أدب أوبار مرة أخرى: قراءة في كتاب “الطريق إلى اوبار “

لـ

ubar-shasr

ما اعنيه بأدب اوبار هو مجموعة الكتب و التحقيقات الصحفية و صفحات الانترنت ( و حتى الأفلام ) التي موضوعها موقع الشصر الأثري الذي يقع زهاء سبعين كيلومترا شمال مدينة ثمريت في محافظة ظفار جنوب السلطنة. فوكالة الفضاء ناسا ،على سبيل المثال ،خصصت رابطا على موقعها الضخم في الانترنت لهذا الاكتشاف تحت عنوان البحث عن اوبار : كيف قادت تقانة الاستشعار من بعد إلى اكتشاف مدينة مفقودة . الموقع يدعي أن اوبار مذكورة في القران. بل انك إذا ما أدخلت كلمة Ubar  في محرك البحث جوجل فسيعرض لك مئات الآلاف من صفحات الانترنت فيها ذكر اوبار!

و اقصد بأدب اوبار تحديدا تلك الأعمال التي ظهرت بعد الإعلان عن هذا الاكتشاف في أوائل التسعينيات من القرن العشرين. و هو إعلان لم يخلو من الإثارة حيث طالعتنا جريدة عمان حينها بخط احمر عريض  “اكتشاف مدينة أرم …”  نقلا عن جريدة نيويورك تايمز عدد الخامس من فبراير 1992.

كما تناقلت الخبر المثير وكالات الأنباء كذلك. و ما أعقب ذلك من ضجة في أوساط المؤرخين و علماء الآثار في الجزيرة العربية الذين تحفظوا على هذا الادعاء. و هذه هي الفقرة التي وردت في الخبر التي جاء فيها ذكر أرم: ” في القران أرم ، ربما اوبار، موصوفة  بذات العماد التي لا مثيل لها في كل البلاد . لكنها حازت شهرة ومصيرا لا يختلفان عن شهرة و مصير قرى لوط في الإنجيل.  و يذكر القران أن الله دمرهم ( أي قوم عاد) بعد أن شجب حياة الذنوب التي لم يتوبوا عنها “. كما أفردت مجلة تايم   Time تحقيقا للاكتشاف في عدد 17 فبراير  1992 يدعي ” أن كتاب الإسلام القران ، الذي سمى الموقع أرم ، أثار صورة ذهنية عن فخامة ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد “.

مقارنة مع شهرته الناجمة عن التغطية التي حضي بها الموقع  في الغرب فقد وصفه كتاب عن السياحة في عمان و الإمارات العربية المتحدة  بأنه “خيبة أمل سياحية”  . فهو حقا موقع صغير جدا (100 متر* 200 متر ) لا يعدو كونه استراحة لقوافل اللبان و لكن ، على أية حال ” اكتشافا اثريا مهما” كما وصفه بعض علماء الآثار. والحقيقة أن البعثة نقبت الموقع و لم تكتشفه لأنه كان معروفا من قبل.

Road To Ubar

road to ubar

موضوع هذا المقال هو كتاب الطريق الي اوبار للأمريكي  نيكولاس كلاب  مخرج الأفلام الوثائقية المعروف الذي كان وراء البعثة التي “اكتشفت” الموقع. و الكتاب بالانجليزية و ليس له ترجمة إلى العربية.

والحق أن الكتاب سرد قصصي مشوق كتب بأسلوب أدبي رفيع.  فقد اسر اهتمامي إلى حد أني فرغت من قراءته في ليلتين متتاليتين. و لا شك أنه سيثير فضول أي شخص مولع مثلي بالخفايا التاريخية و الأثرية.

يتألف الكتاب من ثلاثة أجزاء و خاتمة تقع في 342 صفحة. يعالج الجزء الأول أسطورة اوبار في الكتابات الكلاسيكية و كتاب ألف ليلة وليلة  وكتاب معجم البلدان للحموي  و مؤلفات الرحالة المتأخرين  ، و القران الكريم على حد زعمه. كما يعرض لذكر اوبار في  خريطتي بطليموس و الإدريسي.  ويفصل الجزء الثاني أعمال الاستكشاف و التنقيب وما تمخض عنها. أما الجزء الثالث فهو تصور لنشؤ اوبار و انهيارها يغلب عليه الظن. أما الخاتمة فعن قبر هود في حضرموت.

هذا الكتاب يشترك مع سائر أدب اوبار في التكهن القائل بأن موقع الشصر هو “مدينة أرم التي ورد ذكرها في القران” . و ينفرد عنه   بالقول بعلاقة النبي هود و الموقع باليهود   . دعونا أولا نعرض لتأكيداته فيما يتعلق بالتكهن الأول ( ترجمة هذا الكاتب ):

في ص. 55 كتب المؤلف: ” مواعظ محمد التي جمعت في القران تعظم دمار أرم بواسطة إعصار كنهاية فجائية و مثيرة لقوم عاد”.

في الصفحة نفسها ” في رواية القران عن نهاية أرم العنيفة تبرز شخصيتان: الملك الدنيوي شداد و النبي هود”

ص.116 ”  الموقع ( الشصر) يكاد يكون المكان المرشح للمدينة التي جاء ذكرها في القران التي لم يخلق مثلها في البلاد”.

