هل نحن أحرار؟جدل حرية الإرادة

كتب بواسطة علي داود

لعل توضيح الأسباب حول جدل حرية الإرادة عند الإنسان هو الأنسب اليوم للشروع فيه كموضوع، رغم أنّ المسألة لها إرث تاريخي طويل في الفكر الديني والإنساني عمومًا. فلماذا نجادل في كون الإنسان حُرًا مُختارًا يفعل ما يريد ولا يفعل ما لا يريد؟ أليست المسألة واضحة وبديهية بحُكم تجاربنا اليومية التي نختار فيها شيئًا واحدًا مثلًا من مجموعة أشياء بعد فحص وتدقيق ووعي تامّ بالنتائج؟ ألسنا نختار شيئًا ومن ثم نغيّر رأينا ونختار نقيضه أيضًا؟ إذن ما المشكلة تحديدًا؟
يُمكن تَفهّم هذا الجدل لو أمعنّا النظر في ما نقصده من ‘حرية الإرادة’ بالضبط، فهل نقصد بالحرية أننا لا نتبع الأسباب أو قوانين الطبيعة عندما نختار شيئًا ما؟ وإذا كنا نتبعها، ألا يعني ذلك كون فعلنا في الحقيقة مقيّدًا وليس حُرًّا؟ هل نقصد أننا أحرار من القيود الخارجية وحسب؟ إذا كان نعم فماذا عن العوامل الداخلية كالمزاج والمخاوف والقيم والمبادئ والمعتقدات؟ ماذا عن ظروفنا الثقافية ومستوياتنا الاجتماعية والاقتصادية أيضًا؟ ألا تتحكم في طريقة نظرنا للعالم وبالتالي خياراتنا فيه؟ وهل نحن من يختار هذه العوامل الداخلية؟ ألا يحصل أن نعتقد أننا اخترنا شيئا بمنتهى رغبتنا الحُرة والمستقلة ثم نكتشف أننا تعرضنا للتلاعب من دون أن نكون واعين له؟ هل لو قمنا بتغيير خياراتنا تجاه أمر ما عدّة مرات دون أن يطرأ علينا أي تغيير سيعني ذلك أننا أحرار؟ ألا يوحي ذلك بنوع من العبث؟ ماذا لو بدلًا عن ذلك قمنا باختيار نفس الخيار في كل مرة؟ ألا يوحي ذلك بأننا مقيّدون نوعًا ما؟ إنّ السؤال عن حرية الإرادة هو سؤال عن طبيعة الوعي البشري وسؤال عن ثنائية العقل والجسد، وما يتبع كلّ ذلك من فهم الإنسان لنفسه وموقعه في العالَم.
تُعدّ مسألة الجبر والاختيار من أقدم المسائل التي تجادل المسلمون حولها، وتطوّرت حتى أصبحت ممّا تتميز به المدارس الفكرية عن بعضها، ورغم أن بعض الباحثين يرون أنّ أسبابًا سياسيّة تقع وراء نشوء الجدل حول هذه المسألة، إلا أنه لا يمكن استبعاد تأثرها بثقافات الشعوب والبلدان التي دخلها الإسلام في تلك الفترة. إنّ المشكلة الرئيسية التي كان على المسلمين حلّها هو موقع إرادة الإنسان من إرادة الله، إذ لو كانت إرادة الله هي المسيطرة فالإنسان مجبور على أفعاله، ولا يُعقل أن يُحاسَب عليها، وإذا كانت إرادة الإنسان حُرة سواءٌ قليلا أو كثيرًا فذلك يحدّ من سلطة الله، وإذا كان الله عالِما بما كان وما سيكون فكيف يمكن التوفيق بين ذلك وكون الإنسان حُرًّا فيما يفعله؟ ألا تتضمن حرية الفعل عدم العلم المُسبق بنتيجته لأي أحد؟ ولعلّ أكثر من ناقش هذه المسألة مناقشة سليمة في تاريخ الإسلام هم الفلاسفة والعُرفاء كابن سينا وابن عربي، ولكن حتى هؤلاء عجزوا عن إيجاد حل مقنع للمسألة وانتهوا إلى القول بجبرية أفعال الإنسان أو ما يشبه ذلك، إذ يتطلب مبدأ العلّية وفق المبنى الفلسفي أن يتبع المعلولُ علّته، وتعني وحدة الوجود العِرفانية أن لا فاعل حقيقي في الوجود غير الله.
