“هوت ماروك” رواية الواقع السياسي والاجتماعي

Avatar
كتب بواسطة عزيز العرباوي

إن التحول من الشعر والقصة إلى الرواية لم يكن محض صدفة أو مجرد نزوة إبداعية برزت لدى المبدع الكاتب المغربي ياسين عدنان، وإنما جاء هذا التحول نابعاً من وعي ثقافي وأدبي بأهمية الكتابة الروائية لدى الشاعر، لأنه قادر على إدماج اللغة الشعرية بتقنياتها وأساليبها الجمالية والفنية واللغة الروائية السلسة التي تستحضر السرد والوصف بأسلوب ممتع وجميل. لقد نجح الكاتب ياسين عدنان في استحضار اللغة الشعرية في نصه الروائي الأول الموسوم “هوت ماروك”، حيث نجد العديد من الإشارات اللغوية التي تؤكد شعرية اللغة الروائية في النص، مما يعطينا اليقين أن الكاتب اشتغل على لغة الرواية وحاول أن يبرز شاعريته وعدم انسلاخه عن الشعر وقدرته على خدمة الرواية والتفاعل معها من حيث اللغة والأسلوب وحتى القضايا التي يعالجها الشاعر والروائي في الوقت نفسه.

يمكن القول إن ياسين عدنان لم يتحول إلى الرواية هكذا دون سابق إنذار، فكتابة القصة، وهذه الأخيرة تعتبر الأخت الصغرى للرواية باعتبارها جنساً سردياً، كانت الخطوة الأولى في هذا الدرب الأدبي الطويل الذي يغري المبدع ويبوئه المكانة اللائقة به في عالم الأدب. لأن الرواية، وباعتراف الجميع صارت ديواناً جديداً للعرب بعد أن تسيّد الشعر الساحة الأدبية لقرون خلت. إن نص “هوت ماروك” قد أكد هذه المقولة، حيث نجد بصمة الشاعر فيه وحضوره الطاغي بين سطوره التي عالجت بحدة بالغة العديد من القضايا الاجتماعية والاختلالات الثقافية والاجتماعية في المجتمع المغربي المعاصر، ووقفت بقوة وبجدية على أهم الأحداث التي عرفها المغرب والتي أنتجت العديد من المواقف والسلوكات البشرية الموغلة في التطرف والانحلال والتخلف والجهل المركب.

ويقترن الواقع السياسي بالواقع الاجتماعي في الرواية من خلال إضفاء نوع من عناصر الرصد في عملية بنائها، ومن خلال تجسيد رموز الأزمات الحادة التي تمر بها المجتمعات وتعيشها في محاولة لحل رموز هذه الأزمات وفرض رأي خاص لتحقيق العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية من خلال النفاذ داخل صلب المشاكل الاجتماعية الحالية، فالمزج بين السياسي والاجتماعي في الرواية يقود حتماً إلى إيجاد نوع من السلاسة في مقاربة حالات اجتماعية معيشية يتصارع في خضمها الشباب المغربي الذي يمثل الفئة الأكثر معاناة في المجتمع سواء على مستوى التفكير أم على مستوى المشاركة السياسية.  

