تعدد مصادر المعرفة عند المسلمين

كتب بواسطة علي داود

لعب الخليفة العباسي المتوكّل على الله في القرن الثالث الهجري دورًا أساسيًّا في تحديد معالِم القراءة الموحّدة للدين، فقد قرّب أهل النص(1) ومارس الاضطهاد على من خالفهم من أهل الكلام والفلسفة والتصوف، بل وصل اضطهاده للنصارى أيضا(2). لم تكن النزعة لتوحيد مختلف المدارس المعرفية في مدرسة رسميّة واحدة تدعمها السلطة السياسية من ابتكارات فترة حكمه تحديدا، فقد سبقه إلى ذلك على وجه الخصوص عمّه المأمون، حين قرّب المعتزلة(3) ومكّنهم من ممارسة نفس سياسة الاستبداد على كل من خالفهم وخاصّة أهل النص. ولقد أدّت مثل هذه النزعة المدعومة سياسيا إلى نتائج كارثية دائما.

ليس من المبالغة القول إن معظم العقبات التي تواجه المجتمعات الإسلامية ومنذ عقود لتحقيق بيئة أساسها التسامح والتعايش مع الذات ومع الآخر هي نتاج الإصرار على قراءة رسميّة موحّدة للدين، وغلق باب الاجتهاد في معرفة أصوله ومبادئه، إصرارٌ ناتج بدوره عن القطيعة مع التاريخ الثري والمتنوع للفكر الديني. إذ تتمثل الفكرة السائدة في أنّ مثل هذه القراءة الموحّدة كانت هي الحالة الطبيعية دائما، وأنّ مصادر المعرفة عند المسلمين عبر تاريخهم لم تتنوع إلا فيما ندر وشذ. ولعلّ من أخطر نتائج مثل هذه القطيعة اليوم أنها تخلق تسامحا مزيّفا يقوم على أسس هشّة يمكن التلاعب بها بسهولة، الأمر الذي يمكن أن يفسّر ظهور تنظيمات إرهابية تتخذ من الدين مبررا لها في مثل عصرنا المنفتح على مصراعيه والثري في معارفه، كما يمكن أن يفسّر الكم الهائل من رسائل إلغاء الطرف الآخر على وسائل التواصل الاجتماعي التي تظهر مع كل قضية تمسّ الدين من قريب أو بعيد، دون أن يكون ذلك حصرا على المتدينين أو غير المتدينين.

من مظاهر التسامح الهشّ المنتشرة اليوم ظاهرة ‘الروحانية’ أو ‘spirituality’ التي تعني أن تكون مُسالِما مُحبّا لنفسك وللآخرين مهما اختلفت توجهاتهم، وما عدا ذلك هي أمور غير مهمّة. هذه الظاهرة التي تبدو صحية لأول وهلة انتشرت بسبب الانفتاح والاختلاط الحاصل بين مختلف الثقافات ووجهات النظر ليس إلا، وبتعبير آخر لا يوجد لها في الغالب أي أساس فكري غير “أني تحدثتُ أو عاشرتُ أشخاصًا من توجهات مختلفة ووجدتُ أنهم طيبون!”. ترى كم سيستمر صمود شخص طيب كهذا أمام إغراء القراءات الإرهابية التي تتفنّن في استخدام الدين؟ ولعلّ هذا الشخص نفسه يعتقد في لاوعيه بقضايا تم تلقينه إياها لا يمكن أن توصف إلا بالإرهاب والاستبداد والإقصاء وتظهر مع أول نقاش في موضوع يمس الدين، ولن تنقصنا الأمثلة على ذلك في وسائل التواصل الاجتماعي. وهناك ظاهرة مماثلة ولكنها أرقى نوعا ما، تتّسم بنزعة للتصوف، ونشأت بسبب شيوع أشعار وكتابات أو دراسات عن كبار المتصوفة والعارفين في تاريخ الإسلام كالحلاج والرومي، مع أن التصوف والعرفان يمثلان موقفيْن عميقيْن في الفكر والسلوك وصعبَيْن جدا إن لم يكونا مستحليْن على إنسان القرن الحادي والعشرين. إنّ ترديد أشعار الرومي والحلاج أو التغني بها لا يجعلان من الشخص متصوفا أو عارفا لا من قريب ولا من بعيد. وعلى الأغلب تمثل هذه الظاهرة ملجأ – سواء عن وعي أو لاوعي – لمن لا يجد في نفسه القدرة على التسليم للقراءة الرسمية الموحّدة للدين – بسبب الجمود المعرفي الذي قد تتسم به مقارنة مع متطلبات العصر – وفي الوقت نفسه غير قادر على الابتعاد عن روحانية الدين والمعنى الذي يضفيه على حياته. إذن هناك حاجة ملحّة لإعادة ذلك التنوع الفكري والمعرفي الطبيعي في تاريخ الإسلام إلى الحياة التعليمية اليوم، مع الأخذ بعين الاعتبار الدروس المستقاة من صراعات الماضي وتقلّباته، وهي مهمّة قد تكون صعبة ولكنها ليست مستحيلة. ولنأخذ الفلسفة كمثال على مصدر معرفي ثري خلق الكثير من الآراء والمعتقدات والمفاهيم في حياة المجتمع الإسلامي.

