الهوية العمانية في الميزان

لـ

oman6

كل أمة تجاهد من اجل الحفاظ على الهوية وحماية الخصوصية خاصة الثقافية والفكرية، وإذا كان الغرب وهو المتشدق بحرية الفكر والرأي والتعبير فإنه يضيق ذرعا بعدد من الجاليات الشرقية، مخافة سريان الثقافة الشرقية وسيطرتها على الثقافة الغربية، ورغم أن الغرب يحاول إيهام المجتمعات بأنه طلق الدين، وفك قيده منه إلا أن الواقع يخالف ذلك، ولا أدل على ذلك من تصريحات قادة الغرب خاصة فرنسا وألمانيا على عدم قبول تركيا للدخول في النادي الأوربي كشريك كامل الصفة لا منقوصها، وهذا التردد في قبولها لم يكن وليد اليوم أو طرأ على إثر تولي حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي مقاليد الأمور، بل عميق عمق العلمانية في تركيا.
صرح من صرح منهم بأن الغرب نادي مسيحي وتركيا جذورها إسلامية، ولو حكمها العلمانيون، فالدين إذا ليس هملا عندهم، بل يقرر مصائر، ويتحكم في السياسات، ولا أدل على ذلك من أن بعض الزعامات تتخذ من فقرات الإنجيل أورادا صباحية، وأحاطت بها في حرب الخليج الثانية قسس ورهبان، بل تمادت حتى قالت إن الرب أوحى لها بحرب الخليج الثانية، وصرحت أن الحرب مقدسة أو صليبية قبل أن تتراجع.
إن فرنسا من أكثر الدول حرصا على ثقافتها وهويتها، فقد قامت قيامتها عند ظهور ما يسمى بالسموات المفتوحة( القنوات الفضائية) ( الدش) وتشددت في لغتها، ومنعت الرسميين من استعمال لغة غير الفرنسية، ويمنع في الأماكن العامة الكتابة بغير الفرنسية، وهي في ذلك لا لوم عليها، لأنها تحمي حقا لها، وتدافع عن حماها وشخصيتها.
أكد السلطان قابوس بن سعيد مرارا وتكرارا على ضرورة الحفاظ على الهوية والشخصية والخصوصية العمانية، وعمل جهده، واستفرغ وسعه في سبيل المحافظة على التراث العماني، ولا أدل على ذلك من إنشائه وزارة التراث والثقافة، والسلطان يؤكد في كل محفل ومنتدى ومجمع محلي ومنها حين افتتاحه مجلس الوزراء أو عند إجراء مقابلة معهن ثم مؤخرا وجه إلى الحفاظ على الهوية، فتم عقد ندوات الشعر العماني أو النبطي، وذلك دعما للهجة العمانية التي بدأها الضمور تأثرا باللهجات القريبة.
امتازت عمان على غيرها من الدول خاصة عدد من الدول المجاورة بأنها أصل، وليست فرع، ولم تولد ولادة قيسرية أو في ظروف خاصة وإنما كانت من قبل الإسلام، ثم ترسخ وجودها بعد الإسلام.
إن عمان ليست وليدة عقود من السنين والزمن، بل جذورها ضاربة في القدم.
كثير من الناس في حيرة من الأمر ـ وهم يؤمنون بأن السلطان مؤمن بعمان، مخلص لها ـ إلا أنه يبدو أن هذا التوجه ليس توجه كثير من الناس بسبب غياب الوعي.
الناس في حيرة من أمرهم عمان الأصل والتاريخ والحضارة والثقافة لا تفاخر بشيء من ذلك، العالم لا يعرف عنها مجدها، إعلامها لا يسلط الضوء على أدوارها، وهو خلل لا بد من معالجته.
العمانيون ذاتهم لا يعرفون تاريخهم ودور عمان على مر التاريخ، فكيف لا تذوب هويتهم؟ وكيف لا يتعلقون بغير عمان؟ وكيف لا يفرط فيها عدد ممن فقد الانتماء الوطني لصالح أناس أغرار؟