 يستحضر ياسين عدنان شخوص روايته مماثلة وشبيهة بأشباح حيوانية من خلال تمثلات ذهنية للشخصية الرئيسية داخل النص الروائي، كما لو أن الفضاء الاجتماعي الممثل للواجهة اللامعة بعناوين التقدم والحداثة يتضمن غابة موحشة تسود فيها ثقافة المهمشين وتحرك كائناتها غرائز بدائية وهواجس دفينة تطلب الإشباع والسلوى كيفما كانت نتائجه النهائية. ولعل قراء الرواية، حسب الكاتب نزار الفراوي، سيحتفظون في ذاكرتهم طويلاً باسم “رحال العوينة” الذي يرى نفسه “سنجاباً”، ليس بطلاً للرواية فحسب، وإنما باعتباره مرآة يعكس بها الكاتب العلاقة بين طفولة نخرها الحرمان من جهة وانحرافات سلوكية من عناوينها الحقد على الناجحين، والتوجس من الانحدار مجدداً إلى الحضيض النهائي، واستخدام أضعف وأحقر الوسائل لتحقيق غايات ولو وضيعة وحقيرة، من جهة أخرى. “رحال” في مركز الحكاية وعلى يمينه وشماله نماذج تمتد بينه وبينها خيوط يحركها السارد وينوعها بمهارة “حكواتي” محترف من طينة الرواة الذين يصنعون الفرجة في ساحة “جامع الفنا” الشهيرة التي لا يخفى تأثيرها على تشكل مخيلة الكاتب، ابن المدينة الحمراء. شبكة معقدة من النماذج البشرية-الحيوانية كما يرى الكاتب دائماً، [لكنها لا تخرج عن نطاق لعبة سردية محكمة تقوم على توظيف هذه النماذج في تعاقبها وتنوع مجالات حركتها، واختلاف مواقعها وتكوينها النفسي من أجل استقراء جوانب مختلفة من واقع سياسي ومجتمعي مختل] يقول ياسين عدنان عن هذا الاختيار [منذ البداية كنت أحب أن أكتب كوميديا حيوانية، لكن ليس على شاكلة كليلة ودمنة ولا مزرعة الحيوانات، بل كوميديا أتنقل داخلها بسلاسة ما بين البشر والحيوان، وهذا تحقق من خلال هذا العمل الذي يظل لكل شخصية من شخوصه الرئيسية قرين حيواني تتماهى به، إنها كوميديا حيوانية أبطالها أناس من لحم ودم ومشاعر وأحقاد]. حيث “تتسلل الرواية إلى قلب الزمن السياسي والإعلامي ودهاليزه ومعارك أجنحته، لكنه زمن مكتوب من داخل المكان الحضري الذي يعرفه ياسين ربما أكثر من أي مكان آخر من مراكش لا الأيقونة السياحية، بل مراكش الهامش والصراع اليومي مع الحياة. من داخل محل الإنترنت الذي يديره “رحال العوينة” وعلى صفحات الموقع الإلكتروني الإخباري الأكثر انتشاراً “هوت ماروك” يستعرض النص ديوان السياسة في البلاد، وتقاطعاتها بالإعلام، وتوظيفها لمساحات الكوكب الافتراضي التواصلي في التلاعب بالمشاعر العامة وتوجيه مواقف المواطنين الذين يرفلون في وهم الحرية وسراب الإرادة والاختيار. عن الفضاء الأزرق كعالم للرواية يوضح عدنان أنه “يمكن الزعم أيضاً بأن الرواية كوميديا إلكترونية ما دام جزء من مغامراتها وأحداثها يدور بين خيوط الشبكة العنكبوتية، على الفيسبوك أساساً لكن أيضاً من خلال موقع هوت ماروك الذي منح اسمه عنواناً للعمل”. بالنسبة له صار الفضاء الأزرق “يسرق منا عمرنا بالساعات، صرنا نقضي وقتا طويلا أمام الكومبيوتر نبحر في المواقع ونتسكع في الشوارع الإلكترونية ونجلس طويلا في المقاهي التفاعلية على الإنترنت”. وخلص إلى أن “كان من الضروري أن نتصدى كأدباء للكتابة عن هذا العالم وعن حياتنا فيه، خصوصا تلك الحياة السرية التي يكشفها الأدب، وهذا ما قامت به هذه الرواية وهي تفضح في حبكتها الرئيسية الحياة الموازية لرحال العوينة الذي نفاجأ بأن حياته الافتراضية في هوت ماروك وعلى الفيسبوك مخالفة تماماً لحياته الواقعية”[1].

