الفقاعة التي لا تنفقئ

ما إن يتسلل نور الشمس إلى عينيك حتى تتلمس هاتفك المندس تحت الوسادة، يرتعش جهازك ويُسدل قائمة التنبيهات الجديدة بين واتس أب، وأنستگرام، ويوتيوب، وتويتر ثم تقع عيناك على “تغريدات يوصى بها” لتجد هاشتاكًا يناهض العنف ضد أقليةٍ ما فتأخذك الحمية وتبدأ بإعادة التغريد ونقر الإعجاب هنا وهناك. تتنهد براحةٍ مرضيًا إنسانيتك الانتقائية وشاعرًا بأنك قد أديت الأمانة. يخبرك الهاشتاگ أن قضيةً ما تتمتع بأفضليةٍ أكثر من غيرها لتمارس إنسانيتك وتبدي تعاطفك معها، ثم يباغتك تنبيه “يوصى به” ليجرك إلى قضيةٍ أخرى بدعوى أنها الأقرب إلى مبادئك وما تؤمن به، ولا تزال تنجرف خلف تلك التنبيهات حتى تبتلعك فقاعةٌ كبيرة تجعلك بمنأى عن كل شيء لا يتوافق مع حقائقك المطلقة! يتماهى هذا الفضاء الرقمي أمام ناظريك مع واقعك المختلق والذي لا يقل افتراضيةً عن فضائك الرقمي، يبدو لك ما في داخل الفقاعة هو الحق المبين وما سواه باطلٌ أثيم!

إن المتأمل في النشاط الرقمي على مختلف منصات التواصل الاجتماعي يتبادر إلى ذهنه واحدٌ من أكثر الأسئلة عصيّة الإجابة وهو: في ماراثون الهاشتاگات الأكثر تداولًا، من يقرر الفائز؟ تكون الإجابة للوهلة الأولى: مستخدمي هذه المنصات الذين يمثلون الحُكّام والمتسابقون في آنٍ واحد، ولكن في خضم التخمة المعلوماتية التي يعيشها العالم الرقمي والتي تبدو أقرب إلى كرشٍ ضخمة على وشك الانفجار، كيف شقَّت هذه الهاشتاگات قوائم الأكثر تداولًا على الرغم من أن هناك قضايا أخرى لا تقل إنسانيةً وأهمية عنها؟

لعلنا قد نصف الوحدة الجماهيرية في الهاشتاگ بما قاله غوستاف لوبون في كتابه “سيكولوجية الجماهير”[1] بأن في روح الجماهير “يذوب المختلف في المؤتلف”، بيد أن الوحدة الجماهيرية في الهاشتاگ تختلف اختلافًا جوهريًا عن مفهوم الجماهرية التي قدّمها لوبون في كتابه والتي تؤكد على انحلال الفرد في الجماعة بحيث يتماهى مع قيمها ومبادئها. إن الوحدة الجماهيرية في الهاشتاگ تتمتع بميزةٍ نسبية تتفرد بها عن سواها وهي الحس الفردي العالي الذي تمنحه مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي على الرغم من التفكير الجمعي الذي يتشاركونه تحت مظلة الهاشتاگ الواحد الأمر الذي يعزز قيمة الصوت الفردي لدى المستخدمين. في حوارٍ له مع مجلة The Economist[2]، يرى الناشط إيلي بريزر أن المعضلة الرقمية الكبرى التي توالدت من رحم الخوارزميات القائمة على إدارة وسائل التواصل الاجتماعي هي إغراق المرء في المؤتلف حتى يصبح في معزلٍ عن كل مختلف. تطلق وسائل الإعلام التقليدية على هذه الظاهرة مصطلح غرفة الصدى echo chamber حيث يقبع المتلقي في غرفة فارغة سوى من صداه ويتشبع بالآراء المألوفة والأكثر تداولًا. أما في سياق الفضاء الرقمي، يطلق بريزر على هذه الظاهرة مصطلح الفقاعة الخوارزمية filter bubble وهي فقاعةٌ رقمية النشأة تحيط بمستخدم وسائل التواصل الاجتماعي مُفَلتِرةً ما يتصفح من محتوى. وتستمد هذه الخوارزميات سلطتها من معلومات المستخدم بما يتضمن موقعه الجغرافي، وتاريخ البحث على متصفحه، ونقرات الإعجاب التي يوزعها بين المنشورات، ثم تغمره بهاشتاگاتٍ ومنشوراتٍ من طرازٍ محدد وتضعه بمعزلٍ عن كل محتوى لا يتوافق مع ذلك الخيال الرقمي الذي رسمته له، وبذلك، يبقى المستخدم قابعًا في غرفة الصدى يحاصره المؤتلف وتبعده جدران شاهقة عن كل مختلف.