كيف لا تذوب الهوية إذا كنا لا نعرف شيئا عن بلادنا، وعن مآثر أسلافنا؟ جميعنا ومنذ نعومة أظفاره يعرف أحمد شوقي وطه حسين والمنفلوطي وغيرهم ولكن هل أحد منا قرأ أو سمع عن الشخصيات العمانية أمثال أبي مسلم البهلاني والستالي وابن شيخان؟ ربما سمع بعضنا ذلك ولكن ليس منذ نعومة الأظفار، وإنما عندما بلغ من العمر عتيا، أو تخصص تخصصا شرعيا؟
جميعنا يعرف عن صلاح الدين الأيوبي والظاهر ببيبرس وقطز ونور الدين زنكي فها صناع القرار حاولوا الحفاظ على الهوية والشخصية العمانية من خلال التعريف بأبو الاستقلال العماني الإمام الجلندى بن مسعود والوارث بن كعب وناصر بن مرشد أحمد بن سعيد وغيرهم؟
إن إغفال دور عمان ماضيا يؤدي إلى ضعف الهوية والانتماء مما يعني من الطبيعي أن ينشأ جيل فاقد للشخصية والهوية، وهو مستعد لتقليد الآخرين، والتنكر لهويته؟ كيف ينشأ جيل يفاخر بعمان وهو لا يعلم عن عمان شيئا؟
إن دولا نشأت منذ عقود فقط غدت تتبع أي معلم مادي تراثي، فتعظم من شأنه، وتظهره على الشاشة كل حين ووقت، وتحاول أن تصنع لها تراثا، ولا تراث لها، وتحاول أن تخلق تراثا، بينما الأصل مقصر في ذلك؟
إن دولا نشأت منذ عقود فقط تتبع كل أثر معنوي من كتاب أو شخصية علمية فتسعى للتعريف بها، بينما الأصل بحسن نية أو غيرها لا ترغب أو لا تقوم بربط أبنائها المعاصرين بأسلافهم الغابرين، ولعل ذلك ناتج عن حسابات خاطئة، وتخوفات لا أصل لها، بل وليدة أوهام.
لا بد أن تتغير تلك الحسابات والمخاوف إذا ما أردنا غرس الهوية وتعميقها وإلا فإنه على المستوى غير البعيد سوف نرى أمرا عجبا من التنكر لعمان، والإعجاب بغيرها، كما سيؤدي ذلك إلى فقدان الولاء لعمان وولاة الأمر القدامى والمحدثين.
لنكن صريحين أكثر إن كثيرا من العمانيين مضطربة هويتهم، واللوم ليس عليهم، وإنما لم يجدوا في مقاعد الدراسة وعلى الشاشة من يعرفهم بأن بلادهم طاولت النجم وجاوزت الجوزاء.
يجب أن يدرك المسؤولون أن الشخصية العمانية طيبة ذات خلق جم، وهذا سلاح ذو حدين، فقد يميل به الميزان إلى التفريط في كثير من الهوية، ولنكن صريحين أكثر فمن ذا يجادل في أن الهندام العماني والدشداشة العمانية لم تكن لتبقى لولا التوجيهات السامية وحرص السلطان على ذلك، إذ لم أزل أذكر في سنين مضت كنا نرتدي دشداشة غير عمانية، فكان توجيه السلطان بضرورة المحافظة عليها.
كثير من العمانيين يحرجون من لهجتهم ويخجلون من كلامهم، فيقلدون غيرهم من الجوار، ولا يقلدهم غيرهم قيد أنملة في اللهجة، ولا يتابعهم في ملابسهم. كان الأمر أكثر من حسن عندما تم التوجيه بتنظيم ندوة الشعر العماني والهوية، لأنه بدأت فعلا اللهجة العمانية تتآكل، فلا بد من التركيز عليها في الإعلام الرسمي والخاص، ومن المؤسف فإن الإعلام الخاص يوظف موظفين يفاخرون بلهجاتهم، والمستمع إليهم كأنه في بلاد الشام أو غيرها؟
إن عددا من البرامج في الإعلام الرسمي عندما تتحدث عن علماء العرب وإسهامات المسلمين في الحضارة فإنها تنقل نقلا حرفيا، ولا تشير البتة إلى دور العمانيين، ولعل ذلك يعود إلى أنه ربما يكون المقدمون للبرامج لا يعرفون عن الشخصيات العمانية، فأين الهوية والخصوصية العمانية؟