تساهم الرواية من خلال مجموعة من الأدوات الفنية والجمالية التي تملكها في إغناء التعبير الإنساني والوعي المعرفي عن الأفكار والأحاسيس وتجارب الواقع والذات في المجتمع تجاه العالم، ومن هنا فإن رواية “هوت ماروك” لياسين عدنان تحاول أن تقدم لنا مجموعة من التفاعلات والمواقف الإنسانية بين شخصياتها والتي من خلالها تتوزع الأحداث والأفكار التي تساهم في اتخاذ القرارات،… ففي الرواية نجد أن هناك نوع من الفعل السياسي والاجتماعي من خلال الوقوف على مجموعة من الأدوار السياسية التي تقوم بها الشخصيات في إطار بناء سياسي يحدد العلاقات بين الفاعلين الأساسيين في المجتمع. إن السياسة باعتبارها نسقاً اجتماعياً وفكرياً، بل عملية مركبة تقوم على تحديدات نظرية وفكرية وتطبيقية أكثر شمولاً ومنطقية من باقي العمليات البشرية الأخرى، فهي لم تبقَ في منظرونا، وفي منظور الروائي أيضاً، مجرد قضية بسيطة معروفة بل إنها نسق إنساني وعلمي وبشري في حاجة إلى التغيير من جهة المفهوم والوعي بها.

هوت ماروك، الفضاء الروائي المتعدد

عندما نتحدث عن الفضاء الروائي فإننا نستحضر العديد من العناصر المكونة لهذا الفضاء، من حيث كونه المكان الذي يحتمل أحداث الرواية وتفاعل شخصياتها ومدى انخراطهم فيه وفهمهم لدوره المتعدد، ولذلك فالفضاء الروائي باعتباره يحضن وجود الشخصيات له أهمية كبيرة في رصد التفاعل الحاصل بين الكائن والمكان لأنه يحقق نوعاً من التلازم بينهما، حيث كل عنصر يتأثر بفعل الآخر، فالأثر “الذي يتركه الكائن البشري في فضائه الذي يعيش فيه ويألفه وينطبع به أبلغ من الفضاء الحسي نفسه، ليكون الصورة التي يحسبها الحالُّ عن المحلّ مطبوعة بالإحساس والمشاعر التي يشكل الفضاء المحسوس مجرد مثير لها ومحفز لحصولها”[2]. إن الاهتمام بالفضاء في الرواية العربية عموماً، وعند ياسين عدنان في روايته هذه، مرده إلى الحالة النفسية التي يعيشها الإنسان مما يغتابه من حزن وتمزق واضطراب نفسي، ومن أجل ذلك نجده يسقط فكرته على الأشياء من خلال استعارته فضاء هندسياً للبحث عن استقراره النفسي، فالفضاء يتعدد بين الواقع والخيالي منقولاً إلى السرد فهو بلا منازع ذلك الإطار الروائي والامتداد الجغرافي الذي تدور فيه الأحداث وتتفاعل فيه الشخصيات من خلال الأشياء التي تؤثثه فلا يمكن تصور أحداث خارج المكان، ولا يمكن تصور رواية دون مكان لكونه المحرك الضروري والأهم لبنية الحكي داخل الرواية[3].

إن الفضاء في الرواية باعتباره فضاء متخيلاً يتشكل داخل عالم حكائي في قصة متخيلة تتضمن أحداثاً وشخصيات روائية مكتسبة معنىً ودلالات ورموزاً من العلاقات المتبادلة، للوصول بهذا الفضاء إلى الانتقال من بنيته الجغرافية إلى بنيته الحكائية التخيلية التي تتجاوز معالمه الجغرافية والهندسية رغم امتداداته الواقعية، فيحيل على أمكنة لها وجود في الواقع ولها دور أساسي فيه، لكنها لا تحضر بالاسم عينه ولا بالموقع نفسه. فمحل الإنترنت، (على العكس من باقي الفضاءات الأخرى الموظفة في الرواية مثل: فضاء الجامعة، فضاء حي المسيرة، فضاء المركز التربوي الجهوي، المقهى، الكافيتريا، أقسام الدراسة،….) الذي يديره “رحال العوينة” ليس محلاً موجوداً في الواقع الحقيقي، لكنه قد يوجد محل مثله في مدينة مراكش أو في أية مدينة أخرى، وما استحضاره من طرف الروائي ياسين عدنان إلا ليؤكد مدى قيمة مثل هذه الفضاءات في المدينة بالنسبة للرواد الذين لا يملكون حواسب أو تغطية بمنازلهم فيتوجهون إليها من أجل التواصل الافتراضي أو من أجل تحقيق مآرب أخرى.

