موزارت في رواية “آخر أبناء موزارت”

كتب بواسطة محمود عبد الغني

أي علاقة يمكن إقامتها، أو البحث عنها وتوظيفها، بين الأدب والموسيقى؟ هل للأدب، حين يوظف الموسيقى موضوعاً، نفس القوة الانفعالية التي تثيرها الموسيقى كحقل خاص؟ هل للأوبرا نفس التأثير في الانفعال العاطفي الذي تثيره مسرحية مثلاً؟ هل حين نتخذ من الموسيقي العربي زرياب شخصية روائية، كما في رواية “زرياب” للكاتب مقبول العلوي، نسمع نغماته واجتهاداته الموسيقية؟ ونفس السؤال يمكن طرحه بخصوص رواية “جاز” للكاتبة الأمريكية ” طوني موريسون”. هذه أسئلة كبرى نتناول من خلالها، ولو باقتضاب، رواية “آخر أبناء موزارت”. على أمل العودة للموضوع في حلقات أخرى.

   “آخر أبناء موزارت” هي رواية للكاتب الفرنسي ” جاك تورنيي” (1922- 2019). شخصيتها الرئيسية آخر الأبناء في عائلة الموسيقار الكلاسيكي الشهير “فولفغانغ أمادور موزار” (1756-1791).

       يحتار الدارس في كيفية تصنيف هذه الرواية، هل هي رواية بيوغرافية أم رواية خيالية؟ لكنها في النهاية، بعيداً عن مشكلة التصنيف، تبقى تحفة أدبية تتناول حياة أصغر أبناء موزارت الذي يحمل اسم “فرانسز كسافر فولفانغ أمادوس”، وما يطبعها من شاعرية ودقة أسلوبية معهودتين في كتابات جاك تورنيي. بنفس هذه الشاعرية تغوص الرواية إلى أعماق مآسي أبناء المشاهير الدين يسعون، دون وعي منهم، تسلق سلم النجاح الذي صعده أسلافهم.

  في نهاية شهر يوليو/ تموز من سنة 1791، حين أنهى موزرا أوبرا “الناي السعيد”، توصل من شخص مجهول دعوة غريبة لإحياء حفل جنائزي، وفي يوم 26 من نفس الشهر وضعت زوجته طفلهما السادس “فرانسز كسافر”، الذي لم يكتب له رؤية والده، موزارت، الذي توفي شهر ديسمبر/ كانون الأول. وحين يكبر الطفل سيصبح عازف بيانو وملحناً بارعا.

    كان فرانز في عمر ثلاثة وعشرين سنة حين وصل لومبورغ، المدينة الأوكرانية التي لمع فيها اسمه، في ضيافة محافظ المدينة السيد “فان باروني-كافالكابو” وأسرته. بعد أن غادر فيينا في وقت مبكر بسبب غزو نابوليون بونابارت لها. فيما نفت والدته نفسها إلى كوبنهاغ بصحبة المستشار الدنماركي “نيسان” الذي ستربط بينهما علاقة حب ثم زواج، “نيسان” سيكسب حياته في عمله الجديد كقابض. فيما سيصبح طموح “فارنز موزارت” في مدينة لومبورغ هو كسب حياته بالعمل في الموسيقى.

  حين تكون ابن شخص حاز الكثير من النجاح والشهرة والتقدير، بل ورفعته جميع الحضارات إلى أعلى مراتب الإبداع، وتريد أن تمارس وتعمل في نفس المجال الذي نجح وبرع فيه، حالة ابن موزارت هنا، فإن حجم الشقاء قد يزداد في كل لحظة، إلى حد الخضوع لحقيقة أنك عاجز على الاقتداء به والوصول إلى ما وصل إليه. هذا ما حدث للشاب موزارت، مع الإشارة إلى أن الرواية تصوره وهو في الدرجة الأولى من سلم الصعود إلى المجد.

    وللتخلص من الظل الأصلي، موزارت الأب، ولإرجاعه إلى مرتبة البشر، بدل مرتبة الأسطورة التي أثقلت كاهل موزارت الابن، سينطلق هدا الأخير في رحلة بحث شاقة عن الحياة العاطفية لموزارت العظيم. وعبر اعترافات محيطه، بدأ الابن يرسم صورة أكثر قرباً من حقيقته.

      لقد نجح الروائي “جاك تورنيي” في رسم صورة عن الشهرة وتأثيرها العظيم والمركب على نفسية أقارب المشاهير، وردود فعلهم تجاهه، وحيرتهم في تقدير وتقديم صورته، بين الأسطورة والواقع، ذهاباً وإياباً بين النموذجي والواقعي. وخلال هذه المقارنة، تتحدث اللغة بقوة التحليل النفسي، وعمق الرصد الطبي الداخلي. لكن التنقيب في خبايا وأسرار الشهرة، وبالتالي الكشف عن حقيقتها وكيفية صناعتها عند الآخرين وعند آبائنا، يمكن أن يخلق مأساة خاصة، يمكن أن تدمر كل ما صنعناه، أو كل ما نحلم بصناعته. لذلك يمكن اعتبار رواية ” آخر أبناء موزارت” تنبيه لأمر في غاية الأهمية: إن حيوات الناس ليست نسخاً متماثلة، ويجب الانتباه إلى عدم البحث عن المتماثلات دون استطاعة الوصول إليها.

