آنريكه- بيلا ماتاس: تاريخ موجز للأدب المحمول

كتب بواسطة أحمد الزناتي

هو الكاتب الإسباني إنريكه بيلا ماتاس. من مواليد 31 مارس 1948 في مدينة برشلونة. حظيتْ أعماله باستقبال عالمي واسع، وتُرجمت إلى ما يزيد على ثلاثين لغة من بينها اللغة العربية، حيث تُرجم له عملان: بارتليبي وأصحابه (بترجمة عبد الهادي سعدون) ومستكشفو الهاوية للمترجم المصري أحمد مجدي منجود.
يوصف ماتاس في الأوساط الأدبية الأوروبية بأنه بطل الوزن الثقيل في أدب المفارقات ورائد الكتابة الطفيلية وعراب الجيل الطليعي الإسباني وحامل شعلة الحداثة. اشتُهرت أعماله بالتناصّ المكثف مع نصوص أدبية الأخرى كتبها عمالقة الأدب الأوروبي من أمثال بيكيت وجيمس جويس وروبرت فالسر، وكذلك الرسم بحرية من تفاصيل حياته الغريبة. تحوم كتبه حول بقعة ما بين انتحال سِيَر الكُتاب الآخرين والسيرة الذاتية الشخصية. تتراوح نصوصه بين المقال الأدبي والرواية والسيرة الذاتية. حاز ماتاس العديد على العدي من الجوائز الأدبية: «جائزة ميديثيس» 2003، «رومولو غاييغو» 2001، جائزة «هيرالدي» 2002، الجائزة الوطنية للنقد 2002، جائزة «مدينة برشلونة» 2001، الجائزة الدولية «إنيو فلايانو» 2006، وجائزة مؤسَّسة «خوسيه مانويل لارا» 2006 وغيرها.
في الخطاب الذي ألقاه ماتاس بمناسبة حصوله على جائزة معرض كتاب جوادالاخار في المكسيك سنة 2015، تحدّث ماتاس عن أزمة نضوب الأفكار قائلًا:

“بدا لي أنّ كل كتاب ألّفته كان يـقـرّبني شيئًا فشيئًا من نقطة التوقف عن الكتابة، مثل من يخطو بهدوء نحو طريقٍ مسدودة، ثمّ يُطرح السؤال المعتاد: ماذا بعد؟ كنت أظن أن الموضوع منتهٍ، مررت بأوقات عصيبة حاولت فيها اجتياز تلك الطريق، ولم يخذلني الحظّ يومًا، ففي اللحظات الأخيرة كنت أتـنبّه إلى أن الذكاء هو معرفة كيفية إيجاد فجوة صغيرة يمكن من خلالها الهروب من الفخّ. الحقيقة أنني في كل مرّة كنت أعـثـر- وبمحض الصدفة -على ثغرة صغـيرة جدًا تجوز بي إلى الضفة الأخرى، لأجـد طريقي بعدها للعمل على شيء جديد.”

يقول ماتاس إنّ فكرة النقطة الميّتة كانت المحرّك الأساسي لكتابة أي عمل جديد، عمل يتسمّ بالتجديد والتجريب. يحكي ماتاس عن لقائه بأديب تشيلي الكبير روبرتو بولانيو سنة 2001، حيث تحدّثا فيه عن مستقبل الرواية والكتابة، أخبره بولانيو أنّ ذلك النوع من السرد الروائي القائم على الحبكة والمسار الواضح لنموّ الأحداث كان شيئًا جيدًا في القرن التاسع عشر، وليس اليوم. وربما بعد كلمة بولانيو تأكّدت وجهة نظر ماتاس فيما كتب، أي في الخطّ السردي المغاير الذي اختاره منذ بداياته الأولى في السبعينيات.
الفقرة السابقة من كلمة ماتاس هي تعبير عن أزمة الرجل في مقاربة أشكال فنيّة وسردية جديدة، يعبّر من خلالها عما يودّ قوله، وربما كانت هذه النقطة الميّتة التي تحدّث عنها ماتاس هي التي دفعته لتطوير أشكال سردية مغايرة.