استورد المسلمون الفلسفة من الإغريق، وبشكل خاص نتيجة لحركة الترجمة الثرية في العصر العبّاسي، وإن كانت الحياة العقلية ذاتها قد بدأت رسميا قبل ذلك بفترة نتيجة الاختلاط بثقافات البلدان التي دخلها الإسلام، إذ حسب ما يُنقل كانت بداية علم أصول الدين بمدرسة الحسن البصري في بداية القرن الهجري الثاني(4)، وفي ذلك دليل على موقف المسلمين الأوائل من العقل وقدراته. لقد أدى استيراد الفلسفة إلى الثقافة الإسلامية إلى نشوء عدد كبير من المسائل والقضايا الفلسفية الجديدة، إذ يذهب بعض الباحثين إلى أن الفلاسفة المسلمين أضافوا حوالي خمسمئة مسألة فلسفية جديدة على المسائل المستوردة من الإغريق(5). ولقد واجهت مسائل الفلسفة بشكل عام تحدّيا كبيرا إذ بدت وكأنها تنافس أو تعرض بديلا للتعاليم الدينية. ومن أمثلة هذه القضايا تلك التي استخدمها الغزّالي لتكفير الفلاسفة، وهي: إنكار البعث الجسماني، والقول بعلم الله بالكلّيات دون الجزئيات، والقول بصفات الله الذاتية. ومع وجود ظاهرة التكفير هنا إلا أنها لم تكن إقصاء بقدر ما كانت محاولة لخلق انعطاف في حركة الفلسفة الحرّة المستقلة عند الفارابي وابن سينا ودمجها مع التعاليم الدينية لتظهر فلسفة دينية جديدة أخذت مسارها في التطور(6)، وقد حصلت محاولات دمج وتعاون شبيهة لاحقا، كالتي قام بها ابن رشد حين رفض وجود أي انفصال بين الحكمة أي الفلسفة والشريعة باعتبارها الفضاء الذي تتحرك فيه ثقافة المجتمع(7)، أو كالتي قام بها محمد الشيرازي في حكمته المتعالية حين حاول الجمع بين مخرجات الفلسفة والعرفان والوحي وأبدع حلولا لعدد من المسائل العالقة(8)، وسواء اتفقنا مع ذلك أم اختلفنا إلا أن الشاهد هنا هو تعدد مصادر المعرفة وتعاونها أحيانا، فحتى ابن سينا الذي تعامل مع الفلسفة بوصفها مصدرا معرفيا حرا ومستقلا ولم يتردد في عرض الآراء الفلسفية المخالفة للوحي في الظاهر اعترف في موقف آخر على اعتبار الوحي مصدرا معرفيا إضافيا ومستقلا وتسليمه بمجموعة من القضايا والمعتقدات بناء على ذلك(9)، ولعل من الجدير بالذكر أن أهم المؤلفات المرجعية في الفلسفة الإسلامية اليوم ومن تأليف علماء دين لا تحتوي على أي ذكر لنصوص مقدسة بل هي فلسفة عقلية خالصة(10).

كذلك العرفان بشقيه النظري والعملي(11) سواء كان من ابتكار المسلمين أنفسهم أو نشأ تحت تأثير أفكار خارجية هو الآخر يُعد دليلا قويا على قبول التعددية في مصادر المعرفة وطريقة الحصول عليها لدرجة التعارض حسب الظاهر مع النصوص المقدسة، ونخص هنا بالقصد التجارب العرفانية المتخصصة وليس مجرد شطحات صوفية(12)، كتجربة ابن عربي في وحدة الوجود، فرغم الجدل الذي أثارته هذه المسألة في العلاقة بين الخالق والمخلوق والتمييز بينهما إلا أن البعض فصّل فيها ودمجها بل واستدل عليها بنصوص مقدسة(13).