فمن خلال موقع “هوت ماروك” الذي اختاره الروائي عنواناً للرواية، تحضر الفضاءات المتعددة، ثقافياً وسياسياً، حيث التعبير عنها بشكل أو بآخر، بكونها الممثل الأهم للتفكير لدى العديد من الناس في فضاء افتراضي انتقل من قيمته المادية إلى قيمته الافتراضية، فاستطاع أن يثير العديد من التساؤلات والأفكار حول العديد من المواضيع السياسية والإعلامية التي تشغل بال المغاربة جميعاً. ولعل ياسين عدنان هنا، يريد أن يؤكد على أن هناك العديد من المواقع الأكثر انتشاراً اليوم وقبل سنوات، هي مواقع تبحث عن خلق نوع من الصراعات بين الفئات الاجتماعية على مستوى العرق والعقيدة والتفكير. إنه ناقد لوضع إعلامي يكاد ينفلت منا في غفلة ويوديَ باستقرار البلد إلى ما لا يحمد عقباه. وما يؤكد نظريتنا هذه هو ظهور العديد من المواقع الإخبارية والشاشات التفاعلية التي لا يوجد بينها وبين المهنية الإعلامية سوى الخير والإحسان. يقول الروائي: “فمقهى الإنترنت الذي يشرف عليه تواصل العناكب نسجها لخيوط شبكاته الإلكترونية بهمة وتفانٍ حتى منتصف الليل، وقد تتجاوزها إلى ما بعد الواحدة حين تشتد حرارة مراكش ويصير ليل الحمراء مغرياً بالسهر”[4]. أو كما يعبر عن تدخل عامله عماد في شؤون زبناء المحل والتنصت عليهم أثناء إجرائهم للمكالمات الهاتفية، يقول: “لذلك يشتغل في أمانٍ تام. يرقن بحوث الطلبة بهمة، ويتصنت على مكالمات زبناء التليبوتيك بفضول جارف تخفيه ملامحه الوديعة المحايدة، ويخزن أرشيف الفوتوكوبي باطمئنان. وفي الليل ينتبه جيداً إلى حركته على السرير ويتقلب بحساب؛ كيلا يزعج حسنية”[5]. بل إن “رحال العوينة” تحوّل بقدرة قادر إلى رجل مهتم بالإعلام الجديد وقام بفتح العديد من العناوين الإلكترونية والحسابات الخاصة به على مواقع عالمية مثل: “فتح حساباً في هوتميل لا ليراسل منه أحداً، بل فقط ليكون له حساب في هوتميل. وأنشأ آخر على مكتوب لا ليدردش عبره مع عرب الشبكة، وإنما من الطبيعي أن يكون له حساب على مكتوب. الثالث في ياهو، هكذا لأنه ياهو، والرابع: لم يقررْ بعدُ”[6].