تاريخيًّا، ناقش جمعٌ كبير من الفلاسفة هذه المسألة بحيث لا يكاد يوجد فيلسوف من دون أن يكون له رأيٌ فيها. تعني حرية الإرادة عند أرسطو مثلًا أن تفعل ما تريد وأن لا تفعل ما لا تريد. أما الحرية فتأتي على وجه التحديد من كون الإرادة قرارا عقلانيا يتخذه الانسان بعد دراسة عدد من الخيارات المُتاحة، ولكن في نفس الوقت يؤكد أرسطو أنّ شخصية الإنسان – أي مزاجه ومعتقداته – في لحظة اتخاذ القرار تكون مؤثرة، وحتى يخرج من تصوير المسألة وكأنها جبريّة يقول أرسطو أن تلك الشخصية هي نتاج قرارات سابقة، وهذا كما هو واضح محاولة مغلوطة إذ يعود السؤال مرة أخرى عن تأثير الشخصية السابقة في اتخاذ القرارات السابقة. وفي العصر الذي أعقب غزوات الإسكندر الأكبر وانفتاح الغرب والشرق على بعضهما، اتفق الرّواقيون والأبيقوريون على أنّ كل أشياء العالَم – بما فيها البشر – تتحكم فيها قوى المادة، ولكنّهم اختلفوا في التأكيد على جبرية أفعال البشر، حيث ذهب الرّواقيون إلى أن أفعال البشر وإن كانت جبريّة إلا أن ذلك لا يُجنّبهم المسؤولية الأخلاقية كونها صادرة من خلالهم وعن تصوراتهم خاصّة في حال غياب القسر من أي قوة خارجية. أما الأبيقوريون الذين اعتقدوا بأن كل الأشياء تتكون من ذرات تتحكم فيها قوانين معينة رفضوا الجبرية على أساس أن هذه الذرات لديها حالات شاذّة تثنيها عن اتباع القوانين.
أما خلال مسيحية القرون الأوروبية الوسطى، فيمثل أوغسطين مثالا بارزا لفيلسوف ديني حاول جادّا أن يصيغ حلا للمسألة يوفّق فيه بين المعتقدات المسيحية والمباني الفلسفية. ما يؤكد عليه أوغسطين أن الإرادة البشرية قد خربت إثر ابتعاد البشر الأوائل عن نعم الله في إشارة إلى قصة خروج آدم وحواء من الجنة، وأن إصلاحها يتطلب لُطفا إلهيًّا. كما يؤكد أنّ الإرادة شأن داخلي بحت لا علاقة لها بأي قوة خارجية، وأنّ العوامل النفسية الداخلية قد تؤثر عليها وهو ما يتطلب التدخل الإلهي تحديدًا. أما الفيلسوف الديني الآخر المهم الذي نظّر لحرية الإرادة فهو توماس الأكويني، والذي كان أرسطيا في اعتقاده بكون الإرادة قرارا عقلانيا مبنيّا على دراسة عدد من الخيارات واختيار الأفضل من بينها، إلا أنّ اعتقاده بكون القرارات مبنية على الأفضلية دائما جعل بعض الباحثين يتردّدون في تصنيفه كداعم لحرية الإرادة، رغم أنّ كتاباته – حسب الظاهر – تشير إلى ذلك، خاصة عندما يقول أن الإرادة تتدخل حتى في ما يُعرض عليها بحكم الواقع والظروف المحيطة ويمكنها أن ترفضه.
بالوصول إلى العصر الحديث، نجد أنه رغم اختلاف الفلاسفة حول إيجاد حل لهذه المسألة أو صياغة فهم واضح لها إلا أنه يمكن القول أنّ هناك اتفاقا عامًّا على ثلاثة محاور: الأول أنّ حرية الإرادة تعني ذاتية الفعل Self-determined وحرية فعل العكس Freedom to do Otherwise، والثاني أنّ حرية الإرادة تعني تحمّل صاحبها المسؤولية الأخلاقية وبالتالي يمكن حسابه على أفعاله، والثالث أنّ حرية الإرادة لا تتعارض مع الحتمية وهو ما يُعرف بالتّوافقية.