ص.190 ” النبي محمد، بالمناسبة، شجب الأبنية العالية. ففي حديث يتعلق بعلامات الساعة ( أي نهاية العالم) شجبها لأنها تتطاول على المساجد. و إذا أخذنا في الاعتبار عجرفة اوبار الأسطورية فليس ثمة مكان آخر يناسب الوصف لأنها معروفة بأبنيتها العالية أي أبراجها “.

ص.203 ” هنا يمثل للعيان قول القران ذات العماد، مدينة الأبراج العالية. لقد حرست أبراج اوبار الثمانية أو اكثر مصدر ماء ليس في مساحة الخمسين ألف ميل مربع المحيطة به ثمة مكان آخر مؤهل لوصف المؤرخ ياقوت الحموي لمعلم المدينة الرئيسي ” بئر وبار العظيمة” . و رغم عزلتها، هنا، كما في الأسطورة، ازدهر قوم وعاشوا عيشة رغيدة حيث طبخوا و أكلوا في آنية الحضارات الكلاسيكية”.

ص.286 ” هذا المقطع المناخي مليء بالاشتقاقات و التلميحات والمعرفة التقليدية. على سبيل المثال، الكاتب – الراوي على وعي بكراهية محمد (يقصد الرسول) الغريزية للسهام التي كانت في جزيرة العرب الوثنية أدوات للميسر و العرافة”.

يمكن ملاحظة خلطا في هذه التأكيدات. فمن ناحية فان القران لا يضم مواعظ الرسول صلى الله عليه و سلم. إذ أن مواعظ الرسول صلى الله عليه وسلم تضمها كتب الحديث المعروفة. غير انه يمكننا عذره على ذلك لأنه ليس بمسلم يفرق كما نفرق نحن المسلمين بين القران و الحديث. بيد انه ليس بعسير على القارئ العام أن يكتشف كم الأخطاء التي وردت في العبارات المقتبسة آنفا. فأولا لا يرد ذكر في القران للملك المدعو شداد (وليس في الحديث كذلك، بالمناسبة). كما أن قوله أن النبي شجب الأبنية العالية لأنها تتطاول على المساجد تحريف لحديثه صلى الله عليه وسلم المشهور عن علامات الساعة : “حين ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان”. و لا يوجد حديث واحد يشجب فيه صلى الله عليه وسلم الأبنية العالية أو يعبر فيه عن كراهيته للسهام. بل انه صلى الله عليه حث على تعليم الأولاد الرمي ونهي عن تركه بعد تعلمه. إنما النهي في القران عن الاستنباء بواسطة السهام وهي عادة شركية من عادات الجاهلية. و هذه الاغلوطات تذكرنا مجددا باخطأ المستشرقين المتكررة عندما يتعلق الآمر بالتفاصيل. إذ  يبدو أنهم لا يكلفون انفسهم عناء التحقق من هذه التفاصيل بأنفسهم و ينقلونها عن غيرهم بدون تمحيص.

غير أن المسألة الأهم التي غابت عن أدب اوبار أن عبارة ” ارم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد”  لا تشير إلى مدينة ذات أبراج و إنما  إلى قوم! فلننظر إلى قوله تعالى بدون وقفة الآية : ” الم ترى كيف فعل ربك بعاد ارم / ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد ” فيزيل الإشكال مع ملاحظة استعماله تعالى كلمة ” يخلق” هنا. هناك في كتب التفسير ما يشير إلى ذلك و الكتب التاريخية العربية الحديثة كذلك ( المدهش أن الكاتب لا يعرف عنها شيئا ). لكن يبدو أن  الأدب الاستشراقي لا يزال تحت سطوة ألف ليلة و ليلة . لا شك أن هناك دلائل تاريخية ‘ سردها المؤلف ، تشير إلى مكان تاريخي ينطبق على وصفه موقع الشصر. غير أن هذا شيء و القول انه ارم المفقودة ، أو اطلانطس الرمال ، شيء آخر.

أن القران أشار إلى أربع حقائق تاريخية و اثارية عن هلاك عاد أو عاد   أرم  . أولها   أن عاد التي هلكت هي عاد الأولى. و ثانيها أنهم عاد ارم. و ثالثها  أنهم كانوا أهل حضارة ” و تتخذون مصانع “. و رابعها أن مساكنهم كانت في الأحقاف .

التكهن الثاني: هود الإسرائيلي

التكهن الثاني عن علاقة موقع الشصر الأثري و النبي هود ببني إسرائيل أو اليهود أشار إليه  كلاب في مواضع عدة من كتابه. أهمها الفقرات التالية:

ص.64 عن جوردن نوبي خبير النصوص العربية الأولى ” أثار فضوله النبي هود الذي يعني أسمه ” الذي من اليهود” و هو يتساءل هل يمكن أن يكون هود إسرائيليا شجب في البرية وحده عبادة الأصنام في شبة الجزيرة العربية”.