إن موقع “هوت ماروك” فضاء افتراضي للتعبير عن الرأي دون قيود أو شروط، باعتباره فضاء اجتماعي متعدد يقوم على تصورات “رحال العوينة” في إطار رؤيته السياسية والفكرية للقضايا السياسية والاجتماعية بعيداً عن الفهم التقليدي للقضايا، حيث إنه مجال شاسع للتفكير في النسق السياسي المغربي وفي أساليب الحكم وطرق عمل الحكومة وقراراتها التنفيذية وموقف المعارضة منها. ولذلك نجد شخصيات الرواية الفاعلين في هذا الفضاء منخرطين بشكل أو بآخر في هذا التفكير، وفي حقيقة الأمر، يمكن القول إن الجميع يريد أن ينخرط في الوصول معرفة ما يعتمل داخل مجال السياسة وكيف يتم تصريفها على أعلى المستويات مثل: “أسلوب توزيع الثروة الاقتصادية، ونظام التعليم، وحركة القوى العاملة، وقوانين الإسكان… الخ، بحيث يمكن القول: إن السياسة تتدخل في كل أمور الحياة المعاصرة… وهكذا تبدو السياسة باعتبارها نسقاً اجتماعياً ذات هيمنة شاملة على كل أنساق الحياة المختلفة. ونتيجة لذلك فإن الأدب حين يعكس رؤية تقدمية للواقع فإنه يعد ممارسة سياسية بمعنى من المعاني. ولا ريب أن الأدب الجيد ملتزم بالضرورة والالتزام يقوده ـ تبعا لذلك ـ إلى صف المعارضة”[7]. إن الروائي هنا يهدف إلى تعرية الفساد السياسي والاجتماعي، بل والفساد الاقتصادي والاستلاب الثقافي المستشري في المجتمع، مندداً بالشطط في استخدام السلطة، من خلال مقاربة قضايا المجتمع الحساسة والساخنة مثل قضية الفقر والجهل والفساد الأخلاقي القيمي والتحزب المبني على الطمع والجشع والمشاركة السياسية الغير السوية والتي يرغب الفرد من خلالها تحقيق المآرب الشخصية والعائلية،…

كان هناك تصور واضح عند ياسين عدنان وهو يكتب الرواية، تصور مبني على تحقيق رجة عميقة في الوعي المغربي، والدفع نحو تحقيق نوع من التفكير في الواقع ومحاولة تغييره أو إصلاحه بشكل أو بآخر، فالرواية عموماً، هي نقد للمجتمع ولأفراده وسلوكاتهم ومواقفهم السلبية تجاه قضاياهم وقضايا وطنهم، بل إنها دعوة صريحة لبناء رؤية سياسية وفكرية تنحو في اتجاه تبني فكرة التغيير والإصلاح ومناصرة القضايا الوطنية والقومية، سواء من خلال التعبير الصريح عن بعض مكامن الخلل السياسي والاقتصادي أم من خلال استحضار العديد من الأحداث ذات علاقة بالسلوك اليومي للشخصيات في الرواية والتي تمارس أشياء وسلوكات غير قابلة للتصديق تدخل في إطار الفساد بكل أشكاله. إنه ناقد فنان، يستدعي الفن الروائي للتعبير عن موقفه ورأيه تجاه قضايا أساسية في مجتمعه.

رمزية المرأة في الرواية: الحضور والفعل

تندفع المرأة غالباً في النص الروائي نحو الحضور اللافت والمثير، بل والـتأكيد على وجودها كذات وجسد وفكر. وفي روايتنا هذه، تجد المرأة في رحلتها الشاقة والمستعيدة للوجود المفقود في آنٍ. ففعل الوجود عندها هو فعل التذكر الذي يجعلها تستعيد الأحداث والأفعال واللحظات الحميمية الخالصة التي عاشتها كمادة حيوية تنتج عن فعل بسيط تقوم به أو عن شعور خاص بها. إن ذات المرأة بمثابة طاقة للتغيير والتدفق اللانهائي في دواخلها لتخرجها على كل صورة جديدة متجددة في الحياة كأنها تستشرف على زمن مستقبلي. يقول الروائي: “حين شاهد رحال صور أسماء صعق تماماً. شيء يفوق الوصف. يتجاوز قدرته على التحمل. جسد مكتنز ورشيق في نفس الوقت. متدفق من غير تهدل. قوي مشدود إنما في لطافة ولين. كان قميصها في الصور أحمر بفتحة في الصدر مدروسة بعناية. تتيح للمهرين أن يطلاَّ بخَفَر دون أن يجمحا إلى الخارج، وكعادة أسماء كان القميص ضيقاً بما يكفي ليبرز مفاتن جذعها، قصيراً يكشف عن سرةٍ جميلة أشعلت في دواخله النار. كانت تلك أول مرة تلج فيها باب السيبر، لذا بدتْ مرتبكة وهي تشرح لرحال المطلوب. أفهمها أن الأفضل أن يفتح لها حساباً في الهوتميل منه يبعث الرسالة وبطاقة التعريف والصور للمعني بالأمر، وكذلك كان”[8]، هنا تتجلى رغبة المرأة في تغيير رؤيتها للأشياء ولك جديد في الحياة، فبدورها، إضافة إلى جمالها وتأثيره على الرجل، تحاول أن تستغل التكنولوجيا وما تحمله من جديد في إيجاد فرصة لها للتعبير عن ذاتها وعن نفسها مهما كان الثمن ومهما كانت النتائج التي تترتب عن ذلك.

