أدب العاشر بعد المئة

ما الكتب التي تساعدك على استئناف الحياة؟

ماذا تنتظر من مكتبة بيتك في الحجر؟
الكل اليوم، وفي العالم أجمع، يستعملون عبارة “العالم ما بعد”. وما ذلك إلا نتيجة للثورة التي أحدثها فيروس كوفيد-19. وبما أن الفيروس ما زال بيننا؛ بل ويحقق انتشاراً مخيفاً في مجموعة من الدول، فذلك يعني أن مسألة الحجر ما زالت قائمة كسلوك دفاعي أثبت نجاعته. لهذا الغرض قامت المجلة الفرنسية “ماغازين ليتيرير” (المجلة الأدبية، عدد: 30، يونيو 2020) الفرنسية باستفتاء مجموعة من الكُتّاب والنقاد حول الكتب التي تساعدهم على أن يعيشوا حياتهم، بل وكيف يستأنفوها بعد أن شابها ما يشبه التوقّف. والسؤال أيضاً يحتوي أيضاً على أبعاد كثيرة، مثل: كيف تفكر أو تعيش تكملة ما مضى؟ كيف تجد الدافعية على الاستمرار؟ إذن السؤال الشامل الذي تلقّت المجلة الأجوبة عنه هو: ماذا تنتظر من مكتبتك (في البيت) أن تقدمه لك حين تعيش حالة الحجر؟ عن هذا السؤال يجيب الكاتب الفرنسي “إيريك شوفيار”: “لا شيء. وذلك شيء كثير. لماذا لاشيء؟ لأن أول ما يفكّر فيه الشخص وهو في وضعية حجر هو توفير المواد الغذائية، والتواصل عن بعد، والعمل من البيت.. لكن هل تلك حقاً أشياء كافية؟ إن الكثير منا يفكر أيضاً في ما يمكن أن توفّره المكتبة في البيت، داخل هذه العزلة الاضطرارية المفاجئة. إن مكتباتنا فعلاً تشغل الذهن بكتبها، وتحرّر العقل من عزلته. والكُتّاب يصبحون فعلاً مرافقين نافعين لمحاربة اليأس والملل وعزلة الحجر. فداخل الكتب قد نعتر على “الغذاء الروحي الذي يمنح القوة”، حسب تعبير شارل بودلير.
لكن السؤال هو: نحو أي كاتب نتّجه؟ إلى أي كتاب نلجأ؟ وهل سيصبح لكتب الأدب بالنسبة لنا الدور الذي تلعبه الكتب المدرسية؟ ربما لن تكون كذلك، بالمعنى الحرفي لمفهوم الكتاب المدرسي، لكنّها قد تلعب دور إخراج عالم جديد. وهذا الدور يتوقف على نوعية هذه الكتب: هل تحتوي في ذاتها على قوة الخلق؟ الفعل؟ وتسمية الأشياء من جديد؟
من هذه الأسئلة تولّدت أسئلة جديدة في مقالة “إيريك شوفيار”: أي كاتب نلجأ إليه دون أن نضيع الوقت؟ هل نعود من جديد لقراءة مارسيل بروست صاحب “البحث عن الزمن الضائع”؟ ذلك أن هذه الرواية الضخمة كُتبت فيما يمكن تسميته “حجراً اختيارياً”. إننا نطرح هذه الأسئلة ونحن واعون بأن الأدب لن يصبح يوماً قاعدة لوجيستية، أو وحدة عسكرية، أو إدارة فعالة. إن النفعية هي أول ما يلفظه الأدب. لكن، وبدون شك، يبقى الأدب المرِح والساخر هو القرد الذي يضحك اليأس، وهذا هو الدور الذي يلعبه طيلة تاريخه.
الحياة هي المريض الوحيد
يؤكد الروائي الفرنسي “ستيفان أوديغي” أن الحياة هي المريض الوحيد، خصوصاً بعد فيروسات من قبيل كوفيد-19 ونقص المناعة المكتسب. وأن الكتب دوماً هي المنقذ من الموت، المتعدّد الأشكال. مثلما، بالضبط، لجأ بعضهم إلى تحاليل الكاتب “غي ديبور” ذات النجاعة، فيما يخص موضوع سقوط جدار برلين. ومن الأمثلة الأخرى، يمكن ذكر مفاهيم “ويليام رايخ” حول سيكولوجية الجماهير لتوضيح ضغط الأنظمة الشمولية في القرن العشرين.
