية للنشئ العماني. و لكن مع كل هذا التطور و تلك التنمية بقيت عقلية و سطوة السلطة على حالها و منذ ما كانت عليه في الربع الأخير من القرن العشرين ، الأمر الذي جعل المواطن العماني في كثير من الأحيان يتردد و يترهب في التعبير عن ما يجول في خاطره و فكره … بل سلم أمره لله تعالى خوفا من بطش السلطة و سطوتها التي غالبا ما كانت تتعامل في السابق و لا تزال وفق معطيات تحكمها العوامل الأمنية و الحفاظ على مكانتها السلطوية في المجتمع دون النظر إلى المردود السلبي لذلك التعامل الذي – وإن استتب الأمر لها في نهاية المطاف – نتج عنه الكثير من التذمر و الامتعاض في الأوساط الشعبية و قد ينشأ عنه في المستقبل عواقب وخيمة يكون مردودها السلبي كارثيا على الوطن و المواطن.

فالعماني الذي بتطلعاته و رغباته و نيته في تحسين أموره المعيشية يصطدم بقوانين السلطة و اجراءاتها بل بنفوذها المهيمن على كل أمر في البلاد الذي لا بديل عنه أو لا تهاون فيه و لا نقاش … و من هذا المنطلق يكون المواطن العماني الذي عاش سنوات انغلاق طويلة في معظم فترات القرن العشرين فرضته عليه سلطة كانت تنظر إلى كل جديد بأنه ممنوع و محرم … أصبح يتوجس من التعبير عن مكنون خواطره و يترهب في تنفيذ و السعي نحو طموحاته … و كأنه أدمن هيمنة السلطة و قيادتها له و ما توفره له بين فترة و أخرى من مكرمات و صدقات يقال عنها اهتمام من تلك السلطة باحتياجات المواطن و توفير العيش الرغيد له.

فالعماني ما بين رغبته نحو التطور و الرقي و نيته ليكون أفضل حالا يجد نفسه مبتليا بسلبيات الماضي و سطوته على بنيته الاجتماعية و الفكرية … فقد عيّشت تلك السلطة المواطن في جاثوم الرعب و الممنوع و الإجهزة الاستخباراتية حتى غدى فيه آفة الشك في كل شيء مسيطرا عليه … أوليس تلك هي السلطة التي بسطوتها جعلت الأمور جميعها مسيرة بإرادتها وفق معطيات ترى فيها أنها الأنجع لمسيرة بناء الوطن … لا نقاش … لا تبادل فكر … لا تواصل ثقافي بين أبناء الوطن … إلا ما تراه السلطة … فهو الحق المبين و الرأي السديد و الفكر الثاقب و الوحي الملهم. و أليست هي ذات السلطة التي حرمت الوطن من كفاءاته و خيرة أبنائه و همشت و أبعدت العديد منهم في سبيل تحقيق مآرب مستشاريها و موظفيها الأجانب الذين أثروا بشكل فاحش من خيرات الوطن العماني و على حساب المواطن العماني و الذين كانوا من مخلفات عهد بغيض عاشته عمان على مدى أربعين عاما من القرن العشرين ؟ … أوليست هي ذات السلطة التي قيدت الكلمة الحرة و منعت التعبير عنها و عن مكنون مضامينها الوطنية إلا تلك التي تتحدث عن و تصف جماليات السلطة و انجازاتها و مكرماتها و عطاياها ؟

فنحن ما بين تحقيق رغباتنا و نياتنا نحو مستقبل مشرق و غد منير لابنائنا … تحوم حولنا الرهبة من السلطة التي أحببناها و بايعناها بالولاء … فهي دائما تلوح بسطوتها على رقابنا فالتجارب معها كثيرة و عديدة مما وضعنا في رهبة و عدم ثقة و ريبة من توجهاتها و ما تنويه من خطط نحو المستقبل… و هي لا تزال لم تظهر نية نحو البدء باصلاح سياسي يضمن استمرارية مسيرة بناء الوطن و الحفاظ على كيانه وفق مساهمة شعبية نابعة من رغبات المواطن و ليس نابعة من رغبات سطوتها و فكرها الأوحد الواحد.

0 1820 01 أغسطس, 2010 العدد السادس, سياسة أغسطس 1, 2010
Avatar

عن الكاتب

كاتب عماني وباحث في الشؤون التاريخية

عرض كل المواضيع التي كتبها مازن الطائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.