إن نضال المرأة، وفي روايتنا هذه على الخصوص، هو نضال ضد الزمن، على حد قول مارسيل بروست، فهي كذات أولاً، وكأنثى ثانياً، مثلها مثل كل الآخرين، ترغب في “التعلق بحب، صداقة، بقناعات، ولكن نسيان الأعماق يرتفع شيئاً فشيئاً حول أجمل ذكرياتهم وأغلاها”[9]. هناك روح تسكن المرأة في رواية “هوت ماروك” تجعلها تعيد تشكيل ذاتها المتشظية وتبحث عن الحضور اللافت في المجتمع، سواء كان داخل فضائها الصغير في البيت، أم في فضاءات متعددة خارجه. يقول الروائي في ذلك معبراً عن روح المرأة الثائرة والباحثة عن التغيير بعد فشلها أو على الأقل عدم وصولها إلى غايتها من الحب: “لم تعدْ أسماء تسأل رحال عن مصير الإيميل. لم تعدْ تترقب رداً من أحد خصوصاً بعد اختفاء طاليوس. يبدو أنها يئستْ. أما رحال فلمْ يخبرها بأمر الإيميلين: الأول جاء يسأل عن يونس مباشرة بعد اختفائه وقبل أيشيع خبر اعتقاله في مقهى ميلانو، والثاني بعده بشهرين يطلب من اللبؤة أن تبعث رقم هاتفها المحمول في أسرع فرصة ليتصلوا بها من ميلانو للشروع في ترتيبات السفر وتهييء الأوراق اللازمة بعدما تمتْ المصادقة على طلبها أخيراً”[10].

إن المرأة باعتبارها شخصية فاعلة وذاتاً متحركة في الرواية، تمثل رصيداً وافراً من القيم الاجتماعية ومعتقدات المجتمع وأساليب تفكيره حيث واقعها المشؤوم ووضعها الاعتباري المبني على الاستغلال والخرافة والشعوذة والنهل من البنية الفكرية التي تعيش خارج التاريخ والمعرفة السليمة، ذات تكالبت عليها الألسنة والقوى المستغلة والمسيطرة على المجتمع ومنظومته الفكرية والدينية… لكنها لم تسلِّم الراية البيضاء وبقيت حاضرة متيقظة تناضل من أجل ذاتها ووجودها الآدمي بالدرجة الأولى، حيث انخرطت في الهامش الثقافي وساهمت من حيث هي في تحريك الماء الراكد واندفعت بحبٍّ وعشقٍ لذاتها أولاً وثانياً لكي تؤكد حضورها في مجتمعها من خلال تجاوزها لحالات التمزق والانشطار والتفتت التي عاشتها وتعيشها يومياً، فكان الخطاب الروائي قوياً وتعبيرياً عن أفكار ومواقف الشخصيات الأساسية والثانوية فيه، وخاصة صوت المرأة.