ص 89 . ” الاسم هود مشتق من الجذر هود ” يكون يهوديا”. هذه الصلة تظهر بوضوح في لسان القران العربي حيث هود ليس فقط اسم نبي بل اسم علم لليهود عامة “.

ص 254. ” ليس بأمر غير مألوف أن يزور يهودي جوال اوبار أو أن تعتنق فئة من قوم عاد الديانة اليهودية … لاحقا، و هو أمر مؤكد، أثناء الشتات الذي أعقب السيطرة الرومانية على القدس (عام 70 بعد الميلاد)، هربت طائفة من اليهود إلى الجزيرة العربية. و بمرور السنين تكاثروا إلى حد انه في عام 520 ميلادي، في زمن هود الأسطوري، أو ربما الحقيقي، اعتلاء ملك يهودي عرش مملكة قوية في غرب الجزيرة العربية”.

و رغم انه لا شك في وجود اليهود في الجزيرة العربية و قيام مملكة يهودية في اليمن فأن التلميح إلى أن عاد ازدهروا في الفترة إلى سبقت بعثة النبي صلى الله عليه و سلم مباشرة غير مقبول من ناحية تاريخية. كما أن القول أن هود كان إسرائيليا استنتاج مبنى على اشتقاقات لغوية لا على حقائق تاريخية يمكن الاطمئنان إليها. بيد أن المؤرخين العرب قديمهم و حديثهم يجمعون أن هودا و صالحا و أقوامهما كانوا عربا من العرب البائدة .

انه لمن المستحيل تصحيح الانطباع الخاطئ عن موقع الشصر الأثري كموقع مدينة ارم المفقودة “اطلانطس الرمال ” الذي أشاعه أدب اوبار على مستوى العالم. الأمر أضحى خارج السيطرة . لكن بوسعنا من جانبنا نحن أهل البلد الذي يوجد فيه هذا الأثر اتخاذ خطوات في هذا الاتجاه. فعلى سبيل المثال، تصحيح هذا الخطأ في الموقع نفسه و هو حاليا تحت إشراف مكتب مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية الذي يشرف على تطويره و تطوير مواقع طريق اللبان الثلاثة الأخرى و هي مواقع مدرجة في قائمة اليونسكو لمواقع التراث الإنساني. وعدم عرض أي منشورات تروج لهذا الادعاء في الموقع أو غيره. والعناية أيضا بتزويد وكالات السفر و السياحة التي تسير رحلات إلى الموقع بمنشورات رصينة تضع الموقع في إطاره التاريخي الصحيح : احد المواقع المهمة لتجارة اللبان البرية و ليس “اطلانطس الرمال” المفقودة.

إن مما تجدر الإشارة إليه أن عالم الآثار الأمريكي الاستوني الأصل زارنز Zarins الذي نقب الموقع و أجرى تنقيبات أخرى واسعة النطاق في محافظة ظفار قد نأى بنفسه أخيرا عن القول بأن موقع الشصر الأثري هو مدينة أرم. حيث كتب في صفحة 189 من سفره الضخم ( أرض اللبان) الذي يستعرض فيه ما تمخضت عنه التنقيبات التي قام بها بين عامي 1991-1994 ، و الذي  نشرته جامعة السلطان قابوس عام 2001 ، كتب يقول (النسخة العربية ):  “كذلك نجد أن المصادر الإسلامية تلقي الضؤ على هذه الإشكالية. فالقران الكريم يقدم “أصحاب عاد” بصفتهم سكان جنوب الجزيرة العربية الأصليين في فترة تسبق القرن السابع الميلادي. و من ناحية أخرى تضع خريطة الإدريسي للقرن الثاني عشر بلاد عاد بين مرباط و ظفار . و بنفس القدر نجد أن اسم وبار/ وابر لا ذكر له في القران الكريم  أو في خريطة الإدريسي بالرغم من أن ورود اسم أرم قد جعل بعض الباحثين يعادل بين ارم  و وبار، و علينا أن ندرك هنا بان اسم عاد ليس فقط اسما لمجموعات بشرية بل اسم لموضع جغرافي وصفه عدد من الكتاب المسلمون” .

و كما ذكرت آنفا لا يعطي القران الكريم تاريخا لعاد و إنما إشارات. هنا مرة أخرى تلميح إلى أن حادثة دمار عاد وقعت بعد المسيح عليه الصلاة والسلام و قبل بعثة النبي صلى الله عليه و سلم .

أخيرا  تجدر الإشارة إلى أن لنيكولس كلاب نسخة معدلة من كتابه الطريق إلى اوبار هو كتاب The Road to Ubar Timeline Only . كما له كتاب آخر هو Sheba: Through the Desert in Search of the Legendary Queen أو “سبأ: عبر الصحراء بحثا عن الملكة الأسطورية”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* إعلامي عماني و عضو الجمعية التاريخية العمانية HAO

0 3470 14 سبتمبر, 2010 العدد السابع, ثقافة وفكر سبتمبر 14, 2010
Avatar

عن الكاتب

إعلامي عماني و عضو الرابطة الدولية للكتاب العلميين ISWA

عرض كل المواضيع التي كتبها محمد عبدالله العليان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.