كريج فنتر: حياة مفكوكة الشفرة

لـ

Craig-Venter-A-Life-Decod-003

مثّل علم الأحياء الحديث أحد أبرز الاستثناءات في نظرية توماس كون حول تاريخ العلم وتطوره. فحتى أعمال تشارلز داروين وجوريج مندل التأسيسية التي نشرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر رافقها جدل استمر لقرن كامل. العديد من الاكتشافات والانجازات العلمية في الأحياء أشعلت ثورات صغيرة -ومهمة- أسست لتطور خطي، عوضاً عن الثورات الجذرية التي أرخها توماس كون في العلوم الأخرى. الجدل السابق يستمر مع كريج فينتر، صاحبنا هنا، عالم الوراثة الذي أشعل ثورات -لاتزال مشتعلة – أرخ لها في كتابه حياة مفكوكة الشفرة.

حياة مفكوكة الشفرة ( A Life Decoded) هو كتاب سيرة ذاتية كتبه فينتر يؤرخ طفولته، مراهقته، حرب فيتنام، الاختيار بين الطب والبحث العلمي، إنجازات الأدرينالين، الـ EST و”عشوائية” فك الشفرة الوراثية، حرب الجينوم، الجينوم البشري، رحلة الساحرة، مشروع الخلية المصنعة. سيرة شيقة لمبدع متمرد لا يتردد عند المخاطر.

المحطة الأولى المهمة في حياة فينتر كانت في فيتنام -التي التحق بها ككادر طبي- حينما هرب من المعسكر باتجاه المحيط. خطط أن يسبح حتى ينهك، ثم يموت غرقاً. كادت أن تقتله مشاهد الحرب -وليست الحرب-: الجرحى، سلوك الجنود الأمريكان، الموت المجاني. لكن في منتصف طريق الانتحار، تراجع فينتر إلى اليابسة. اكتشف في نفسه شجاعة لمواجهة الحياة، الحياة البائسة. لو مات، سيكون جباناً هارباً، ولو عاش فبإمكانه المساعدة في خلق ظروف أفضل.

لهذا كانت خطته المنطقية أن يلتحق بكلية الطب في جامعة كاليفورنيا، ثم يرجع طبيباً لفيتنام لمساعدة أهلها. ولكن تتغير الخطط بتغير أحداث الحياة. معادلة رياضية بسيطة تؤكد أن تأثير الطبيب محدود بمقابلته للمرضى فراداً، لكن تأثير البحث العلمي يمكن أن يشمل البشرية. كان موضوع أبحاثه في الماجستير والدكتوراه هو هرمون الأدرينالين: طريقة عمله، مستقبلاته الخلوية، وتركيبها. وكلما كانت شهية فينتر أكبر لتحدي المجهول (ثم المستحيل لاحقا) كانت إنجازاته أكبر.

لم يتردد فينتر، بعد الدكتوراه، أن يغير جهات عمله عدة مرات، باحثاً عن المساحة والدعم والبيئة الأفضل. كان ينقل مختبره وطلابه معه. وفي الثمانينات تمكن فينتر أن يحدد السلسلة الوراثية للجين المسؤول عن المستقبل الخلوي للأدرينالين، والبنية الهيكلية لبروتين الأدرينالين. قادت هذه الإنجازات المهمة فضوله للتساؤل عن إمكانية تطوير طرق أسهل لحل الشفرة الوراثية، وتحديد جينات الكائن الحي.

التساؤلات السابقة وضعت فينتر في قلب الجدل حول مشروع “الجينوم البشري”. ذلك المشروع الذي بدا حينها مستحيلاً بسبب قصور التكنولوجيا المتاحة عن ذلك. لكن في التسعينات طور فريق فينتر طرقاً جديدة. الأولى: لتحديد الجينات المسؤولة عن إنتاج البروتينات (طريقة EST)، الثانية: لقراءة الشفرة الوراثية من خلال دمج “العشوائية” وتصميم برامج حاسوبية لتطوير الطرق التقليدية لفك الشفرة الوراثية. ولما وجدت أفكار فينتر معارضة شديدة من زملائه في معاهد الصحة الوطنية الأمريكية -جهة عمله-، قدم استقالته ليؤسس -بتمويل من القطاع الخاص الأمريكي- أولاً معهد النمر (TIGER)، ثم ثانياً شركة Celera Genomics. تمكن معهد النمر من فك الشفرة الوراثية لأول كائن حي في التاريخ، بكتيريا الـ ( Haemophilus influenza ) . أما في سيليرا فقد تم بداية فك الشفرة الوراثية لذبابة الفاكهة (أحد أهم النماذج البحثية في الأحياء) عام 2000، ثم تم إعلان الإنجاز التاريخي وهو فك الشفرة الوراثية للإنسان من البيت الأبيض بمعية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون عام 2001.