يدافع التوافقيون عن فلسفتهم عبر خطوتين رئيسيتين: الأولى أنّ حرية الإرادة لا تقع في مقابل الحتمية بل تقع مقابل القمع أو القسر الخارجي، فالإنسان يكون حُرًّا طالما اتبع دافعه الداخلي الأقوى والأشد، وإذا ما تغير هذا الدافع تغير فعله تبعا لذلك. الخطوة الثانية هي أن أي محاولة لإعطاء تفسير أعمق لحرية الإرادة تنتهي إلى ألغاز غير قابلة للحل. إذ يدعي هؤلاء الذين يؤمنون بمعنى أعمق لحرية الإرادة أنه يجب أن يكون الشخص بنفسه – لا بسبب دافع أو وضع عقلي معين – يقوم بالفعل، ولا يكفي كذلك افتراض أنه لو تغيّر دافع الشخص تغيّر فعله بل يجب أن يكون الشخص فعلا قادرا على تغيير دوافعه – بمعنى أن تكون دوافعه نفسها خاضعة لإرادته الحُرة. يرد التوافقيون على هذين الاعتراضين بأن الأول يُخرج الإنسان من سلسلة الأسباب الطبيعية بإلغاء دوافعه والثاني يؤدي إلى التسلسل غير المعقول إذ يستمر السؤال عن دافع كل دافع إلى ما لانهاية. بهذه الطريقة تذهب التّوافقية إلى أن الحتمية ليس فقط لا تتعارض مع حرية الإرادة بل إنها ضرورية لها، فلكي تكون هناك إرادة حرة للقيام بأيّ فعل لابدّ وأن يكون هناك دافعا قويا وحتميّا تجاهه.