أخيراً، يقدم النص خطاباً روائياً ينهل وجوده ويبرزه من خلال نهله من الواقع المتعدد الأطراف والمفعم بالإنصات للشخصيات وأحاسيسها وحدوسها، مع استحضار كل ما هو متخيل من أحداث وشخصيات ومواقف إنسانية، كل هذا مرتبط بوعي الكاتب ومدى إحساسه بأهمية أن “المخيلة والإحساس هما أداتان جوهريتان في التفكير العملي، ومن ثمّ حاجتنا إلى الأدب لنوسع مخيلتنا وشعورنا الأخلاقيين ونحسن بذلك استعدادنا للتفكير العملي”[11]. كل هذا يقودنا إلى القول إن الرواية (هوت ماروك) تعبر بأسلوب أدبي وفني وجمالي “عن تجذرها في بنية المجتمع الذي أوجدها، (وهو هنا المجتمع المغربي) والتقاطها للتحولات واللحظات المفصلية على صعيد التطور الاجتماعي”[12]. فالكاتب استطاع أن يدخل في غمار الواقع الاجتماعي المغربي من خلال نبشه في تقاليد المجتمع المراكشي وأفكار الناس والإنصات لمشاكلهم وتتبع مواقفهم وهمومهم حيث الإنسان البسيط الباحث عن لقمة العيش والإنسان الموسر الغني بأفكاره وماله وسلطته والذي يحاول جاهداً استعباد واستبعاد الضعفاء بطريقة أو بأخرى.

عند قراءة الرواية قراءة متمعنة نرى أنها رواية الإنسان الواحد المتعدد، حيث اعتمد ياسين عدنان على تفتيت الزمن الإنساني وتعديد الفضاء، كما حاول إدخال عناصر الفعل البشري المتعدد في إطارٍ جامعٍ من الأزمنة والأمكنة والمشاعر والأحاسيس والمرافق الحضرية والتفاعلات الفردية والجماعية، لتبرز المرأة ككائن له زمنه الخاص وفضاؤه الخاص مرتبطة بعلاقات القلق والحزن والأمل والرغبة والجنون والشهوة. فالرواية قامت على تكثيف قوي في الخطابات والأحداث والمواقف والدلالات المتعلقة والمرتبطة بالواقع المراكشي والمغربي عموماً حيث تتحرك الشخصيات وتتفاعل تلقائياً من خلال نظرة الكاتب وشخصياته للعالم وأسراره.

الهوامش والمراجع


[1] – نزار الفراوي، “رواية هوت ماروك: المغرب في كوميديا حيوانية”، موقع الجزيرة نت، بتاريخ: 13 مارس 2016، رابط الموقع: https://www.aljazeera.net/news/cultureandart/.

[2] – إبراهيم الحجري، شعرية الفضاء في المرحلة الأندلسية، دار النايا للنشر والتوزيع، دمشق، ط. 1، 2012، ص. 37.

[3] – محمد باهي، الفضاء الروائي الجانب الفقير في النقد الأدبي، مجلة المشكاة، المجلد 8، وجدة، المغرب، العدد 29، 1998، ص. 119- 120.

[4] – ياسين عدنان، هوت ماروك، رواية، دار العين للنشر، القاهرة، ط. 1، 2016، ص. 173.

[5] – ياسين عدنان، الرواية، ص. 177.

[6] – المصدر السابق نفسه، ص. 200.

[7] – طه وادي، “السياسة والفن في الرواية المعاصرة”، مجلة كلية الآداب، مصر، جامعة القاهرة، العدد 1، المجلد 50، مايو 1990، ص. 59.

[8] – ياسين عدنان، هوت ماروك، المصدر نفسه، ص. 259- 260.

[9] – مارسيل بروست، البحث عن الزمن المفقود، “جانب من منازل سوان”، من مقدمة أندريه موروا، ترجمة: إلياس بديوي، دار شرقيات، ص. 76. انظرْ: نزار سالم، “مارسيل بروست: البحث عن الزمن المفقود”، مجلة نزوى، الوادي الكبير، سلطنة عمان، العدد 101، يناير 2020، ص. 260. 

[10] – الرواية، ص. 271.

[11] – إدريس الخضراوي، سرديات الأمة : تخييل التاريخ وثقافة الذاكرة في الرواية المغربية المعاصرة، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ط. 1، 2017، ص. 86.

[12] – محمد برادة، الرواية العربية ورهان التجديد، كتاب دبي الثقافية، العدد 49، دبي، مايو 2011، ص. 70.

أدب الثاني عشر بعد المئة سياسة

عن الكاتب

Avatar

عزيز العرباوي