إن الفكر العماني الذي حدد معالم عمان يذبل يوما بعد يوم، وهناك غياب تام لرصد هذه الظاهرة، وهذا الضمور لصالح فكر متشدد طارئ على عمان؟ إن الحفاظ على الفكر والتراث يعني مزيدا من الاستقرار لأن هذا الفكر لم يثبت أنه حكم على مسلم بالكفر، ومن يقرأ التاريخ لن يجد ولو حادثة واحدة أو صداما مسلحا سببه فكري، وإنما كان الصدام عصبية قبلية، وهي سمة كان على الإعلام وسائر المؤسسات إبرازها والمفاخرة بها خاصة وأن العمانيين لم يتجنبوا الصدام الفكري مجاملة أو مراعاة لدول كبرى، لأنه في ذلك الوقت ليس هناك جمعيات حقوق إنسان أو منظمة هيومن رايتش أو أمم متحدة أو أقمار صناعية ترصد الواقع.
إن إهمال هذا الفكر وعدم جعله معلما محددا للهوية العمانية ينذر مستقبلا بدخول تيارات لا خير فيها.
إن التحول الفكري في الأطراف له أثر سلبي في الولاء السياسي، فأين الهوية والشخصية العمانية؟
إن ظهور هذه الخلية سببه عدم غرس الهوية، فأين التربية الإسلامية، ولم صارت تذبل كل يوم؟ وأين التربية الوطنية ورموز عمان وصناع مجدها من ولاة الأمر أو العلماء؟
من المضحكيات المبكيات أن كان مسلسل الخليل بن أحمد الفراهيدي يناقض هوية الخليل؟
من المضحكات المبكيات أن درسنا سابقا عن شخصية حكمت على العمانيين بالكفر، وغزا أنصارها عمان في عهد السيد سعيد بن سلطان فأين الهوية؟ يبدو أنه من وضع ذلك من العمانيين لم يكن يعي الهوية، وهي حقيقة مرة علقم؟
يعجبني في المصريين أنهم محبون لمصر حتى النخاع، يتغرب أكثرهم عقودا من الزمن، فلا يغيرون انتماءهم، ولا يغيرون لهجتهم أبدا أبدا أبدا ولو انقطعوا عن بلادهم سنين عدد؟ يعجبني في المصري أنه لا يرى لمصر شبيها ولا مثيلا، وقد يعيش في رغد من العيش في الغرب لكنه شديد الولاء لمصر، وقد يعيش فقيرا معدما لكنه أيضا شديد الولاء لمصر؟ لأن المنهج والإعلام يعمق الهوية والشخصية منذ نعومة الأظفار؟
الخلاصة إن هؤلاء الذين فرطوا في بلادهم لا بد أن ينزل بهم أشد العقوبة، ولا يصح لعماني التعاطف معهم البتة؟
إن هؤلاء ينظر إليهم شزرا وهم من سقط المتاع.
يجب على مؤسسات الدولة أن تعيد النظر في الأولويات، يجب عدم العيش تحت الأوهام، فبعث التراث أمر مهم، وربط العماني بتاريخ بلاده مهم.
يجب تدريس مادة التربية الإسلامية وإلا لصار أبناء عمان يتغذون روحيا من خارج عمان.
يجب غرس التربية الوطنية بين الناس.
يجب الاهتمام بالجاليات العمانية خارج البلاد علميا وفكريا وماديا وإعلاميا.
يجب أن يتغير الإعلام الخاص والعام فإن أكثر الناس لا يقبلون عليه إلا عند سؤال أهل الذكر من خارج عمان وداخلها.
يجب توفر الكتاب العماني.
يجب الحسم والحزم مع من تطاول على عمان، إذ لم يعرف عن عمان والقائد إلا التعقل وعدم التدخل في شؤون الآخرين، ولم يعرف عن الحكومة العمانية إلا إبعاد الإعلام عن كل شأن داخلي لدولة من الدول.

الدكتور / إسماعيل بن صالح الأغبري

0 5250 09 فبراير, 2011 العدد الثاني عشر, ثقافة وفكر فبراير 9, 2011

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.