جديرٌ بالملاحظة أنّ من وراء الجدل الفلسفي حول حرية الإرادة اليوم يكمن جدل آخر لعلّه الأهم وهو الجدل حول المسؤولية الأخلاقيّة، إذ تفترض الحتمية أن لا مسؤولية لمن ليس حُرا في أفعاله، رغم أن بعض الفلاسفة التّوافقيون يبررون ضرورة الجزاء على الأفعال حتى مع افتراض الحتمية، وذلك للنتائج التي يمكن أن تترتب عليها مستقبلا كإصلاح المجرم أو وضع حد للجرائم في المجتمع، كما يبرره بعض العلماء من منطلق أن نتائجه ليست ضد بل من تطبيقات قوانين الطبيعة.
إذن يمكن معرفة طبيعة الإرادة الحرة عن طريق معرفة طبيعة المسؤولية الأخلاقية، وهذه الأخيرة يمكن معرفتها عبر تحليل السؤال التالي: ما الشيء الذي إذا توفر لدى المرء عند قيامه بأيّ فعل يجعله مسؤولا من الناحية الأخلاقية عن ذلك الفعل؟ يأتي الجواب بأنْ تتوفر لديه السلطة أو القدرة على فعل العكس. ولكن للسلطة أنواع، فكيف تكون الصيغة المقبولة لسلطة الفعل التي تؤدي إلى أن يكون صاحبها مسؤولا من الناحية الأخلاقية؟ وبتعبير آخر: متى يكون صاحب السلطة مسؤولا عن أفعاله؟ هنا يوجد تحليلان: الأول هو التحليل الشرطي البسيط Simple Conditional Analysis، ويعني أنّ المرء تكون لديه سلطة القيام بأي فعل فقط وفقط إذا رغب به بأشد ما يمكن، وإذا تغيّرت رغبته هذه لفعل معاكس، يتغير فعله أيضًا. المشكلة في هذا التحليل أولا أنه يفترض أننا دائما نفعل ما نرغب فيه بشدة، وهذا غير صحيح، وثانيًا أنه وِفق هذا التحليل حتى الذي لا توجد لديه حرية القيام بفعل معاكس يمكن أن يختار القيام بفعل ما، ويفعله، ويكون مسؤولا عنه، كالشخص الذي لديه خوف (فوبيا) من الخروج أمام جمهور كبير، فرغم عدم توفّره على حرية عدم الخروج أمام مثل هذا الجمهور بسبب خوفه، فإنّه إن خرج يكون صاحب سلطة على فعله وبالتالي يكون مسؤولا عنه. إذن هذا التحليل أو هذه الصيغة غير كافية للتعبير عن طبيعة السلطة المطلوبة في الإرادة الحرة أو المسؤولية الأخلاقية. التحليل الآخر هو ما يسمى بالتحليل المحدد Categorical Analysis ويعني أنّ المرء تكون لديه سلطة القيام بالفعل فقط وفقط إذا ما تم بطريقة ما تثبيت كل الظروف حتى توقيت القيام بذلك الفعل. بهذه الصيغة يمكن التغلب على مشكلة توفر السلطة مع غياب الحرية، فالشخص في المثال السابق نظرًا لتثبيت ظرف الخوف لديه حتى توقيت فعل الخروج لن تكون لديه سلطة القيام بأي فعل معاكس حتى ذلك التوقيت وبالتالي لن يكون حرًّا أو مسؤولا عن فعله. ولكن المشكلة هنا أن تثبيت الظروف يعني قبول الحتمية التي ستتناقض مع حرية الإرادة، إذ الظروف الثابتة ستؤدي دائما إلى نفس الأفعال، ولا يكفي هنا القول بأن الظروف المثبتة هي تلك الخاصة بالشخص لا قوانين الطبيعة؛ لأنّ التفريق بين الظروف الشخصية وقوانين الطبيعة لا يمكن تبريره بشكل كافٍ.
تجنبًا للجدال الطويل اقترح بعض التوافقيّون أنّ حرية الإرادة أو المسؤولية الأخلاقية لا تتطلب القدرة على فعل العكس، إذ يكفي فيها كيفيّة صدور الفعل من الفاعل وترتيب الأحداث المؤدية للفعل. من الأمثلة على ذلك: قضية فرانكفورت النظرية. في هذه القضية يتم افتراض أن عالِم أعصاب يتمكن من زرع جهاز في دماغ شخص بحيث يتمكّن من التحكم في قراراته، فإذا ظهر للجهاز أن هذا الشخص تتولد لديه ميول لاختيار (أ) مثلا فإنه يقوم فورًا بتحويله إلى اختيار العكس (ب). هنا يفقد مثل هذا الشخص قابلية اختيار العكس، ولكنه لو اختار (ب) بإرادته الخاصة – أي من دون أن يُظهر أي ميول تجاه (أ) – فإنه يكون حُرًّا ومسؤولا عن اختياره. ورغم نجاح هذه القضية في دعم موقف التّوافقيين إلا أنها أثارت تناقضا مهمّا، وهو أنه إذا كانت العلاقة بين عدم ظهور الميل تجاه (أ) واختيار (ب) حتمية، فكيف يمكن اعتبار هذا الشخص مسؤولا عن فعله؟ وإذا لم تكن العلاقة حتمية فذلك يعني أن هذا الشخص يمكنه اختيار (أ) في حين أنه حسب القضية لا يمكنه ذلك. يرد التوافقيون على هذا الاعتراض بأنه حتى مع فرض الحتمية في العلاقة المذكورة يظل الشخص مسؤولا من الناحية الأخلاقية بسبب صدور الفعل عنه شخصيًّا وذلك بعد فحصٍ أو تدقيقٍ منعَ من ظهور أي ميل تجاه (أ)، ولكن سنلاحظ بعد قليل أن هذا الرد ليس كافيًا.