يُحدّثنا لوبون أن لكل تجمعٍ للكائنات الحية لابد من قائد أو محرّك بما في ذلك الجماهير البشرية فهي دائمًا تتطلع إلى قائدٍ يشعلها إرادةً وحماسة، كالزعيم مارتن لوثر مثلًا الذي قاد حركة مناهضة التمييز العنصري ضد الأمريكيين من الأصول الأفريقية، وإن كانت الجماهير على ميدان الواقعي لها زعماؤها وقادتها، فمن يقود الجماهير الرقمية؟ هل الفقاعة الخوارزمية هي وحدها الزعيم الثوري لكل الهاشتاگات الأكثر تداولًا؟ أم هي مجرد وسيلة يستخدمها زعيمٌ أكثر قوةً وهيمنة؟ لنعود بالذاكرة للانتخابات الرئاسية الأمريكية في عام ٢٠١٦ والتي أفضت إلى فوز دونالد ترامب آنذاك. لاحقت الرئيس الأمريكي الشكوك حول مصداقية فوزه منذ تقلده الحكم وحتى اللحظة، وكان أبرزها فضيحة شريكة كامبريدج أناليتيكا وشراؤها معلوماتٍ شخصية لعددٍ من مستخدمي الفيسبوك الأمريكيين دون إذنهم لأغراض الدعاية السياسية حيث قامت بدراسة بياناتهم الشخصية مستخدمةً الفقاعة الخوارزمية لتستهدفهم بإعلاناتٍ ومنشوراتٍ تروج لحملة ترامب الانتخابية. يتضح لنا من المثال السابق أمرين غايةً في الأهمية، أولهما التداعيات الأخلاقية التي تترتب عليها الفقاعة الخوارزمية والتي تجعل من معلومات المستخدمين عرضةً للهتك والاستغلال، فهل هذه المعلومات ملكٌ لفيسبوك في المقام الأول حتى تجعل منها سعلةً تُباع وتشترى؟ ما أن يعلق المستخدم في الشبكة العنكبوتية حتى تصبح جميع معلوماته لقمةً سائغةً بيد هذه الخوارزميات وتتقسم ملكيتها على أطرافٍ عدّة. وثاني الأمرين هو مشكل الاستقطاب في منصات التواصل الاجتماعي الذي خلق هوة يصعب رأبها بين المعارضين في القضية الواحدة، فكلا الطرفين متعصبٌ لرأيه ومتشبثٌ به، وقد يلاحظ المتلقي الشكل الذي تدار فيه هذه النقاشات على تويتر مثلًا حيث تصبح هذه المنصة أشبه بالمعركة بين الأبيض والأسود وينعدم فيها أي رمادي متعقل! إن أحادية المشهد والنظرة القاصرة التي تفرض نيرها الفقاعة الخوارزمية قد انتجت تطرفًا فكريًا حادًا لا يفر من براثنه إلا من وُهِبَ عين الطائر الفذة التي تجعله يستغرق في قراءة المشهد بعينٍ فاحصةٍ وشاملة.   

