أدب العاشر بعد المئة

تفكيك الفراغ في رواية “ذاكرة الكورفيدا”

بداية أية رواية كثيرا ما تستوقف القارئ؛ إذ الابتداء وفق رولان بارت فعلٌ عسير، فهو خروج من الصّمت، وإن رواية “ذاكرة الكورفيدا” (دار الانتشار العربي – 2016) تضعنا أمام عتبة صامتة ومساحة وصْفية بليغة لا تخلوان من دلالة: “مرّر عثمان يده على صدغه الأيمن، وهو يمشي بتؤدة محاذيا السّور.. مُتحسّسا ما تبقى من محار أذنه.. تستهويه تلك العادة عندما لا يكون ثمة ما يفكر فيه”- ص 5.
تبدأ رواية “ذاكرة الكورفيدا” للخطاب المزروعي بانشغال “عثمان” بأذنه المقطوعة، انشغال بشيء مفقود.
فراغ في أذنه يستهويه ليملأ به فراغًا آخر “عندما لا يجد ما يفكّر فيه”. وهذا الفراغ الذي يشغله هو نفسه الذي سيملأه الآخرون، إذ “يخيل إليه دائما أنّ من يصادفه أول مرة سيركّز نظره تجاه تلك الجهة من طرف وجهه” ص 6؛ ينظرون جهة القطعة غير الموجودة من الصّدغ، إلى الأثر إلى الفراغ. ولأنه فراغ يجرّ وراءه تاريخًا، فستشكل الأذن المقطوعة- أحدَ أضلاع “ذاكرة الكورفيدا”. وستكون عتبة هذه الرّواية القصيرة، بذلك، الأساسَ الذي انبنتْ عليه أحداثها. وكل ما سيأتي بعد ذلك سيقوم على هذه العتبة، على “الفراغ” الذي انتهى إليه صدغ عثمان.
ستظلّ الأذن الغائبة هنا شاهدًا على تفاصيل أحداث لاحقة. فالفراغ الظاهر، مع وجود فراغ آخر “مستور” (ندبة بين السّاقين) يحيل على المحيط والناس، بينما الباطن المفقود يحيل على ذاته، ذات عثمان.
إن الافتتاحية الوصْفيّة مدخل ضروري للاقتراب من صلب النص، وذلك التجاذب للشّخصية الرئيسية بين ظاهرها وباطنها. فلو لم تكن هناك هذه الأذن المقطوعة لتحوّلَ متن الرواية إلى الدّاخل وانكفأ على ذاته. فتقلبات المحيط يرصدها فراغ الأذن، فيما تقلّبات الذات مبعثها الفراغ المستور، تلك الندبة، التي لم يعد عثمان يبالي بها كثيرا، إذ “تركها للماء ليلعب بها كيفما اتفق”-ص 6-.. فراغ يملأه “مرزوق” بالهذيان. فعثمان يحاول أن ينسى لكنْ لا يستطيع؛ فثمة شيء ما يذكّر العالم به، إنه الفراغ الظاهر. وكأنها شهادةُ إدانة تسفر عن نفسها بصمت، ولا سيبل إلى إخفائها.