تحول قضية فرانكفورت الجدل من القدرة على فعل العكس إلى مصدرية الفعل نفسه Sourcehood، وفي هذا الخصوص يعرض التوافقيون نموذجين، الأول هو الاستجابة السببية المعتدلةReasons-responsiveness Model ، والذي يعني أنّ الطريقة أو الآلية التي يُؤتى بها الفعل هي الأهم، ففي مثالنا السابق إذا كانت الطريقة التي يتم بها اختيار (ب) هي التدقيق والفحص ودراسة كافة النتائج التي يمكن أن تترتب على اختيار (ب) فإنّ الشخص يكون مسؤولا. ليس هذا فقط بل إن هذه الطريقة في حد ذاتها تفترض إمكانية فعل العكس – وإن كان مستحيلا في الحقيقة بسبب الجهاز المزروع في الدماغ. النموذج الثاني الذي يقدمه التوافقيون هو نموذج التعريف Identification Model، إذ يقسّمون الدوافع إلى خارجية وداخلية، والداخلية إلى دوافع مُعرّفة للشخص – أو تلك التي تعبّر عن حقيقته – وأخرى غير معرّفة له. بهذا التقسيم يتمكن التوافقيون من ادّعاء أنّ الشخص الذي يخرج على جمهور كبير رغم خوفه من ذلك هو شخص غير مسؤول عن فعله. صحيح أن فعله صدر عن دافع داخلي لا خارجي ولكنه ليس دافعًا مُعرفًا له. تم انتقاد هذين النموذجين بأنّ الشخص يمكن أن يتم التلاعب به بحيث يعتقد بأن استجابته استجابة سببيّة معتدلة وصادرة عن دوافع مُعرّفة لحقيقته، ولكنها لا تكون كذلك في الحقيقة، ويرد التوافقيون على ذلك بأن التلاعب يشكل ضررًا فقط إذا كان مستمرًا ولكن لو تُرك الشخص لينمو وينضج يشكل طبيعي فإنه لا يشكل ضررًا، وهو كما واضح ليس ردا مقنعًا تمامًا.
بقي أن أشير إلى أن بعض علماء الفيزياء التوافقيين يطرحون فكرة أنّ التنوع الهائل للعوامل التي تدخل كمعطيات في أي قرار يفتح مجالا للحرية رغم حتمية قوانين الطبيعة، فإذا ما أردنا أن ننظُر للمسألة من جهة التركيب المادي فقط فإن جزيئات المادة يمكن أن تتركب بطرق عديدة ومختلفة وتعطي نتائج مختلفة أو متشابهة، كما أنّ طريقة عمل الدماغ ليست حتمية أو حِدّية Deterministic بل تعتمد على الإحصاء Statistics، بمعنى أنّ هناك دائما معطيات على شكل نسب واحتمالات. هذا بالإضافة للعوامل الثقافية التي يمكن النظر إليها كتراكيب مادية لأنظمة خارجية. المشكلة مع هذه الفكرة أنها تنزع السلطة عن الفاعل، فهل هذا التنوع الهائل للمعطيات يقع ضمن سلطة الإنسان وتدخّله وهل هو واعٍ لها من الأساس؟

