“رسائل من امرأة مختفية” لـمحمد برادة

كتب بواسطة رشيد الخديري

حفريّات في الذّاكرة والوجود الإنسانيّ

1. إضاءات

   يُعدُّ محمد برادة واحدا من أهم الأصوات الروائية والنّقدية في العالم العربي، فقد دَشَّنَ “مند ستينات القرن الماضي، وربّما قبل ذلك، مسيرة نقدية وإبداعية ما فتئت تتطور بطريقة مبهرة، ما جعله يحظى بحضور رفيعٍ في النقدين المغربي والعربي. وقد ساهم في بقوة في إنتاج خطاب جديدٍ عن النقد والأدب، كما نهض بلا كلل، بدور محوريّ في تشكيل الوعي الأكاديمي، والوعي النقد العام لدى القرّاء من خلال العلاقة الحواريّة التي حرص، بوصفه تاقداً، على إقامتها، من جهة، بالمرجعيات الفكرية والمعرفية التي نَهَل من معينها، وبالعمل الأدبي، من جهةٍ ثانية، حيث عني بتحليل النَّص الأدبي، وإبراز المظاهر الدّالة على تفرّده وقوانينيه العامة”(1)، ومن هذه الزاوية، فإن برادة، بحضوره الثقافي الوازن، وجهوده في الارتقاء بالممارسة النقدية والأدبيّة، قد استطاع أن يتبوّأ موقعا فعلياً في الساحة الثقافية العربية منذ مطلع ستينيات القرن الماضي إلى وقتنا الراهن، ونعتقد أن ما يُميِّز برادة هو ثقافته الواسعة ورؤيته الثاقبة لمجالات الأدب والنقد والحداثة والفكر، نتجية احتكاكه بأهم رموز الثقافة العربية والغربية على حدٍّ سواء، كما أن برادة، عَمِلَ طوال ثلاثة عقود على بلورة مشروع نقدي وأدبي، سعى من خلاله على “المزاوجة بين الاشتغال على نصوص سردية عربية واستكناه آليات النقد العربي قديمه وحديثه من جهة، ثم الاحتكاك بالنقد الغربي ومساءلة أجلى رموزه بفهم خلفياته النظرية وشروطه الدقيقة من جهة ثانية…كلها عوامل بلورت لديه وعيا نقديا ذا أسس ابستمولوجية متماسكة تتميز بالانسجام والتفاعل والانفتاح في أفق صوغ تصورات ومقاربات بخصوص الرواية العربية تأريخا وتنظيرا وتحليلا”(2)، ومن ثم، فإن برادة، كاتب متعدد، يُحاول الجمع بين ما لا يُجمع، كشرط مرجعيّ في مادته الكتابيّة، سواء ما بين الانغمار في منظورات التأويل النقدي، أو من خلال، بناء عوالم سردية مغرقة في الدهشة، وبين هذا وذاك، يَتَبَدَّى، برادة، من خلالهما، ماسكاً بمشرط الكتابة، غارقا على نسج متخيّلات عميقة في الرؤى والتّصورات.

2. برادة ورهانات الكتابة

      لنقل، إن محمد برادة، في كتاباته كان ولا يزال جديرا بدور الكاتب التنويريّ المدافع عن قيم الحداثة والديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية والالتزام، وهي كلها قيم إبداعية، لا نجد صداها في بياناته النقدية فحسب، بل نجدها متخفيّة بين طيّات أعماله الروائية، وإن كان هناك من دلالة تحملها هذه المنظورات في الكتابة عند برادة، فهي سعة اطلاعه ورهافة مشاعره، وانخراطه القويّ واللامشروط في الدفاع عن القضايا الإنسانيّة، والتّفاعل الإيجابيّ مع كل يمور في المجتمعات العربية، وبالخصوص المجتمع المغربي، الذي نَذّرَ له جهودا مضاعفةً  في أفق تحليله وانتقاده، بالموازة مع وضعه تحت الأضواء الكاشفة لتحولاته في العقود الأخيرة. فأ”ليس محمد برادة من طينة من يواكب سيرورة التغيير من عل، وإنما ينخرط قلبا وقالبا في يمه ولجته مسهما في تحريك والأغوار المجهولة. وما يثير في تجربته المتعددة، ركوبه غوارب المغامرة كما لو كان بطلاً إشكاليا يختبر روحه بحثا عن (الكلية التلقائية للكينونة) التي نضبت مياهها، وحفرت في تضاريس العالم شروخا لا تلتتئم (على حد تعبير جورش لوكاش). ومما أسعف محمد برادة على خوض مغامراته المتنوعة _بنجاح وفاعلية رغم كثرة العراقيل والمثبطات- توسله إلى العلم بافتراش المدر، ودقة النظر، وسعة البصيرة. وهو ما جعله يُحقق جزءا من مطامحه، ويداري ما تبقى منها أو لم يتحقق في قصصه ورواياته وخواطره”(3)، ومن بين هذه الاهتمامات الإبداعية التي ارتادها براة وبَرَعَ فيها، نجد مجال الكتابة الروائية، ولا يسع المقام ها هنا، أن  نُعَدِّدَ أهم رواياته، فهي معروفة ومطروحة في الطريق، غير أن هذه الدراسة التي نطرحها بهذا الخصوص، إنما، تبقى في شواغلها ومضايقها تثير الكثير من الأسئلة الحارقة والمهمة حول رواية “رسائل من امرأة مختفية”(4)، وهي عمل سرديّ يَتَبَأَّر حول (فن التّراسل)، خصوصا في فترتي الستينيات والسبعيينات (زمن كتابة هذه الرواية)، حيث كانت تقنيات التواصل الرقميّ والاجتماعيّ غير متوفرة، فكانت الرسائل هي المتنفس الوحيد، المعبِّر عن كوامن الأعماق.