تستمد الفقاعة الخوارزمية قوتها من تعدد السُبل والوسائل التي تمكنها من ابتلاع مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي دون وعي منهم، فهي في جوهرها أداة قد تتراوح بين إغرائك لشراء كوب قهوة من المقهى المجاور لمنزلك، إلى جرك نحو واقعٍ متهاوٍ ومصطنع. وبعد أن كانت وسائل تضليل الرأي العام محصورةً فيما تنقله الكاميرا عبر التلفاز الوطني وما تنشره الصحف الرسمية، أخذت منصات التواصل الاجتماعي حصتها من وسائل الخداع والتضليل. ونستحضر في هذا السياق الاعتصامات السودانية في العام المنصرم، حيث بلغ التعتيم الإعلامي حدًا جعل القنوات السودانية تذيع برامج الطبخ والمنوعات في الوقت الذي كانت تراق فيه دماء المعتصمين على الميدان، كما قام المجلس العسكري آنذاك بقطع الأنترنت حتى ينأى بالمظاهرات بعيدًا عن العالم، وما كان من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي حول العالم إلا أن يصبغوا الواقع الوردي المختلق باللون الأزرق عبر هاشتاگ #BlueForSudan مُتَحَديّن وسائل الإعلام المُضَلِلَة. وهناك العديد من الأمثلة التي لا يسعنا حصرها والتي عملت فيها الحكومات على شن هاشتاگاتٍ مضادة لأخرى محاولةً منعها من الوصول إلى قائمةً الأكثر تداولًا. وحتى نفهم وسائل التضليل في الفقاعة الخوارزمية، نستشهد بما نشره الباحثين دونجي وون وبراين بو من جامعة نورثويسترن الأمريكية[3]: “لنفترض أن المعرفة والمبادئ والآراء هي مجموعة جزئيات، وحين تجتمع هذه الجزئيات تصنع بلورات اسمها “الواقع”، وبذلك، يصبح حس الواقع لدى المرء مستقى من معرفته الكلية ومن مبادئه وآرائه. إلا أن المعرفة التي يتلقاها مستخدم وسائل التواصل الاجتماعي أقل تنوعًا وموضوعية فهي غالبًا ما تلتصق إلى حدٍ كبير بآراء مستخدمٍ آخر من نفس انتماءاته وهو ما يعرف بالتبلور.” إن صياغة الواقع ليست بالشأنِ الموضوعي، ولكنه يكتسب خصوصيةً في السياق الرقمي من دعوى أن منصات التواصل الاجتماعي تُشرع أبوابها للرأي والرأي الآخر في حين أن ما تمنحه من حرية في مجملها انتقائية، وإن كان هذا الواقع الذي تبرزه وسائل التواصل الاجتماعي مبتورًا، فلا يصح أن نطلق عليه واقعًا.    

يبدو أن لا سبيل من الفرار من قضبان الفقاعة الخوارزمية المترصدة لحركاتنا وسكناتنا، قد نبدو عاجزين أمام هيمنتها ومسلوبي الإرادة، ولكن هل نحن حقًا مُسَيّرون أم نملك خيار فقءِ الفقاعة؟ من السهل إلقاء اللوم على الخوارزميات الناقمة أو على محركي الجماهير ذوي الأجندة المضللة، بيد أننا جميعًا مشتركون في نفخ هذه الفقاعة التي كلما اتسعت حجمًا، ازداد ضيق جدرانها يومًا بعد يوم. تبقى الخوارزميات رهينة مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي وما تصنعه من قراراتٍ ليس إلا محصلة بياناتهم، وإن حاول محركو الجماهير فرض القيود، قد تتفوق هيمنة المستخدمين مثلما أسلفنا الذكر في مثال الثورة السودانية. تقع على عاتق المستخدمين مسؤولية التروي في قراءة ما ينشر وتجنب الشطط عند إبداء الرأي، وليس أشد عداوةً لدى الفقاعة الخوارزمية من هاشتاگ يسوده “الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية” تتلون الآراء فيه بين معارض، ومعارض إلى حدٍ ما، ومؤيد، ومؤيد إلى حدٍ ما، وليس أحب إليها من متطرف جدًا، وأكثر تطرفًا. وإن كان سبيل النجاة من الفقاعة عصيًا، وفقؤها ليس إلا ضربًا من الخيال، فإن الوعي بها خير مُذكر.         


[1] لوبون، غ. (٢٠١٧). سيكولوجية الجماهير. مركز إبصار للنشر والتوزيع

[2] The Economist. (2011). Invisible Sieve.

[3] Wohn, D. & Bowe, B. (2014). Crystalization: How Social Media Facilitates Social Construction of Reality. Northwestern University. 

Hits: 319

الثالث عشر بعد المائة العدد الأخير ثقافة وفكر

عن الكاتب

صفية بنت خلف أمبوسعيدية

اترك تعليقاً