العاشر بعد المئة ترجمات سياسة

انفجار بيروت: ما الذي يمكن أن تقدّمه فرنسا للبنان؟

تحرير وترجمة: فراس التوبي

المقال الأصلي: لفريدريك شاريون، أستاذ العلوم السياسية بجامعة كليرمونت فيراند (فرنسا).

https://theconversation.com/au-chevet-de-beyrouth-que-peut-la-france-pour-le-liban-144100

وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى العاصمة اللبنانية بيروت يوم الخميس 6 آب / أغسطس للإدلاء بشهادته على صداقة فرنسا لأرض شجرة الأرز بعد مأساة أخرى في “هذا البلد الحبيب”، على حدّ تعبير الصحفي الفرنسي جان دومينيك ميرشنت.

حدث انفجار مرفأ بيروت صنع «الصفحة الأولى» لوسائل الإعلام الفرنسية، وحرّكها ككل مرة عندما تحدث مأساة في لبنان؛ فلماذا تمسّ لبنان الفرنسيين كثيرا؟

الروابط التاريخية لفرنسا مع هذا البلد معروفة جيداً: “لبنان عائلة فرنسا” كما يلخصها وزير الخارجية جان إيف لودريان، أو كما قال الرئيس الفرنسي لدى وصوله لبيروت “لأنها لبنان، لأنها فرنسا”.

مصالح فرنسية عريقة

اهتمام ماكرون بلبنان ليس بالشيء الجديد؛ فلقد قام بزيارته خلال حملته الانتخابية في كانون الثاني (يناير) 2017 ، يظهر هذا الاهتمام أيضا بالتعيينات المهمة التي قام بها (على رأس المديرية العامة للأمن العام على سبيل المثال) بضم العديد من الدبلوماسيين الذين كانوا في مهمات في سفارة فرنسا في بيروت.

لكن، وبعيدًا عن كلمات التضامن، فإن الضعف المزدوج للغرب واللبنانيين أمام تجاوز صعاب هذا البلد قد حوّل منذ فترة طويلة المشاعر إلى حنين مزعج، بدلاً من تحويلها إلى محركات للعمل. “ساعدونا على مساعدتكم، اللعنة!”، صرّح مؤخرًا وزير الخارجية جان إيف لودريان، موجّهًا كلامه لهذه الدولة الغارقة في أزمات متعددة.

ونتذكر أيضا كتاب الصحفي البريطاني روبرت فيسك عن الحرب الأهلية اللبنانية، Pity the Nation، الذي نُشر عام 1990. فبعد ثلاثين عامًا، هل ما زلنا نشفق على “لبنان المسكين”. هل من الممكن أخيرًا هذه المرة المضي قدمًا؟

إن العاطفة ما زالت حيّة اليوم، وما يزال من الضروري فكّ شفرات ينابيعها: فلبنان يحرّكنا لأسباب نبيلة بلا شك؛ لكن من المستحسن أن نكون قادرين على ترجمة هذه المشاعر سياسياً وبفاعلية، حتى ولم يكن هذا هو الحال.

فما الذي يمكن أن تفعله فرنسا من الآن فصاعدًا في مواجهة “المفترسين” العالميين الكبار الذين لن يتوانوا عن متابعة “جراح” بيروت باهتمام؟ ما الآمال المتبقية لنا للترويج لفكرة معينة عن لبنان، وأيها بالضبط؟

عنف لبنان

تعود الأحداث اللبنانية على الفور إلى أعلى مستوى من الإعلام وصنع القرار السياسي في فرنسا. يصف دبلوماسي فرنسي هذا الاهتمام بأنه: “يمكن إيقاظ رئيس الجمهورية في منتصف الليل من أجل لبنان، هناك أسباب جيوسياسيّة لذلك ”.

تعرف فرنسا عنف لبنان جيدا: هي نفسها دفعت الثمن باغتيال سفيرها لويس ديلاماري عام 1981، أو بالهجوم على مقر القوات الفرنسية عام 1983، أو الإختطافات التي كان أشهرها اختفاء الباحث السوسيولوجي ميشال سورات الذي لم يعد أبدا.

مختبر دائم لعلاقات القوى الإقليمية

ما تزال البلاد أيضًا مختبرًا تجريبيًا دائمًا للصراعات على النفوذ الإقليمي وعلى عكس القوى الأخرى التي ترى لبنان بوصفه معيارًا للمصالح السورية، تميل باريس إلى رؤية سوريا باعتبارها معيارًا للرهان اللبناني. وخارج لبنان، الذي يضمّ بانتظام العديد من الوزراء ذوي الجنسية المزدوجة الفرنسية اللبنانية، هناك منطقة البحر الأبيض المتوسط ​​والعالم العربي، هذا الجوار الاستراتيجي المزدوج الحاسم بالنسبة للدولة الفرنسية.