ولو نظرنا للموضوع من زاوية أخرى فإن العلم الديني نفسه قديما وحديثا بما يحتويه من تفسيرات وتأويلات وآراء وتوجّهات في الأصول وليس الفروع فحسب هو نتاج جهد بشري خالص يتأثر ويؤثر بما حوله من علوم ومعارف أخرى. فكل قراءة للنص تخلق واقعا جديدا وكل واقع جديد يخلق قراءة جديدة للنص. فالنص ثراء لا ينتهي(14)، ومن المؤكد أنّ فهمنا اليوم لكثير من جوانب الحياة ليس كفهم آبائنا وأجدادنا، وكذلك فهمنا للدين ونظرتنا له وطبيعة العلاقة معه. كما أن تعدد مصادر المعرفة واضح في تطور المعرفة الدينية نفسها، ففيها آثار واضحة لعلوم المنطق والأخلاق والفلسفة والعرفان والفلك القديم ومؤخرا العلوم الطبيعية والإنسانية الحديثة، كما لخلفية العالِم أو المفسر التعليمية -أي أفكاره السابقة- دور كبير في فهمه للنصوص المقدسة(15).

إنّ تعدّد مصادر المعرفة لا يعني بالضرورة العودة إلى القضايا والمجادلات القديمة، بل الانفتاح على كل جديد ومفيد والأخذ به بالمستوى المطلوب من الفهم الصحيح للإجابة على الأسئلة الضرورية والمقلقة وبناء اللائق من الأفكار لسد ثغرات المنظومة الفكرية المتجددة والمتكررة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المقصود بأهل النص أولئك الذي يقدمون المفهوم من ظاهر النص على العقل.
(2) جميل, م., 2018. المتوكل على الله وتشكيل النصوصية. [online] مدونات الجزيرة. Available at: http://shorturl.at/dACDS [Accessed 25 July 2020].
(3) يسري, م., 2020. محنة “خلق القرآن”… الخلاف العقائدي الذي استغله العباسيون لتعزيز سلطتهم. [online] رصيف. Available at: http://shorturl.at/ioFGR [Accessed 25 July 2020].
(4) مطهري، مرتضى. (2007). مدخل إلى العلوم الإسلامية. بيروت، لبنان: نور المصطفى للطباعة والنشر والتوزيع
(5) اللواتي, م., 2020. أهم المسائل في الفلسفة الإسلامية.. ورشة تنظمها” العُمانية للكُتّاب والأدباء” اليوم. [online] شؤون عمانية. Available at: https://shuoon.om/?p=49254 [Accessed 25 July 2020].
(6) كمال, ع., 2020. هل تسبب «أبو حامد الغزالي» في تخلف العالم الإسلامي بسبب نقده للفلسفة؟ – ساسة بوست. [online] Sasapost.com. Available at: https://www.sasapost.com/did-alghazali-contribute-to-the-downfall-of-sciences-in-islamic-civilization/ [Accessed 25 July 2020].
(7) نصير, م., 2020. قراءة في ” فصل المقال في ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال ” لابن رشد. [online] قاب قوسين. Available at: http://shorturl.at/oGP37 [Accessed 25 July 2020].
(8) الرفاعي، عبدالجبار. (2005). مبادئ الفلسفة الإسلامية. بيروت، لبنان: دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع
(9) الساعدي, ش., 2020. المعاد الجسماني. [online] Books.rafed.net. Available at: https://books.rafed.net/view.php?type=c_fbook&b_id=748&page=198 [Accessed 25 July 2020].
(10) يُعتبر كتابا بداية الحكمة ونهاية الحكمة لمحمد حسين الطباطبائي من الكتب المرجعية المهمة لدراسي الفلسفة الإسلامية في آخر مرحلة من مراحل تطورها المسمّاة بالحكمة المتعالية، والملاحظ خلو هذين المرجعين من أي إشارة للنصوص المقدسة وكونهما عملين فلسفيين خالصين.
(11) يُعرَف العرفان بأنه علم المعرفة بالله، ويُقسم إلى عرفان نظري وعرفان عملي. النظري هو القسم المهتم بتوفير تفسير للوجود ككل ويشبه في ذلك الفلسفة مع التركيز على الجانب الإلهي من الموضوع، والعملي هو الذي يوضح علاقة الإنسان بنفسه وخالقه عبر تحديد منازل ومقامات في السير والسلوك ويشبه في ذلك علم الأخلاق مع التركيز على العلاقة مع الله.
(12) يُفرق بعض الباحثين بين العرفان والتصوف من حيث إن التصوف أقرب للدروشة ويخلو من الإعمال العميق للفكر والمجاهدة في السير والسلوك نحو الله.
(13) الخباز, م., 2014. أبعاد نظرية وحدة الوجود. [online] Available at: https://almoneer.org/?act=artc&id=1351 [Accessed 25 July 2020].
(14) حرب، علي. (2010). هكذا أقرأ ما بعد التفكيك. بيروت، لبنان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر
(15) سروش، عبدالكريم. (2010). القبض والبسط في الشريعة. بيروت، لبنان: دار الجديد

الحادي عشر بعد المئة العدد الأخير ثقافة وفكر

عن الكاتب

علي داود

اترك تعليقاً