منهج البحث في القرآن الكريم

ومنهج (السير في الأرض والنظر) هو الذي فهمه وتفاعل معه علماء الطبيعيات المسلمين كجابر بن حيان والخوارزمي والفارابي وابن سينا وابن رشد وابن الهيثم وغيرهم، وقدموا للحضارة الإنسانية الكثير من النظريات والاكتشافات؛ التي ساهمت من بعد في بناء النهضة الأوروبية الحديثة، والتي يتنكر الأوروبيون لدور علماء المسلمين وفلاسفتهم فيها.

quran2

أمرنا القرآن بالسير في الأرض والنظر في: بدء الخلق، وفي النفس، وفي الأرض، وفي عاقبة الذين كانوا من قبلنا:

)قلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ) العنكبوت:20

)قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) آل عمران:137

)قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ( الأنعام:11

(قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) النمل:69

(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ) يوسف:109

(أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) الحج:46

والأمر بالسير في الأرض والنظر يمثل قوام منهج البحث، فهو ليس بحثاً نظرياً مجرداً، بل بحث يستند إلى حقائق وبيانات مستمدة من الواقع، وضربت أمثلة له في القرآن من خلال الدعوة إلى النظر في بدء الخلق وفي عاقبة المكذبين وفيما خلق الله.

وهذا البحث يعمل في منطقة عالم الشهادة أو ما تسمى بمنطقة البحث الكوني، أما حقائق الغيب فتؤخذ من نصوص الوحي المقطوع به، دون تلك الآثار المروية بمختلف أنواعها والتي تحاول أن تلصق نفسها بمنطقة الغيب.

سيروا في الأرض فانظروا

جاء الأمر بالسير في الأرض والنظر في القرآن الكريم ليكون منهج تفكير يحكم محيطنا الطبيعي والاجتماعي، ولو جئنا لقراءة هذه النصوص وما تكتنزه من دلالات:

(قلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ)…والسير في الأرض يعني دراسة الظواهر الطبيعية والاجتماعية، وما يقتضيه ذلك من ملاحظة الظواهر وقيام بالتجارب وجمع للبيانات وتنظيمها.

(فانظروا)… بعد السير في الأرض يأتي النظر، وهو التفكر العميق، وما يقتضيه ذلك من تحليل للبيانات المتحصلة من السير في الأرض، واكتشاف العلاقات بين الظواهر المختلفة، وتعليلها، واستخلاص النتائج منها، ولذلك جاء قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) الحج:46 ذاماً أولئك الذين لم يستعملوا عقولهم في دراسة الظواهر المتحصلة من السير في الأرض لسلوك طريق الإيمان، وكذلك في قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ) يوسف:109 بعد الدعوة للسير في الأرض والنظر في عاقبة المكذبين ختمت الآية باستفهام داع إلى التعقل في هذا المنهج.

ومنهج (السير في الأرض والنظر) هو الذي فهمه وتفاعل معه علماء الطبيعيات المسلمين كجابر بن حيان والخوارزمي والفارابي وابن سينا وابن رشد وابن الهيثم وغيرهم، وقدموا للحضارة الإنسانية الكثير من النظريات والاكتشافات؛ التي ساهمت من بعد في بناء النهضة الأوروبية الحديثة، والتي يتنكر الأوروبيون لدور علماء المسلمين وفلاسفتهم فيها.

السير في الأرض والنظر في تكامل مع اللغة

وفقاً لأفكار سادت ردحاً من الزمن ظن الكثير من المشتغلين بدراسة نصوص القرآن الكريم أن فهم النص القرآني يتوقف حصرياً على اللغة وأساليبها بالإضافة إلى النصوص الروائية، وأغفل بشكل شبه كامل منهج السير في الأرض والنظر ودوره في فهم النص القرآني.

الحقيقة أنه لابد لنا من ترتيب منطقي لهذه الآلات حتى نتوصل إلى فهم أفضل لكتاب الله، فاللغة هي وعاء الكتاب العزيز؛ فلابد من فهم أساليبها لفهم القرآن، والخروج عن مقتضياتها هو خروج عن قصد القرآن، لكن اللغة وحدها لا تكفي لفك مغاليق النص القرآني، بل لابد من إعمال منهج السير في الأرض والنظر حتى تتكامل الرؤية؛ وإلا كان الفهم ناقصاً أحياناً أو مشوهاً أحياناً أخرى.

لذلك تكرر الأمر في القرآن بالدعوة للسير في الأرض والنظر، ولو كانت اللغة كافية لوحدها لما كان لهذه الدعوة من فائدة تذكر، وقد وعد الله سبحانه بأن يُريَ تجليات آياته (=التشريعية والتكوينية) في الخلق بمفرداته (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) فصلت: ٥٣  وهذا التجلي لآيات الله التشريعية والتكوينية لا يتأتى إلا بالسير في الأرض والنظر.

tamul

السير في الأرض والنظر في تكامل مع النص

من أتون صراعات التاريخ ظهرت دعوات صورت تنافراً وصراعاً وهمياً بين نصوص الشرع والسير في الأرض والنظر؛ الذي رُمز له بالعقل، واتخذت العملية منحى أيهما يُقدم: العقل أو الشرع؟، وهو تساؤل في غاية الغرابة يعكس سوء فهم لدائرة الوحي (=نصوص الشرع) والسير في الأرض والنظر، فهما لا يعملان في دائرتين مختلفتين حتى نقدم هذا أو ذاك، بل (حجة العقل من تأويل كتاب الله تبارك وتعالى) كما قال أبو سعيد الكدمي، المعتبر، ج1 ص14. وكذلك فإن (التعبد مأخوذ من عقل متبوع وشرع مسموع، فالعقل متبوع فيما لا يمنع منه الشرع، والشرع مسموع ما لم يمنع منه العقل) كما يرى عبدالله بن بشير الصحاري، الكوكب الدري والجوهر البري، ج1 ص47، وأيضاً فإن (معرفة التكليف تدرك من وجهين: أحدهما: العقل، والثاني: السمع) الملشوطي، الأدلة والبيان، ص36، فليس هناك سوى نص معقول وعقل منصوص كما قال عبدالجواد ياسين في كتابه السلطة في الإسلام.