إن مأساة ابن الموسيقار ” موزارت” توجد في كونه أراد ممارسة نفس مهنة والد: الموسيقى، وتحقيق نفس مجده، لكن ثقل هذه الأهداف كان أكبر مما يمكن تحمله، ولكي ينفصل عن ظل والده الضخم، دهب في طريق آخر: البحث في خبايا حياته العاطفية، لعله بهذه الطريقة يمكن التقليل من حجمه العملاق، ومن ثقله الوازن.

مقطع من الرواية “آخر أبناء موزارت”:

فرانسوا-كسافيي موزارت؟ من أسرة الموسيقار.

– هو ابنه، سيدي الحاكم.

م. فون باروني- كافالكابو توقف لحظة قصيرة بفعل المفاجأة.

– اعذرني، لكنك تبدو شاباً…حسب معرفتي، توفي والدك سنة 1791.

– بالضبط، سيدي الحاكم.

– ما يعني أنه في سن الثانية والعشرين.

-اثنان وعشرون سنة. مات وعمري أربعة أشهر.

– حتماً، أنت تحيرني، سيد موزارت. كنتُ على وشك أن أوجه إليك الدعوة، لقد أعفيتني من مهمة الشرطة هذه، حين حضرت من تلقاء نفسك. لقد رأيناك تنزل من عربة الخيول مند أربعة أيام وتحجر غرفة في فندق ” التيجان الثلاثة”، بعد ذلك رأيناك تمشي دون أن تلتقي أحداً، لم تطرق أي شباك، أو اجتزت باباً، حتى باب محل تجاري. رأيناك تحوم حول المسرح، وتضيع داخل الحي اليهودي، وتجلس على مقعد في ساحة ” كارل-لودويغستراس” وتنظر إلى الضباط الذين يتجولون وهم يدخنون السيجار الصغير، وتطل من فوق قنطرة “بولتيو” وتعود كل مساء إلى الفندق. عن ماذا كنت تبحث بالضبط؟

– عن أسباب عدم العودة إلى فيينا.

– هل يمكن أن تكون دقيقاً أكثر؟

– لقد جئت من مدينة ” ساركي”، سيدي الحاكم. قضيت فيها سنتين كمستقبل لأطفال في بيت خادم الملك السيد “جايزويفسكي”.  بعد ثلاث سنوات، شغلت نفس المهنة عند الكونت “باوروفسكي” في “بودكامن”. إن مهنتي هي عازف بيانو وملحن. وأريد العودة إلى مهنتي الأصلية، لكن لا أحد كان في انتظاري في فيينا. تزوجت أمي من رجل ديبلوماسي دانماركي يعيش في ” كوبنهاغن”. أخي يعمل بميلانو. منذ أربعة أيام، وأنا انزل من العربة، اكتشفت أشجارك وأحسست بالبرد. قلت في نفسي: لمَ لا؟ بكل وضوح سيدي الحاكم، هل تظن أنه يوجد بلومبورغ ما يكفي من التلاميذ كي يكسب عازف بيانو حياته؟

   شرع الحاكم في الضحك.

– هل تبحث فقط عن التلاميذ؟

…..

– ابن موزارت!

 قررت السيدة ” فون باروني-كافالكابو” تنظيم سهرة كبرى على شرف هذا الفنان المشهور العظيم، وربما ستكون استقبالاً رسمياً في صالونات فندق المدينة، لكن زوجها كان يحذرها.

– لا تفعلي شيئاً دون استشارته. إنه قادم من ثُقب في القرية ويظهر لي متوحشاً قليلاً.

  قبلت بإقامة عشاء يسمح لهم بالتعارف. وبما أنها فخورة بحديقتها، فكرت في تناول العشاء في الشرفة، لكن رعوداً قادمة اضطرتها إلى التراجع. انفجر في نهاية اليوم والصورة التي احتفظت بها عن فرانسوا-كسافيي هي صورة شاب نحيف جداً، يداه فوق رأسه، ويقفز بين البرك. خلال العشاء، تساءل زوجها عن “ساركي” و”بودكامين”.

–  لماذا تركت فيينا منذ خمس سنوات؟

– بسبب نابوليون. كان في تلك السنين يهدد المدينة، مما جعل العددي من المقيمين الأجانب يغادرونها. لقد كنا نسكن عند الديبلوماسي الدنماركي المستشار “نيسان” الذي كلمتك عنه. حين رأته أمي يجمع حقائبه، اختارت أن تلحق به، إلى بريسبورغ في البداية، حيث عقدا القران، وبعد ذلك إلى كوبنهاغ. لم تكن لي الرغبة في المنفى معهما ولا العيش في فيينا المطوقة. علمت أن الكونت ” بافوروفسكي” يبحث عن مرب لأطفاله. فقدمت نفسي.

أدب الثاني عشر بعد المئة العدد الأخير ثقافة وفكر

عن الكاتب

محمود عبد الغني

اترك تعليقاً