وهناك أيضًا أسباب عاطفية ولكنها عقلانية. وإذا ظل اللبنانيون قريبين من فرنسا؛ فهذا يعني أيضًا أن فرنسا تحتفظ، بفضلهم، بقليل من النفوذ أو على الأقل الرؤية في شرق البحر المتوسط.

النفوذ الفرنسي في الشرق الأوسط

تثير لبنان مسألة المسيحيين الشرقيين التي تشغل بال باريس؛ إذ لطالما إتهمت قوى إقليمية أخرى أو أحزاب لبنانية مثل حزب الله فرنسا بطموحها لرؤية لبنان قطرا مسيحيّا فريدا. لكن هذه الحجة لا تصمد؛ فلم تتعرض الصداقة الفرنسية اللبنانية لإنتقادات كما كانت عندما جسدها جاك شيراك ورفيق الحريري، الذي كان سنيًّا.

من ناحية أخرى، يُنظر إلى هذا السؤال على أنه مشروع في باريس، ليس باسم الطائفية؛ بل على العكس من ذلك، باسم الإنسانية العالمية؛ لذلك تعتقد فرنسا أنه ليس عليها تخبئة الدفاع عن الأقليات المضطهدة؛ ولذلك فهي تدافع عن مسيحيي الشرق الذين تعرضوا لسوء المعاملة اليوم، كما دافعت من قبل عن مسلمي كوسوفو في أواخر التسعينيات، أو عن الروهينجا لاحقًا.

قوة العاطفة

أخيرًا، هناك أسباب عاطفية أقل عقلانية، فلبنان الماضي قبل الحرب الأهلية يمثّل “سويسرا الشرق الأوسط” التي كان لديها كلّ شيء لتكون سعيدة، لا تخلو من المراسلات، في اللاوعي السياسي، مع فقدان القوة في أوروبا، مع ماضٍ أكثر ازدهارًا، ولا مع الشكوك التي تساور فرنسا اليوم حول تراجعها وضعفها الداخلي.
لذلك ليس من المستغرب أن نرى الوضع الحالي في بيروت يعطي باريس رغبات للبدء من جديد والخروج من الرماد، ليتم تحقيق ذلك معًا.

نقص الموارد الفرنسية في الشرق الأوسط على الرغم من التصميم المتجدد تحت قيادة كل رئيس للجمهورية الخامسة، ورحيل الغربيين تحت عنف الضربات في الثمانينيات، والتقدم الاستراتيجي لإيران التي استطاعت الاعتماد على أخطاء أمريكية لا حصر لها (خاصة في العراق)، تثير الآن مشاعر الرغبة في إعادة السيطرة على الأمور في المنطقة.
خاصة وأن البلدين، من خلال العديد من العلاقات بين الأشخاص والثقافات، يواصلان استحضارهما معا، دون توقف، هذه الجنة المفقودة.

زمن الافتراس

من خلال الإشادة به في بيروت وانتقاده الطبقة السياسية اللبنانية علناً، سيثير إيمانويل ماكرون حتماً رد فعل إيراني لا يقدر معها أن يرى نفسه يحرك البيدق من خلال عملية سياسيّة إعلامية ناجحة، التي تذكرنا بـ شعبية جاك شيراك في نفس المنطقة قبل ربع قرن. لكن طهران تحافظ على رجالاتها وشبكاتها، وبالطبع على قوة حزب الله اللبناني الشيعي على الأرض.

يُثار تساؤل أيضا عن ماذا سيكون موقف السعودية والإمارات وإسرائيل؟ وكذلك روسيا، الموجودة في المنطقة في كل مكان الآن من خلال النظام السوري المحتضر ولكنه مازال على قيد الحياة. فلاديمير بوتين سيكون على الأرجح حذرًا للغاية من الدخول في فخ آخر في الشرق الأوسط؛ إلا أنه لن يعطي مساحة لأي رغبة أوروبية لاستعادة السيطرة في بلاد الشام.

أخيرًا، يمكن للصين، التي تحتاج إلى مسارات للوصول للبحر الأبيض المتوسط ​​لإنجاح مشروعها ”طريق الحرير ” أن تلج إلى البلاد، عبر مساعدات طارئة، وهي مبالغ سيستفيد منها الأوروبيون أنفسهم من خلال تقليل دعمهم المالي الموجه للبنان، وهم أنفسهم يعانون أمام الأزمة الصحية؛ لكن أجندة بكين ليست أجندة فرنسا. فالعادة الصينية، مثل روسيا، في دعم الحكومات لتقديم تنازلات، وليس لدفعها إلى الإصلاح.