وبالرجوع سنوات للخلف، كان الجدل محتدماً بين العلماء حول إمكانية فك الشفرة الوراثية للإنسان. لكن جرى الاتفاق لاحقاً على خوض المغامرة بالتكنولوجيا المتاحة. تبنت المعاهد الوطنية الأمريكية للصحة المشروع، ووعدت بإنجازه خلال عشر سنوات، مع توفير ٣ مليارات دولار كاعتمادات مالية من الكونجرس الأمريكي، وتعاون بحثي من بريطانيا. لكن شركة سيليرا بقيادة كريج فينتر أعلنت أيضًا أنها ستنجز المشروع خلال مدة قصيرة لن تتجاوز السنة، وبرأسمال لا يتجاوز ٣٠٠ مليون دولار أمريكي. بين المشروعين نشأ ما عرف بحرب الجينوم. اتهم فينتر منافسيه بقطع الدعم المالي عن أبحاثه، وبتجاهل التكنولوجيا التي طورها أساساً خلال عمله في معاهد الصحة الوطنية. أما منافسيه فقد اتهموه باحتكار الجينات المكتشفة لشركات التقنية الحيوية )ممولو أبحاثه)، واتهموا التكنولوجيا التي طورها بعدم الدقة، وأنها لن تعمل لفك شفرة الإنسان. الهجمات المتبادلة بين الفريقين احتلت عناوين أبرز الدوريات العلمية، والصحف اليومية في الولايات المتحدة وأوروبا. في سيرته الذاتية يسرد فنتر أن الخوف من تجريب الأساليب الجديدة، والبيروقراطية، وعدم وضع العلم كأولوية، والخوف على السمعة الشخصية كانت من أهم الأسباب التي قادت “علماء الحكومة” إلى نبذه، ثم محاربته.

بعد إنجاز مشروع فك الشفرة الوراثية للإنسان اتجه فينتر للقيام برحلة بحرية حول العالم على متن قاربه الساحرة Sorcerer. كان الهدف هو تسجيل التنوع الوراثي للكائنات الحية في البحار والمحيطات المفتوحة. أما النتيجة الأساسية فكانت إضافة أكثر من 20 مليون مورثة (لم يرصدها الإنسان من قبل) لقواعد البيانات. رصدت رحلة فينتر اختلاف أنواع الكائنات الحية باختلاف البحار، واُكتشفت عمليات أيضية جديدة تقوم بها الكائنات الدقيقة للحصول على الطاقة غير التمثيل الضوئي.

يأمل فينتر من العدد الهائل من المورثات وقواعد البيانات، بعد ما يقارب ٤ مليارات سنة من ظهور أول خلية حية على الكوكب، أن يتم استخدامها في تصميم خلايا مصنعة تقوم بوظائف مختلفة. أعلن قبل عدة شهور فريق فينتر العلمي تصنيع أول خلية حية: حقنت خلية بكتيرية بمادة وراثية مصنعة تماماً، وتم التخلص من مادتها الوراثية الأصلية. ثم بدأت المادة الوراثية الجديدة بالعمل، لتتغير خصائص الخلية البكتيرية بما يناسب المادة الوراثية الجديدة. النتائج المرتجاة من الخلايا المصنعة: أمصال سريعة ورخيصة، إنتاج الوقود من الميكروبات، معالجة مشكلة التلوث إلخ.

فينتر يعلق في آخر صفحات كتابه: جاء الوقت الذي تكتب فيه مادة وراثية شفرة وراثية على جهاز الكمبيوتر، أو جاء الوقت الذي يكتب فيه السوفتوير الهاردوير!

0 3297 21 ديسمبر, 2010 اخترنا لكم, العدد العاشر, ثقافة وفكر ديسمبر 21, 2010

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.