3. حفريّات في الذّاكرة والوجود الإنسانيّ

      أومأنا أعلاه، أن هذه الرواية، تتخذ من التّراسل مادة كتابيّة لتحبيك السرد وبناء المتخيّل الروائي، وتدور أحداثها بين فترتي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حول قصة حب جارفة بين هيمان وجاذبية عبد العزيز، هذه القصة ستنتهي باختفاء مفاجئ للبطلة، ولم تترك إلا خمس رسائل خطيّة، مما جعل (هيمان السبتي) يقع في حيرة من أمره، ويبحث في البحث عن (جاذبية عبد العزيز)، لكن، للأسف لم يعثر لها على أثر. فبالإضافة إلى الرسائل، تركت (جاذبية) ندبوبا وذكريات، لا تكاد تنطفئ في قلب هيمان، تعود إلى الظهور، كلما مرّت في خاطره على نحو غريب، لكنه، مبهج ولذيذ. لقد استثمر برادة المتخيّل لبناء رواية واقعيّة، بدليل وجود رسائل حقيقيّة بين طيّات المتن، رسائل مكتوبة بخط اليد، وأخرى، مرقونة على سبيل الإيضاح. تبدأ هذه الرواية بتوضيح حول ملابسات كتابة هذه الرواية من طرف (الكاتب الضمني)، وهي تقنية سردية، ربما، لجأ إليها برادة على سبيل المناورة والتمويه، بحيث يعمد الكاتب الضمني إلى القول” بأن شخصا عاش قصة ويعتبرها جديرة بالتدوين، لكن لم يسبق له أن ما رس كتابة القصص والروايات، فيلجأ إلى كاتب قرأ له من قبل وأعجب به، ليطلب منه أن ينوب عنه في صياغة ما عاشه، مزودا أياه بتفاصيل الحكاية وبـ”وثائق” تؤكد واقعية القصة. وفي الآن نفسه يسمح للكاتب أن يستعمل حقه في التخييل وتأثيث الفضاء ودسّ مشاعره واستيهاماته ضمن ما حكاه له…”(5).

       ينطلق برادة في هذه الرواية إلى مساءلة الذاكرة والحفر في الوجود الإنسانيّ، ضمن قصة استعارية واقعية، لكنهأ، مدفوعة بالتخييل والتحبيك وتوريات اللغة والحوارية، في مسعى تخصيب المرويات وتطعيمها بشواغل السرد والتخييل والتاريخ والوقائع، “وبذلك نلاحظ أن المزاوجة بين الفانطاستيك والأسطورة والمحكيات الموروثة، وكذلك اللجوء إلى استعارة سردية كتب التاريخ والقصص الشعبية وتقنيات الصحافة والسينما والوثائق، إلى جانب شكل الرواية واستيحاء الرواية النسبية للورانس داريل، ومزج اللغة المتداولة بالخطاب الصوفي وهذيان الشعر”(6)، واللافت للانتباه في أعمال برادة الروائية أنها لا تنفك عن الانفتاح على الواقع السياسي والاجتماعي للمغرب، شأن هذه الرواية التي حاولت الاندغام مع الحقل السياسي المغربي إبان حصول المغرب على الاستقلال، وما أفرزه ذلك من تبعات على متسوى هرم السلطة، ثم، تلك العلاقات المتشنجة لليسار المغربي مع رموز السلطة من جهة، ثم، مع التّحولات الكبرى التي تعرفها المجتمع المغربي. هكذا، فإن الانزلاق نحو متاهات الحب وققص المحبين (المعذبين فوق الأرض) بتعبير فرانز فانون،  لا يعني القطيعة مع المشهد السياسي المغربي في فترة غليان وصراع من أجل امتلاك السلطة، وعليه، فإن حفر برادة في تاريخ المغرب الغابر والمعاصر بطريقة سردية، يُعلن من خلاله “انتسابه إلى الأفق الذي تجترحه هذه التجارب الفكرية الإنسانية التي ناصرت القيم الأساسية كالحرية والمساواة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحسب، بل يشدِّد كذلك على ضرورة استيعابها وفهمها كشرط لا مناص منه لفهم الواقع، وتفكيك بنيات التّخلف”(7)، من هتا، يُمكن أن نفهم أسرار الكتابة عند برادة، فهي عبورات في الحب والذاكرة والزمن والثقافة… بل هي كذلك، خطابات وبيانات كتابيّة من أجل النهوض بالمجتمع وتحقيق مساعي المصالحة مع الذات، كون هذه الثقافة هي معبر نحو الإشكاليات الكبرى التي تطرحها الكتابة الروائية بشكل خاص، ومن الواضح، أن برادة سيظل مسكونا بهاجس التحدي ورفض كل أنماط التسليع الإنساني والنظر إلى المرأة في كونها مجرد آلة لتفريغ المكبوتات الجنسية والعشقية، وإنما، هي وجود وحياة وكائن حيّ قادر على الانخراط في التغيير. تغيير العقليات الذكورية المستبدة المتسلطة والنزوع نحو استحياء الوعي الاجتماعي وتوسيع مناطق التفاعل معه وفيه على نحو منتجٍ وخصيب.

