في مفهوم التدين

لـ

tadyum

يوحي مصطلح ” التدين” بمعنى الالتزام بالدين وجعله مرجعا لصاحبه في السلوك والمعاملات والسمت العام وبصورة أكيدة يرتبط المفهوم بالمحافظة على شعائر الدين في العبادات بشقيها الواجبة والمستحبة . ويعتبر المواظب على الفضائل المندوبة غير المفروضة من الحائزين على قصب السبق في التدين والفضل، ونصوص الشرع زاخرة بهذا المعنى. لکن مفهوم التدين مفهوم حساس ولا يسهل اختزاله ولا تبسيطه في ربطه بجانب من جوانب الشرع وإغفال بقية الجوانب المندرجة تحته وجوبا ولا يصح إطلاق مصطلح التدين على من استمسك بشق من الدين وأهمل بقية العرى المکونة للمفهوم والتي لا يصح إلا بها جميعا. ولذلک لما غاب التصور الشمولي لمفهوم التدين في الأمة حصل اضطراب وغموض حول التدين ومن هو المتدين وما ضوابطه وحدود. فمن هذا المنطلق نجد مفهوم التدين أو الالتزام يطلق على نوع معين من الناس أو أن طوائف شتى ترى کل واحدة أنها المعنية بالتدين والالتزام وقد يتخذ طابعا شخصيا بمعنى أن يعتبر الشخص نفسه متدينا وملتزما دون انتماء لطائفة أو جماعة معينة، ثم إن إصدار حکم التدين على الآخر أو اعتبار الإنسان نفسه متدينا يخضع لاعتبارات متنوعة ومتداخلة تتفاعل فيما بينها لتشکل مفهوم التدين والالتزام لدى تمثلات الأفراد أو الجماعات .

فما هي المکونات التي يستحضرها المتصورون لمفهوم التدين ؟ وما هي المعايير التي يصدرون من خلالها الحکم بالتدين من عدمه ؟

کما ذکرت بدايةً فالتصورات حول مفهوم التدين تأخذ طابع التجزؤ واستحضار جوانب معينة من الشرع لدى الغالبية من المسلمين حکما على الآخر واعتقادا في النفس. فالتدين والالتزام لدى فئة واسعة من الناس يدل عليه المظهر والهيئة الخارجية للإنسان تلعب فيه اللحية ونوعية اللباس دورا حاسما في الحکم بالتدين على الشخص ونوعية تدينه تبعا لشکل اللحية واللباس وهيئته العامة سلفي سني صوفي تبليغي وطني …

وقد لايکتفي البعض بمعيار اللباس للحکم بالتدين بل يضيف إليه معايير اخرى تتجلى في المحافظة على الشعائر الدينية کالمحافظة على الصلاة وإفشاء السلام وغض البصر …

طائفة قليلة من لا تکتفي بالمعايير التي وضعها السابقون بل تشترط في المتدين أن توافق معاملاته وعلاقته بالناس توجيهات الإسلام وأخلاقه ، فلا تشفع له المعايير السابقة إن کان غاشا في تجارته أو سيئا مع جيرانه مثلا، وبالتالي فالمتدين لا يکفيه أن يکون صالحا في شکله وعبادته بل تدينه مرتبط بعلاقته بالآخرين ، وهذا صحيح لقوله عليه الصلاة والسلام ” الدين المعاملة ” وقوله صلى الله عليه وسلم ” المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ” . فالتدين حسب هذه النصوص وغيرها يتوقف على إسداء الخير والمعروف وکف الأذى والشرور عن الناس . وعليه فإن التصور الضيق لمفهوم التدين يسبب اضطرابا للعامة من الناس حينما يعهدون سلوکا مشينا أو معاملة سيئة ممن ينبئ ظاهره عن التدين والالتزام . هذا التناقض تکون له تداعيات خطيرة على تعامل الناس مع الدين فمنها : أن ينجرف الناس دون وعي إلى الاستهانة بالتدين بدعوى إن کان هذا حال المتدينين فنحن معذورون في تقصيرنا وإهمالنا للدين أو لجزء من تعاليمه، کما أن من شأن ذلک التناقض بين المظهر والمخبر أن يعطي صورة نمطية سلبية تدعو للتوجس والريبة من سائر الملتزمين حسب معايير التصور الأول والثاني لمفهوم التدين

وقد تصبح بعض مظاهر التدين کاللحية والحجاب عرضة للسخرية والانتقاد والتندر بسبب السلوکات السيئة لبعض “المتدينين” . والحق أن “المتدينين” ليسو نوعا واحدا بل هم أطياف وأنواع، ولا يصح تصنيفهم في خانة معينة أو إطلاق الأحکام الجاهزة عليهم بل الموضوعية تقتضي التأني في معرفة الفکر والمرجعية المؤطرة لأصناف “المتدينين” . فمنهم المتدينون المستدلون على تدينهم القادرون على ربط السلوکيات والأقوال والتصرفات بأدلتها الشرعية المالکون لأدوات استنباط الحکم الشرعي من النصوص وهؤلاء هم العلماء المجتهدون وهم قلة القلة ويندر وجودهم في هذا العصر. تليهم طائفة اقل مرتبة تستطيع الوصول الى الحکم الشرعي وتمتلک القدرة على البحث العلمي بغية الترجيح واختيار ما تراه مناسبا من أقوال العلماء المجتهدين دون القدرة على ممارسة الاجتهاد وهؤلاء هم طلبة العلم والدعاة على اختلاف مشاربهم وهؤلاء أوسع دائرة من النوع الأول.

