الحادي عشر بعد المئة العدد الأخير ثقافة وفكر سياسة

الفيلسوف الفرنسي لوك فيري: هل هي نهاية النظريات العلمية؟

ترجمة: عبد الرحيم نور الدين

عانى العلم خلال الأزمة، من مصير مفارق إلى حد ما. فمن جهة، تم تكريمه، كما لم يحدث من قبل، في بلاتوهات التلفزيون؛ ومن جهة أخرى، بان بمظهر غير متوقع إلى حد ما، ليس فقط بوصفه علمًا مليئًا بالشكوك واللايقين، وهو بالتأكيد أمر مشروع في مواجهة فيروس ما يزال مجهولا، ولكن قبل كل شيء، باعتباره علمًا تحركه العواطف والمصالح المتعارضة مع “الحياد القيمي” الشهير، الذي كان ماكس فيبر يصفه به.
تركت السجالات العاصفة حول “هيدروكسي كلوروكين “، وحول “موجة ثانية” للفيروس مفترضة، وحتى حول جدوى أو لا جدوى استخدام الأقنعة والاختبارات، الانطباع المزعج بأن العلماء لم يتمكنوا من الاتفاق فيما بينهم، وأن نقاشاتهم، في النهاية، كانت مثيرة للجدل والعاطفة وغير قابلة للحسم، مثلها كمثل نقاشات السياسيين أو الاقتصاديين أو خبراء البيئة. فجأة، استرجع الإيديولوجيون، الذين أعلنوا نهاية النظريات العلمية، قوتهم. وبعد إحيائهم للأطروحات التي حاول كريس أندرسون بالفعل أن يدلل عليها في مقالة بعنوان “نهاية النظرية” (التي ترجمت إلى اللغة الفرنسية في عدد ديسمبر 2019 من المجلة الممتازة “لو ديبا” Le Débat، من منشورات غاليمار)، عادوا مجددا إلى الدفاع عن الفكرة القائلة بأن النظريات العلمية التقليدية ستستبدل قريبا بالمنطق البسيط للارتباطات التي كشف عنها الذكاء الاصطناعي – وهي الأطروحة التي تناولها اليوم يوفال هراري ومقلدوه الفرنسيون.
غالبًا ما يتم الاستشهاد بمثالين مذهلين، كلاهما مستعار من أداء غوغل، لدعم هذه الأطروحة الجذابة – والخاطئة مع ذلك -. الأول، ولا سيما في موضوع “التتبع”، هو مثال التنبؤ بأوبئة الإنفلونزا: من خلال الاعتماد فقط على زيادة تدفقات الإبحار المستخدِمة، على الشبكة، للكلمات المفتاحية المرتبطة بهذا المرض، تمكنت غوغل بالفعل من التنبؤ عدة مرات، بانتشار الفيروسات، بشكل أفضل من الوكالات الصحية. من البدهي أن المشكل يكمن في كون هذا النوع من التنبؤ بالوباء لا يعطي أي تفسير للمرض، إنه لا يقوم إلا بالتقاط تدفق الكلمات المرتبطة به والتي تتنقل على الشبكة العنكبوتية.
ومع ذلك، فهناك حاجة إلى حد أدنى من التفكير النظري لاستنتاج شيء ما، في حالة إذا كان الناس يستعلمون على الشبكة العنكبوتية، حول أعراض أو علاجات مرض ما، فمن المحتمل، في الواقع، أنهم معنيون مباشرة بذلك الموضوع. ومع ذلك، فإن تحليل غوغل للوباء لا يشير إلى أسباب الأنفلونزا ولا حتى إلى آليات انتقالها، بل إنه لا يتضمن، من باب أولى، أي شيء حول العلاجات الممكنة.
المثال الثاني هو الترجمة الآلية والمتزامنة، التي لم تعد قائمة على فهم معنى الجملة، ولكن فقط على البيانات الإحصائية. فحتى لو كان المخطط يتصف إلى حد ما بالتعقيد، فإنه لا وجود لغموض ما في حقيقة إن الذكاء الاصطناعي يستطيع الاستغناء عن المعنى في عملية الترجمة. إذا قلت مثلا: “كيف هو…اليوم؟”، ستستطيع الآلة، دون مجازفة كبيرة من أن تكون مخطئًة، أن الكلمة الناقصة، من وجهة نظر إحصائية بحتة، وفي جميع الاحتمالات هي “حالك”. من المستبعد في الواقع، أن تكون هي “الضفدع” أو “بيت الكاهن”. لا يفهم برنامج الذكاء الاصطناعي ما يسمعه، ولكن من خلال تحليل ملايين الصفحات الموجودة بلغتين في قاعدة بياناته، فإنه يصل بكل غباء إلى النتيجة المحتملة أكثر من الناحية الإحصائية، دون الحاجة إلى فهم المعنى.
إذا صدقنا كريس أندرسون، فإن هذا اللجوء إلى الارتباطات، سيضع حدًّا نهائيا للنظرية التقليدية، كما لو كان لارتباطات ما قيمة السببية وكما لو كان بالإمكان الاستغناء عن التفسيرات لفهم الظواهر الفيزيائية أو البيولوجية! إن المناقشات التي تحرّك المجتمع العلمي حول الكلوروكين، يجب ألا تقودنا بأي حال من الأحوال، إلى هذا النوع الجديد من النزعة الشكية. يكفي أن تعطينا دراسة “عشوائية” ما، ومثالية من الناحية المنهجية، ومتضمنة أخيرًا لبروتوكول ديديي راوول الدقيق، نتائج لا تقبل الجدل، لنكون حينئذ أمام ما أسماه باشلار “الحقائق الموافق عليها”، والمقبولة من طرف الجميع.

في انتظار ذلك، سيكون من الأفضل تجنب الخلط بين العلم والسياسة. فكما أنه ليس لمجلس علمي أن يتخذ قرارًا بشأن موعد الانتخابات البلدية أو بداية العام الدراسي؛ فإنه بحسب ما يبدو لي، ليس من اختصاص الوزراء، بالرغم من إمكان ووجوب تقديمهم لتوصيات، تحديد كيفية ممارسة أطباء المدينة لمهنتهم.

المصدر: جريدة لوفيغارو، عدد الخميس 28 مايو 2020.

Hits: 24

عن الكاتب

عبد الرحيم نور الدين

اترك تعليقاً