لفتة ماهرة من إيمانويل ماكرون

تظل رحلة إيمانويل ماكرون إلى لبنان خطوة سياسيّة ذكية في حد ذاتها. فهي أول زيارة يقوم بها زعيم أجنبي بعد كارثة 4 أغسطس، وهي قوية رمزيا. الأولوية للسكان وزيارة موقع الانفجار، وليس الطبقة السياسية، وخطابه ذو النبرة الحازمة تجاه هذه الطبقة تتوافق مع التوقعات الشعبية للبنانيين.

وعد إيمانويل ماكرون بتقديم مساعدة لوجستية عامة وخاصة إضافية، تنوي فرنسا تنظيمها، بما في ذلك على المستوى الدولي، مع الاتحاد الأوروبي. وأشار إلى مؤتمر دعم دولي، ومساعدة مباشرة للجهات الفاعلة على الفور، “دون أي تحويل ممكن”، ودعم “نظام سياسي جديد”، و”عمليات الشفافية الأساسية”. وتعبيره عن عدم التعامل مع “الأنظمة التي لم تعد تتمتع بثقة شعبها” والتي يرفض منحها “شيكًا على بياض”.
ومع ذلك؛ فإن قوى دولية أو عابرة للحدود لا تنوي بالضبط إعادة “تفويض لبناني” إلى فرنسا وهي تتناسق مع القوى الداخلية. لدى لبنان تقليد في مناشدة القوى الخارجية للتغلب على منافسيه على المستوى المحلي: في هذا الصدد، تظل مفاهيم المصلحة الوطنية والصالح العام افتراضية للغاية على مستوى الطبقة السياسية. ومع ذلك، هناك آمال يجب تغذيتها من خلال توضيح عدد من القضايا الصعبة ولكن الحاسمة.

شعب قوي وقائم

الأمل الرئيس هو أن لبنان حيّ ومتجدد على الدوام من خلال شعبه الذي كان حاضرًا من خلال مظاهرة 14 آذار 2005 التي أعقبت اغتيال رفيق الحريري. وكذلك كان، قبل الأزمة الصحية، عندما دعت حركات احتجاجية كبيرة وهادئة، في كثير من الأحيان، إلى تجديد كامل للنظام السياسي ولم يعد من السهل التلاعب على هذا الشعب من خلال زرع بذور الانقسام.

الشباب اللبناني والمرأة اللبنانية والمدونون والمثقفون، كل هذه الشرائح أصبحت أساسية في المجتمع المدني، وقد برزت بقوة منذ الانتفاضات العربية عام 2011 ، ولم تعد تنخدع. ومع ذلك؛ لمساعدتهم، يجب توخي الحذر ويجب تجنب الأخطاء.

هل “صراحة خطاب” ماكرون تكفي؟

أولاً، ما الفاصل المتاح أمام “قول الحقيقة” ؟

من خلال طرح المشاكل بأسلوب معين وليس بدبلوماسية كافية (استحضار الفساد وبطء التطور)، فإن الرئيس الفرنسي يخاطر كثيرا. سوف يُتهم بالمستعمِر الجديد. يتعين علينا كذلك إعداد إجابات، والتفكير في هذا السؤال: ما المخاطر التي نتحملها في فصل الناس عن قادتهم؟ بالإضافة إلى إقامة مؤتمر صحفي أمام مجتمع صحفي لبناني لا سيما الناطقين بالفرنسية، وينتهي بـ “اتهام حزب الله” وداخل السفارة الفرنسية، مع إشارة واضحة إلى الارتباط بين حزب الله وإيران، وكذلك إلى “الخضوع لقوة خارجية” هو تمرين من المرجح أن يؤدي إلى ردود فعل.

الأكيد أن في دولة معقدة متعددة الطوائف لا يمكن إقصاء أية واحدة منها، لكن تجاوزها لإيجاد عمل جماعي من أجل لبنان فقط، هو شرط لا غنى عنه، لا سيما من خلال إعادة اختراع ميثاق اجتماعي. وهذا يتطلب تجديدًا للطبقة السياسية، التي يجب ألا تقع في دائرة الانتقام، ومؤتمرات دولية أكثر فاعلية ومساعدات، تعتمد حقًا على الإرادة السياسية التي تنبثق من الشارع.

Hits: 8

عن الكاتب

فراس التوبي

اترك تعليقاً