كتب ماتاس عمليْن شهيرين قارب فيهما أشكالًا فنيّة جديدة، هما كتاب “بارتلبي وأصحابه”، الذي تناول فيه موضوع حُبسة الكتابة، أو كتاب “الـلا”، أي الكُتّاب الذين توقفوا عن الكتابة للأبد لأسبابٍ غامضة. ثمّ كتابه المُترجم حديثًا إلى الإنجليزية “تاريخ موجز للأدب المتنــقّل”، الصادر بترجمة توم بانستيد وآن ماكليين عن دار نشر New Directions Publishing الأمريكية سنة 2015.
الكتاب حلقة أخرى في حلقات الكتب المُـتـخيلة التي تنسج حكايتها من خيوط شخصيات تاريخية حقيقية، التي بدأها مارسيل شواب وطورّها وبورخيس وإيكو. في هذا العمل القصير (86 صفحة في الترجمة الإنجليزية)، يُذيب ماتاس الفواصل بين الخيال التاريخي وأدب المغامرات وأدب السيرة الذاتية، فيكتب عن تاريخ مجتمع سريّ، أسماه مجتمع “الشانديز”، نسبة إلى راوية الأديب الآيرلندي توماس شتيرن الطويلة والمعقدة تريستام شاندي. يضمّ هذا المجتمع مجموعة من الأدباء والفنانين الذين عاشوا في أوائل القرن الماضي في أوروبا، من بينهم مارسيل دوتشامب، كراولي، جومبوفيتش، دالي، بورخيس، جيمس جويس، سيلين، فالتر بينيامين، لوركا وغيرهم. يلتقي “أهل الشاندي” في شقق سرّية، وكافيهات، وفنادق موزّعة في كافة أنحاء أوروبا، محاولين وضع تعريف لأدبٍ جديد، هو الأدب المُتنقّل.
يُــصــدَّر ماتاس كتابه باقتباس للشاعر الفرنسي بول فاليري يقول فيه:”..صديقي العزيز..الوصول إلى المُطلق ليس مستحيلًا، إنه ضرب من ضروب الكتابة، فالعالم موجود بحقٍ فوق الأوراق”.

على هامش الصفحة الرابعة من الكتاب، يـعـرَّف ماتاس مجتمع “الشاندي” السريّ الذي تدور حوله أجواء الحكاية، فيقول أن كلمة “شاندي” مأخوذة من إحدى اللهجات المحلية المستعملة في أحد ضواحي يوركشاير حيث عاش توماس شتيرن مؤلّف رواية تريستام شاندي، وقد تعني الكلمة أيضًا كل ما هو “مُبهج” و”لعوب” و”مجنون”، بداية مُبشّرة، روح بورخيس ترفرف على صفحات الكتاب، بل وداخله حيث نرى بورخيس حاضرًا كأحد أعضاء رابطة الشاندي. التجريب واضح، ومشغول بنكهة سردية تمزج بين الخـيال والفكاهة في نقدها المُبطّن للكليشيهات الأدبية والتصنيفات الجاهزة.
ما الأدب المتنقّل الذي قصده ماتاس في كتابه؟ لا يقدّم الكتاب إجابة واضحةً صريحة عن هذا السؤال. فالإشارات الواردة أثناء حوار الشخصيات تشير إلى أنّه الأدب غير المُثبت في سجلات رسمية، الأفكار المُخزّنة في عقول أصاحبها “المجانين”، الأفكار والشذرات المحفوظة فوق قصاصاتٍ في حقيبة يـدٍ صغيرة يحملها أصحابها، منتقلين من مكان لآخر، الأدب الذي ينبغي أن يُعاش أولًا كي يُكتب. أهل الشاندي مهووسون بفكرة حــمـلِ إبداعاتهم وإنتاجهم الأدبي أينما ارتحلوا، ففكرة الاستقرار في مكانٍ واحد تكشف عن هوياتهم الحقيقية، ونقصد عنا الهويات الأدبية لا الذاتية، بينما تتيح فكرة التنقل المستمر جـعلهم غير قابلين للتعقّب أو الحصر داخل أُطرٍ بعينها. في إحدى فقرات الكتاب نقرأ عبارةً على لسان الرواي يتكلّم فيها عن الشاعر والممثل الروماني- الفرنسي تريستان تسارا تقول: “اكتشفتُ أنّ تسارا قد بدأ كتابة الأدب المتنقّل، وهو ذلك النوع من الأدب الذي يتسمّ بأنه لا يملك نظامًا محددًا يميز ملامحه، مجرد أسلوب حياة وتذوّق للفنّ، الأدب الذي قوامه حياةٌ مَـعـيـشة أكثر منه أدب مكتوب”. يجتمع “أهل الشاندي” أيضًا لمناقشة هذه اللحظة الغامضة، لكن النتائج التي يخلصون إليها تبقى غير مُعلنة، متروكةً لخيال القارئ.

في هذا الكتاب يحتفي ماتاس بثراء فكرة الأدب والكتابة، فالأدب لا يفنى، وسيظل هناك دائمًا كُتّاب يؤلفون ويكتبون، مؤكدًا أنّ عدم خضوع كاتب ما للتمييز الحادّ بين الأجناس يشكّل دليلًا على أصالة فنيّة لديه، يقول ماتاس: “الأهمية للكتاب وحده، على ما هو عليه، بعيدًا عن الأجناس وخارج حدود العناوين. لم يعد الكتاب ينتمي إلى جنس أدبي، فكل كتاب ينتمي إلى الأدب وحده”.

أدب الحادي عشر بعد المئة العدد الأخير

عن الكاتب

أحمد الزناتي

اترك تعليقاً