4. تركيب

     لا تكتسب هذه الرواية مشروعيتها ووجودها إلا إذا ما تم ربها بالمحكيات السابقة، لأنها قمينة بتقريبنا من عوالم برادة الروائية، بالإضافة أيضا، بربطها بمفهومات الكتابة عند برادة، من منطلق التَّشبع بمنظورات الواقعية الاشتراكية، ومن هذه الزاوية، فإن كتابات برادة سواء الأدبية أو النقدية، لا يُمكن فهمها واستيعابها إلا من خلال الفهم العميق لطرائق التفكير ومفاهيم الحداثة، “ومن هذه الزاوية تكون واقعية الرواية العربية الحديثة… لا تكتسب هذه الصفة لأنها تصف الحياة العصرية الطارئة أو الوافدة، وإنما، تستمد واقعيتها أساسا من الشكل الذي تشيّده لتأطير جزء من ذلك الواقع وتضمنه رؤية من بين رؤية من رؤيات أخرى ممكنة”(8)، وبناء عليه، فإن هذه الرواية تستمدُ واقعيتها ومتخيلها من طبيعة الموقف السياسي بالمغرب إبّان تلك الفترة، بل إن قصة الحب بين هيمان وجاذبية، ما هي إلا غطاء ووسيلة للتعبير عن مطبات وأسئلة هذه المرحلة والطابع السجالي الذي ميّزها عن باقي فترات المغرب السيّاسي، واشتداد الفورة الايديولوجية وتصاعد المد القومي والانغمار في حواضن الماركسية، كل هذه الأمور، جعلت من هذه الرواية، بالإضافة إلى مرتكزها الحلميّ العشقيّ، صورة حيّة لالتقاط نبض المجتمع وتحولاته الكبرى.


هوامش الدراسة:

(1)– إدريس الخضراوي: الكتابة النقدية عند محمد برادة، المرجعية والخطاب، أفريقيا الشرق، ط 1، 2020، ص: 12.

(2)– شعيب حليفي: محمد برادة، كاتب استثائي، رهانات الكتابة عند محمد برادة، (وقائع ندوة)، منشورات مختبر السرديات، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، الدار البيضاء، ط 1، دجنبر، 1995، ص: 3-4.

(3)– محمد الداهي: محمد برادة… مفرد بصيغة الجمع، البحث عن الذات بين جيلين (جماعة من الباحثين)، تنسيق وإعداد: محمد الداهي، منشورات دار الأمان، ط 1، ص: 5.

(4)– محمد برادة: رسائل من امرأة مختفية، دار الفنك للنشر، ط 1، 2019.

(5)– المصدر السابق، ص: 5.

(6)– محمد برادة: أسئلة الرواية..أسئلة النقد، منشورات الرابطة، الدار البيضاء، 1996، ص: 24.

(7)– إدريس الخضراوي: الكتابة النقدية عند محمد برادة، مرجع سابق، ص: 232.

(8)– محمد برادة: تعدد التيمات والأشكال وتأصيل الرؤية في الرواية، فضاءات روائية، منشورات وزارة الثقافة المغربية، الرباط، 2003،  ص:59.

أدب الثاني عشر بعد المئة العدد الأخير

عن الكاتب

رشيد الخديري

اترك تعليقاً