ثم نجد طبقة أخرى من المتدينين ليسو أميين من الناحية الشرعية ولکن لا يمتلکون القواعد الضرورية في طلب العلم ولا تتوفر فيهم شروط طالب العلم وبالتالي فهم يصاحبون العلماء ويجالسون طلبة العلم ويأخذون عنهم وهؤلاء يمکن تسميتهم بالأتباع أو الأنصار وغالبا ما يتعصب هؤلاء ويشنعون على من خالف نهج من ناصروه وتعصبوا لمذهبه وهؤلاء هم “المقلدة ” کما اصطلح على تسميتهم علماؤنا الأولون . وهناک ” مقلدة ” من الدرجة الثانية وهم الغالبية العظمى من الناس العوام الذين شغلتهم لقمة العيش والسعي في الأرض عن طلب العلم “بمفهومه الشرعي الديني” أو مجالسة العلماء وبالتالي فهم يمارسون شعائر دينهم حسبما تلقوه في تربيتهم منذ الصغر في الوسط الأسري أو المدرسة وما تلقفوه عبر المحاکاة والتقليد لما هو سائد في أعرافهم وتقاليدهم ،فهؤلاء قد يمتلکون الحد الأدنى من المعرفة الدينية بغض النظر عن طبيعتها من حيث الصحة تصورا وممارسة . إلا أن تعدد مصادر تلقي المعرفة الدينية في عصرنا أنتج أنماطا جديدة من التدين فأصبحنا نعيش اليوم ما يمکن تسميته ب ” التدين العابر للقارات ” عبر الفضائيات والمواقع الالكترونية التي تبث کل شئ وتنشر کل شئ لمن يستطيع الحديث أو النشر باسم الدين مما أفرز أنماطا جديدة من التدين ، القاسم المشترک بينها يتمثل في المساس بالوحدة الدينية المذهبية في القطر الواحد، يتمظهر ذلک في أنماط اللباس والهندام . وعلى مستوى الخطاب والسلوک فنجد ظهور موضة ما يسمى بالدعاة الجدد أو صناعة النجوم في المجال الديني ” عمرو خالد ” نموذجا .

لکن أخطر ما أفرزه التدين العابر للقارات هو الغلو والتطرف واستباحة الدماء والأعراض ، والعنف في التعبير عن الفکر والذات ، والاستهانة ب “التدين المحلي” إن صح هذا التعبير، وذلک بتحقير العلماء والإنتاج الفکري والتراث العلمي المحلي.

وهذا الانفتاح الديني التکنولوجي الغير متحکم فيه أصاب المجتمع بفتنة کبيرة في استقرار تدينه الذي کان ينعم به إلى وقت قريب بحيث إنه کان من الممکن أن يستفاد من هذا الانفتاح الديني في إغناء الفکر التديني وجعل الاختلاف الفقهي المخالف للمذهب السائد عامل تنوع وإثراء لو عملت الجهات الرسمية على استيعاب مستجدات المرحلة باعتماد مقاربة شمولية هدفها تعزيز التدين وتحصينه وليس تقزيمه والتضييق عليه تحت مسميات خادعة ذات أهداف عکسية ، من آثارها: التضييق على العلماء، وإغلاق دور القرآن ، وفرض نمط صوفي معين على ما يسمى هيکلة الحقل الديني ، ومهادنة أعداء التدين ، وتشجيع الفکر الخرافي بإحياء القبورية وتعمير الأضرحة .هذه الإجراءات وغيرها من شأنها أن تشوش على التدين وتحرف مساره الصحيح، وتعزز الشک في المؤسسة الدينية الرسمية ببلادنا مما يلجئ الناس إلى البحث عن بدائل أخرى لتعزيز تدينهم والإجابة عن تساؤلاتهم فلا يجدون أمامهم سوى فقه عابر للقارات بکل تناقضاته وتبايناته فيزداد الجاهل جهلا والحائر حيرة ، أو يملأ الساحة متفيهقون لا يملکون في العلم زماما ولاخطاما يفتون الناس فيَضلون ويُضلون .

إن حماية التدين في المجتمع مسألة لامناص منها لضمان الاستقرار والأمن ودرء الأخطار القائمة والمحتملة. ولا ضير في إقامة مشروع ديني وطني يسعى للحفاظ على الوحدة الدينية المذهبية ولکن بمنظور موضوعي عادل غير خاضع لحسابات فئوية ضيقة ولا بخدمة أجندة جهة من الجهات ، بل باعتماد سياسة القرب من القضايا الحقيقية للناس بتفعيل دور المجالس العلمية ومؤسسة الفتوى ورد الاعتبار للعلماء في التأطير والتوجيه والتربية ؛ وتعزيز المشهد الإعلامي الديني ببرامج تکوينية ترتقي بالوعي والتربية الدينية للمواطنين . ثم إن إشراک مؤسسات المجتمع في تدبير قضايا التدين هي مسألة ينبغي مراعاتها باعتبار الدين هو منبع القيم ولن نکسب رهان تخليق الحياة العامة إلا من خلاله.

0 11207 22 سبتمبر, 2010 العدد السابع, ثقافة وفكر سبتمبر 22, 2010
Avatar

عن الكاتب

کاتب مغربي مهتم بشؤون الفکر والتربية والتراث العلمي ، من کتاباته: 1ـ أصحاب الاخدود دراسة تاريخية واجتماعية 2ـ الفکر العقدي عند تقي الدين الهلالي من خلال کتابه سبيل الرشاد 3ـ العلمانية بين عقم الطرح وإعاقة النهضة " مقال " 4ـ الأمن العقدي في مواجهة التنصير " مقال " 5ـ في مفهوم التدين "مقال"

عرض كل المواضيع التي كتبها عبدالرحمن اوموس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.