“لن يموت الناس جميعاً، لكنهم مصدومون”. الناس بعد دوفيد-19 شعروا بأن الحياة تراجعت، وبأن المستقبل سيتأخر قليلاً في الوصول إليهم. لكن أيضاً باستطاعتهم، وهذا هو ردّ فعل بعض الدول والشعوب، التصرّف كأن شيئاً لم يحدث. لقد مرّ الطاعون، والحروب، والإبادات، والمجاعات، وشتّى أنواع الفيروسات من هنا. وهنا أدلى “ستيفان أوديغي” بأن الكتاب الذي يمكن الاحتماء به من كوفيد-19 لم يُكتب بعد.
علينا في فترة الحجر الأخذ بعين الاعتبار أن الداخل والخارج يعقدان علاقة غريبة، حيث الزمن والفضاء هما “من أصل مشترك” كما قال “هاملت”. لكن هنا لا ينبغي نسيان الضغط الاقتصادي الذي قضّ مضجع الجميع، دولاً وأفراداً. ويقدّم الكاتب تجربته الخاصة مع المؤلف البريطاني”د.ه. لورانس”صاحب الرواية الشهيرة “عشيق الليدي شاترلي”.
راهنية الأعمال الكلاسيكية
ويقترح الدارس “باتريك داندراي” ضرورة قراءة مسرحية موليير “مدرسة النساء”. تقدم هذه المسرحة قصة حجر ناجح. قام رجل عجوز بتربية فتاة تبلغ من العمر أربع سنوات ليجعل منها زوجة حين بلغت السابعة عشرة. عمل كل ما بوسعه ليصنع منها امرأة جاهلة و”غبية قدر ما أمكن” جاء يوم ظهر فيه شاب يبحث عن الثروة، فاستغل غياب السجان العجوز ففكّ أسرها. ودقّة هذه القصة كامنة في فكّ الأسر المزدوج: فتح باب هو أيضاً فكّ لشفرة الذهن. إن الحب مدرسة، والرغبة فيها هو الأستاذ: تنفتح عينا “أغنيس” الملاك على أنوار صباحات العالم حين فتحت قلبها على الشاب الجذّاب. ولأن السعادة لا تأتي وحدها، والشقاء أيضاً، فإن الأستاذ يكشف عن قلب في العشرين، ويتعلّم معنى الحب. فتصبح “مدرسة النساء” مدرسة للرجال أيضاً. كل واحد يخرج من العلبة المظلمة.
الأعمال الكلاسيكية لا يترجمها إلا الزمان. وفي زمن التدريس عن بعد، أو التدريس عبر التلفزيون الذي فرضه كوفيد-19، يرى الكاتب والناقد الفرنسي “فابريس كولان” أن الروائي الروسي “فلاديمير نابوكوف” كان ممارساً قوياً لهذه المهنة. فبين سنتي 1948 و1959 شرع نابوكوف بجامعتي “ويلسلاي” و” هارفارد” في إعطاء سلسلة من الدروس حول الآداب الأوروبية والروسية. كان من ضمنها: جين أوستن، جيمس جويسن شارل ديكنز، مارسيل بروست…ومن الجانب الروسي نذكر: دوستويفسكي، تولستوي، غوغول، تورنيغيف…
سيادة العقل الحجاجي واللجوء إلى النمذجة
يمكن تسجيل أن الميزة المؤثرة لكوفيد-19 هي الارتباط الكوني بما سماه الفيلسوف الفرنسي “مكسيم روفير” ب”النماذج” والأرقام والمنحنيات. فبينما كان الأطباء يجمعون “المعطيات”، والحواسيب تكثر من “النماذج”، لم يكن رجال السياسة يتحدثون سوى عن “تسطيح المُنحنى”، ووسائل الإعلام تعطي كل يوم الأرقام والإحصائيات لمجتمع أصبحت بالنسبة إليه مثل الخبز اليومي. ومن هنا يمكن استخلاص ان الجائحة خير شاهد على اللجوء الهائل إلى النمذجة، وذلك، بدون شكن أحد العناصر الأساسية للعقلانية الحديثة.
إن هذه العقلانية، يضيف “م. روفير”، يمكن فهمها كنوع من الثقة في قدرة العقل للوصول إلى الحقيقة. وهذه الفرضية ارتبطت باسم ديكارت (1596-1650). و”أن تكون ديكارتيا”، أو “أن تملك عقلا ديكارتيا”، معناه أن تقديم براهين منطقية وقوية قبل الدفاع عن رأي ما. وهذا يتطلب، بطريقة ضمنية، ضرورة أن تحتوي مكتباتنا كتب ديكارت وسبينوزا.

Hits: 7

عن الكاتب

محمود عبد الغني

اترك تعليقاً