ولذلك جاءت الدعوة للتعقل في التعامل مع آيات الله التشريعية والتكوينية على السواء

– قال تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم، وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون) البقرة:240-242.

– قال تعالى: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون) الأنعام:151.

– قال تعالى: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبآئكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون) النور:61.

– قال تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ومآ أنزل الله من السمآء من مآء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السمآء والأرض لآيات لقوم يعقلون) البقرة:161 .

– قال تعالى: (وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض في الاكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) الرعد: 4.

– قال تعالى: (وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) النحل:12 .

– قال تعالى: (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً إن في ذلك لآية لقوم يعقلون) النحل:67.

– قال تعالى: (ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) الروم:24.

السير في الأرض والنظر في حياة النبي

قال الله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) آل عمران:164

(روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: “الحكمة: العلم بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومقدمه ومؤخره، وأمثاله وأقسامه، وعبره وقصصه، وحلاله وحرامه”. وقال قوم: هو علم على فقه، فكل من وجد منه فعل محكم ومتقن فهو حكيم وفعله حكمة). الملشوطي، الأدلة والبيان، ص51، فالنبي عليه السلام كان يُنزِّل القرآن في واقع الناس، وهذه هي الحكمة التي علمنا إياها المصطفى عليه الصلاة والسلام، فلم يكن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم مبلغاً للقرآن فحسب، بل كان مفعلاً له في واقع الحياة من خلال تطبيقه على الوقائع والحوادث المتجددة.

وكان في تعليمه عليه السلام للحكمة يطبق منهج السير في الأرض والنظر بحسب ما تقتضيه طبيعة المكان والزمان، وفي هذه العجالة أعرض نماذج من تطبيق النبي عليه السلام وصحابته الكرام لمنهج السير في الأرض والنظر:

1. روى الربيع (525) من طريق السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أخبرتني جدامة بنت وهب الأسدية أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك، ولا يضر بأولادهم شيئاً).

قال الربيع: (الغيلة حمل المرأة وهي ترضع).

فالرسول صلى الله عليه وسلم بناء على السير في الأرض والنظر في بيئته همَّ أن ينهى عن الغيلة (=حمل المرأة وهي ترضع)، لكنه رأى أمماً كفارس والروم لديها تراكم معرفي أوسع من السير في الأرض والنظر يفعلون ذلك  (=أي الغيلة) ولا يضر أولاهم شيئاً، فلم ينه عنها.

2. وكذلك الأمر بالنسبة لصحابة النبي عليه السلام في استخراجهم للحكمة من كتاب الله، فقد روى الربيع (649 )عن ابن عباس؛ في قصة الطاعون الذي أصاب الشام، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام لقيه أمراء الأجناد؛ وأخبروه أن الوباء وقع في أرض الشام، فاختلفوا فقال بعضهم: خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه. وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء.

فشاور عمر المهاجرين الأولين، فاختلفوا.

فقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء.

ثم دعا عمر الأنصار. فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم.

ثم دعا مشيخة قريش ومهاجرة الفتح. فدعوتهم فلم يختلف عليه منهم رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء.

فجاء عبدالرحمن بن عوف وكان متغيباً في بعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا علماً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه).

فحمد الله َ عمرُ وأثنى عليه، ثم انصرف.

والسؤال الذي يلح في الذهن:

ماذا لو لم تظهر رواية عبدالرحمن بن عوف؟ هل النصوص الأخرى للشريعة وبالأخص النصوص الثابتة المستقرة يمكن أن تسعف الناس بحل هذه القضية؟.

والرأي المختار أنه:

لو لم تظهر تلك الرواية التي أخبرهم بها كانوا سيُعمِلون منهج السير في الأرض والنظر بضرورة توقي الوباء ومحاصرته (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ) يونس:101، ومن المعلوم من أدلة الشريعة أن الإقدام على التهلكة محرم (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) البقرة: 195، وهذا الذي قاموا به قبل وصول عبدالرحمن بن عوف عن طريق سلسلة من المشاورات.

وعدم علم هذا الجمّ الغفير من الصحابة من المهاجرين والأنصار وغيرهم بشيء يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم في المسألة مؤذن بعدم حرص النبي صلى الله عليه وسلّم على تبليغ الأمر للأمة؛ اعتماداً على أصول الشريعة العامة وقواعدها الكلية التي تسعف الناس بالحلول المتجددة عبر الزمان والمكان، وفتح المجال للناس لاكتشاف أسرار الكون ونواميسه لحل مثل هذه القضايا بالسير في الأرض والنظر.

أما عن تسليم الجميع لخبر عبدالرحمن بن عوف في الوباء فيرجع إلى أمرين اثنين:

– أن الخبر جاء موافقاً لأصول الشريعة العامة وقواعدها الكلية، فهي تحرّم الإقدام على قتل النفس وإلقائها في التهلكة.

– أن الخبر جاء موافقاً لرأي أهل الخبرة والتجربة في سيرهم في الأرض والنظر، وليس الأمر أن الخبر يقبل هكذا دون ضوابط ودون رجعه إلى أصوله من أدلة الشريعة.

العدد السابع ثقافة وفكر

عن الكاتب

خالد بن مبارك الوهيبي

اترك تعليقاً