هذا بالنسبة للفلاسفة الذين يحاولون التوفيق بين حتمية الأسباب أو القوانين الطبيعية وحرية الإرادة، ولكن هناك فريق آخر، الليبراليون، يجادلون بكون الإرادة مطلقة الحرية، وعند هؤلاء يجب أن يكون الفعل ذاتي المصدر كما عند التوافقيين، ولكن في نفس الوقت يجب أن يكون غير حتمي، أي لا يمكن توقّعه مُسبقًا عبر سلسلة الأسباب والمسببات الصارمة. ويوجد لديهم ثلاثة ثماذج لشرح الفكرة: النموذج الأول هو أنّ الفاعل أي الإنسان لا يمارس أي سببية على أفعاله، بل هي صادرة عنه فحسب، بمعنى أنها جوهرية وأصيلة فحسب، وبما أنه لا يوجد هناك سببية من الأساس فالفعل الإنساني هو فعل حر. وكما هو واضح فإن هذا النموذج يعرض إعادة تعريف مهمة لمفهوم الحرية بكونها تعبير عن أصالة وجوهرية الإنسان، ولكن لم يقتنع به كثير من الليبراليين لاعتقادهم بأن صدور الفعل من الإنسان ينطوي على نوع من السببية. النموذج الثاني هو السببية- الحدثية Event-causal وتعني أنّ ما يؤدي إلى صدور أي فعل هو الحالة أو الوضع العقلي للفاعل بالإضافة لحدث أو مجموعة أحداث بما فيها الفاعل نفسه، مثلا: إذا رفع شخصٌ ما يده، فإن ما دفَعه إلى ذلك- وفق هذا النموذج- هو حالته العقلية بالإضافة إلى أحداث كرغبته في طرح سؤال ما واعتقاده بأنه يستطيع أن يطرح السؤال عن طريق رفع يده. يشترط الليبراليون المؤيدون لهذا النموذج أن لا تكون الأحداث صادرة عن طريق الخطأ، ولكن مشكلة هذا النموذج أنه يتبنى السببية، فكيف يتم التوفيق بين السببية والحرية؟ قبل فيزياء الكمّ لم يكن من المقبول أن تكون هناك سببية غير حتمية، ولكن معها أصبح ذلك مقبولا. يطرح الليبراليون الفكرة بأن السبب إما أن يتسبب في ظهور احتمال واقعي للحدث دون الحدث نفسه وإما أن يكون نفسه سببا مُحتملا (غير حتميًّا) للحدث. ورغم النجاح الظاهر لهذا النموذج إلا أنّ أهم انتقاد وُجِّه له أنه ينزع سلطة الفاعل عن فعله، ويجعله مجرد احتمال مفتوح وعشوائي أقرب للصدفة، في حين أن هذه السلطة هي التي تميّز كون الفعل حرًّا وذاتيّ المصدر. أضف إلى ذلك أن الطبيعة الاحتمالية لفيزياء الكم غائبة عن عالمنا الطبيعي فوق الذري، ومازال العلم لم يوضح أسباب ذلك بشكل مقنع تماما. الانتقاد الآخر هو أن هذا النموذج يتمسك بالدوافع والأحداث في كونها سبب الفعل دون الفاعل نفسه، وهذا تحديدا ما أدى إلى ظهورالنموذج الثالث، وهو السببية- الفاعلية أو سببية- الفاعل Agent-causal. يطرح هذا النموذج الأخير فكرة محيّرة وغير مفهومة لحد كبير وهي وجود تمييز بين دوافع الفاعل ونفس الفاعل، وكأنّ هناك جوهرًا خاصا بالأشياء، ذلك الجوهر الذي رفضه الفلاسفة التجريبيون عندما حللوا السببية وأرجعوها إلى سلسلة علاقات بين أحداث لا جواهر، ويبدو أيضا أن لا فرق واضح بين هذا النموذج والنموذج الأول إلا في الاعتراف الظاهري بالسببية. وفي كل الأحوال، على الليبراليين المؤيدين للنموذج الثالث أن يوضحوا هذا التمييز وقابليته للتجربة، وهي مهمّة بالغة في التعقيد.
أشير – أخيرًا – إلى أنّ المُشككون أو الحتميّون المعاصرون تكمن فكرتهم الأسياسية في استحالة حرية الإرادة باعتبارها تؤدي إلى تسلسل الأسباب إلى ما لانهاية، فإذا كان وراء كل فعل سبب، ووراء هذا السبب سببٌ آخر، وهكذا إلى ما لانهاية، فإنّ أي فعل سيكون مستحيلا. بالتالي لابد وأن تكون سلسلة الأسباب هذه تنتهي إلى سبب حتمي. أضف إلى ذلك ما توصلت إليه مجموعة تجارب مختبرية ناجحة لحد كبير – وإن كانت مثيرة للجدل بشأن نتائجها – من أنه يمكن التنبؤ بخيارات الفرد من خلال تتبّع نشاط دماغه وقبل أن يعي هو نفسه بذلك.