بعد هذه العتبة، تأخذ الرّواية نسقها الطبيعي. فيستلم مرزوق زمام السّرد ليروي، فيما يصير عثمان “الأذنَ” المنصتة. كما تتداخل الأزمنة في الرّواية، ويتساوى مصير مَن حارب مع ومن حارب ضدّ. ويتحول عثمان، الذي يفتتح السّرد بانشغاله بأذنه اليمنى المقطوعة، إلى أذن مُصغية إلى قصة حياة مرزوق، التي تعرضها “ذاكرة الكورفيدا” عبر عدة مواقف. وتكون الغلبة لمرزوق، بحياته المليئة بالمغامرات والمفعمة بالمشاهدات وبقصص العشق والتحدّي: “أصبح زوجها يراقب كل شيء في تصرفاتها -هذا ما أخبرتني به- ويشكّ في كل فعل تقوم به، ولكنْ لم نكن نكترث له، بل كنا نمارس حبّنا بكل جنون ولذة ومتعة في دواخلنا. وهو يعرف ذلك في قرارة نفسه، لكنه كان يخطط بكل لؤم. حتى انطلت علينا الحيلة، ذات يوم، عندما أخبرها بأنه ذاهب لزيارة أحد أقاربه، وسيمكث هناك يومين” (ص 25).
في مقابل حياة عثمان، التي انتهت مبكّرا، فحتى حين فكّر في الزّواج بعد أن توفيت أمه، صدمه مرزوق بتأكيده أنّ ذلك مستحيل؛ ليستسلم لقدَره السّوداوي الصامت دون أمل. فصار يعيش مثل “ظلّ” لمرزوق، يصغي إلى أحداث حياته السابقة ومغامراته المحفوفة بالمخاطر والمليئة وقائع وإثارات. هناك حياة مرزوق التي تتحرك في معظم فصول الرواية، والذي ظل، بين رشفة من كأس قهوة أو “سكوتش”، يروي لعثمان كل تفاصيل ماضيه، الذي يتناوب عليه الصوت المباشر لمرزوق، أو ينوب عنه صوت السارد العليم.
وكان ضمن هذه الذكريات لقاؤه بالمناضل السياسي في السجن الذي زُجّ بمرزوق فيه إثر قصّة حب لفتاة كان يرغب في الزواج منها، لكنها زُوجت، بسبب فاقته، لشخص آخر، لتتحوّل حياة مرزوق نحو الكدّ والكدح والتشبّث بالمبادئ، بتوجيه من المناضل الذي التقاه في السجن.
ورغم أن هذه الـ”نوفيلا” صغيرة الحجم (لا تتجاوز 10 آلاف كلمة) فإن “ذاكرة الكورفيدا” منسوجة بلغة يتناوب في تقديمها الوصفُ والحدث. ولأنّ مبدعها هو في الأساس قاصّ وهذه روايته الأولى أو “خروجه” الأول من عالم القصّة، بما تعني من اختزال وتكثيف، إلى عالم الرواية، بما يعني من توسّع وتفصيل، فإنها ظلت مشدودة، في كثير من تفاصيلها، إلى الاختزال والتكثيف، خاصة في عرض أحداث الذاكرة. ففي حين نلحظ وقفات وصْفية اطول في ما يتعلق بحاضر الشخصيات ، تثير انتباهَنا إشارات “خاطفة” إلى ماضيها.
في حياة شخصيتين، إحداهما تتحرك صامتة في الآني ” عثمان” وأخرى تستدعي الماضي ” مرزوق”، ولكنهما تشتركان في أنهما معا تمرّغا في أردان التعاسة، ولا يعنيهما كل ما يحدث حولهما:
“صوت المذياع المرتفع، كان يصل إلى حدود باب السور؛ عندما دلفا، وهو يبث النشرة الاقتصادية، كان المذيع يتلو أسعار النفط لهذا اليوم وحركة الأسهم:
-ارتفع أو ونزل، لا يعنينا الأمر. غمغم مرزوق بتبرم” (ص 49)
من حيث الموضوع وزمنيته، يمكن إدراج رواية “ذاكرة الكورفيدا” في نسق روايات الذاكرة السياسية، وإن كانت لم تنصعْ للإغراءات التعريفية لتلك المرحلة، بقدْر ما حاول مبدعها أن يستثمر التجربة التاريخية ليصوغ مادة أدبية تتوزّع بين ضوء الخيال ووقائع التاريخ، الذي لا تسميه بقدْر ما توحي به وتُحاوره بلاغيا، أي أنها تعاملت مع الذاكرة والتاريخ جماليا أكثر منه معلوماتيا و إخباريا. وهي بذلك تندرج ضمن “الموجة الثانية” في هذا السياق، ويمكن هنا كذلك إضافة رواية “الباغ” لبشرى خلفان، لما تتميز به من فنيات عالية في استثمار ثيمات الذاكرة السياسية. فبعدما كانت الموجة الأولى مشغولة بإنطاق المسكوت وتقديم إبدالات للوثيقة الرسيمة، انبرت روايات الموجة التالية في هذا السياق إلى محاورة أكثر بلاغة وتورية، شاحذة إمكانات الخيال واللغة لقول التاريخ والذاكرة الجمعية بصيغ أدبية جديدة.

Hits: 25

عن الكاتب

محمود الرحبي

كاتب عماني

اترك تعليقاً