يزعم بعض أنصار الإرادة الحرة على أن لدينا دليلاً باطنيًّا عليها وذلك في أفعالنا الواعية المدروسة، كما ذهب البعض إلى اعتبارها معرفة بديهية لا يمكن إقامة دليل عليها، ورغم صعوبة تصنيف المعارف لتمييز البديهيات عن غيرها، إلا أنّ حرية الإرادة تبدو كذلك فعلا، والبعض ذهب إلى أن البديهي هو المسؤولية الأخلاقية وبما أن هذه الأخيرة تتطلب إرادة حرة فإن الإرادة الحرة تصبح بديهية وأساسية تبعا لذلك. إن الرأي الذي أميلُ إليه جدًّا- بعد كل هذا- هو ما ذهب إليه الفيلسوف المعروف ’اسبينوزا‘ من أنّ مفهومنا عن الإرادة الحرة هو مجرد تقريب للطريقة أو الآلية التي تصدر بها الأفعال عنا، وبتعبير آخر نحن لا ندرك كلّ العوامل التي تحدّد أفعالنا (لا نعلم عن مكونات لاوعينا مثلا) ولذلك نعتقد أننا قمنا بها عن وعي وحرية، وفي نفس الوقت أميلُ إلى رأي مُكمّل للفيلسوف الوجودي ’ميرلوبونتي‘ من أن جوانب وجودنا المحدود الظاهرة والخفيّة هي التي تربطنا بالعالَم، وهي التي تمنحنا إطار الفعل والإدراك. إنّ ما نفعله وندركه هو ما نحن عليه أو كما يقول عالم الفيزياء المشهور ’ميتشيو كاكو‘ بأننا آلات قابلة للتعلّم Learning Machines. ليس هذا فحسب بل نحن آلات لامركزية واعية بذاتها أيضًا، إذ لا يوجد في الدماغ البشري مركز خاص ومحدد بالوعي الذاتي– أيا كان معناه. هذه هي حقيقتنا، وما يصدر عنا من أفعال مختلفة هو نتيجة هذا التعلم والوعي به، والذي كلما توسع وتعمّق فتَح آفاقا جديدة أمامنا رغم اختلاف قابليّاتنا، ومنحنا فرصا مستمرة لتجنب الأخطاء أو إصلاحها والتخلّص من القيود المُكتسبة، ويمكننا أن نلاحظ بوضوح التركيز على أهمية الوعي في حرية الإرادة عند علماء نفس مثل ’إيريك فروم‘. وبهذا- أيضًا- يصبح الحديث عن أي علاقة سببية بيننا وبين دوافعنا أو بين العقل والجسد غير واردة من الأساس، ومن المُلفت أن تذهب الفلسفة الإسلامية في مرحلتها الحالية إلى رأي قريب نوعًا ما فلتغي ثنائية العقل والجسد، وتطرح فكرة الكائن المتغير بطبيعته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:
1- Plato.stanford.edu. 2002. Free Will (Stanford Encyclopedia Of Philosophy). [online] Available at: https://plato.stanford.edu/entries/freewill/#TheoWrin [Accessed 6 August 2020].

2- Rovelli, C., 2013. FREE WILL, DETERMINISM, QUANTUM THEORY AND STATISTICAL FLUCTUATIONS: A PHYSICIST’s TAKE | Edge.Org. [online] Edge.org. Available at: https://www.edge.org/conversation/carlo_rovelli-free-will-determinism-quantum-theory-and-statistical-fluctuations-a [Accessed 6 August 2020].

3- محمد, ي., n.d. فهم الدين – موقع يحيى محمد | الرؤية الفلسفية وإرادة الانسان. [online] Fahmaldin.net. Available at: http://www.fahmaldin.net/index.php?id=116 [Accessed 6 August 2020].

4- نامياس, إ., 2016. لماذا نمتلك إرادة حرة؟. [online] للعِلم. Available at: https://www.scientificamerican.com/arabic/articles/from-the-magazine/why-we-have-free-will/ [Accessed 6 August 2020].

5- مطهري، مرتضى. (2007). مدخل إلى العلوم الإسلامية. بيروت، لبنان: نور المصطفى للطباعة والنشر والتوزيع

الحادي عشر بعد المئة العدد الأخير ثقافة وفكر

عن الكاتب

علي داود

اترك تعليقاً