الإنسان حيوان رابط

لـ

mind-power

الإنسان حيوان رابط


عبدالله المعمري

إن كان هناك من شيء أغفله القدماء في وصف الإنسان فهو أنه حيوان رابط، يشكل الربط الفعل الأكثر إلحاحا وكثافة من بين جميع أفعال الإنسان، يشاهد تلبد السماء بالغيوم فيربطه بالمطر، يسمع مواء قطة فيربطه بوجود قطة في الجوار، تتسلل إليه رائحة دخان فيتحفز للحريق.

تقطيب الحاجبين، ابتسامة، صورة، صوت، قلم رصاص على حافة الطاولة، لعبة أطفال، باب مفتوح، أصابع مرتعشة، خاتم، نقش، سيارة، عصفور، جرذ، بطاطا، غيمة، دورق عطر، شجرة خضراء، كل هذه الأشياء مرج منفتح باتساع للربط، للإحالة إلى شيء ما أو معنى ما.

لا يفعل الإنسان عندما يفكر شيئا آخر سوى الربط، التفكير كله بكل أشكاله مجرد ربط، تلك هي المعادلة البسيطة، اللص الذي اختلس الهاتف المحمول من الطاولة مارس عملية ربط بسيطة: هاتف — > مال، لا أحد — > الإفلات،  والذي لم يسرقه مارس عملية ربط أخرى.

يربط الإنسان بين شيئين، يكون الأول دالا على الثاني، بينما يكون الثاني مدلولا عليه، يكون الأول رمزا والثاني معنى، الخطوط المنتظمة بطريقة معينة أمام المبنى رمز، والمعنى هو أن هذه المساحة مواقف للسيارات، الغمزة التي اصطنعتها الفتاة اللعوب رمز، والمعنى وما أدراك ما المعنى.

لا بد من وجود إنسان حتى يحدث الربط، فالأشياء لا تترابط وحدها، ووحده صانع العلاقات بين الكائنات يمنح الكون معناه، وثيمته، وبتعدد صناع العلاقات تتعد العلاقات، وباختلاف الرابطين تختلف المربوطات، وبانعدام وجود إنسان يختفي المدلول عليه، ويفقد الدال اسمه، ويفقد شرط الوجود.

هكذا لا بد للدال/الرمز من كائن مُوَعْيِن، يشتق للرمز ما يعطيه معناه، غير أنه يمكن تقسيم الرموز إلى نوعين طبيعي وصناعي، الطبيعي ما فعلته الطبيعة دون تدخل يذكر منا، مثل الغيمة التي تعد بالمطر، وآثار الأقدام، وهيجان الأمواج، وتورد الخدود، والإنسان والحيوان والضباب والريح والشمس ومنازل القمر والرمل والصخور، والصناعي ما ابتكره الإنسان اللباس والأسلحة والرسوم والصور والأجهزة، نربط بين ثياب المرء وسماته الخاصة، فالثياب الفاخرة تدل على الثراء (غالبا)، والأنيقة تدل على الحس الاجتماعي، والمتهدلة تدل على فنان تشكيلي، أو شاعر فوضوي.

لكن الرمز الصناعي الأكثر تعقيدا وإدهاشا وسحرا هو اللغة (بالنسبة لي على الأقل)، أداة اخترعها الإنسان ليدل على، أو ليشير إلى أو ليرمز، ليمارس شهوات الربط والاتصال المتأصلة في أخاديده العصبية، وخلاياه الجائعة إلى المعنى.

في اللغة يربط الإنسان بين شيئين، يربط بين شكل الكلمة الصوتي أو شكلها الكتابي، وبين ما تدل عليه، ولنكون دقيقين قليلا فإنه يربط بين شكلها الصوتي وصورتها الذهنية المجردة، كلمة “قلم” لا تحيل إلى القلم، إنها تحيل إلى صورة القلم في الدماغ، ولذلك فعندما أقول قلم، فإن ذهنك يربطه بقلم ذهني، هل هو أحمر أم أزرق؟ هو خشبي أم معدني؟ هل قديم متآكل أم جديد؟ هل قلم رصاص أم حبر أم تلوين أم إلكتروني؟ لا يخلق دماغك هذه التفاصيل، لكنه يبقي على الخواص الأساسية التي تمنع من أن يكون سيارة أو فنجان، ما يحيل إليه دماغك هو مفهوم القلم وليس القلم.

حتى نستطيع الإحالة إلى قلم حقيقي نحتاج إلى سياق، تخيل: على الطاولة قلم وتطلبه من صديقك:أعطني القلم، فيعطيك القلم، ماذا حدث؟ الشكل الصوتي لكلمة قلم، رُبط بمفهوم القلم الذهني، ثم رُبط بالقلم على الطاولة كما اقتضاه السياق.

لكن اللبس يتسلل دائما وبإصرار في عمليات الربط، تعبر أنت عن شيء فيدهشك الآخرون بالفهم المغاير، إنهم لا يربطون كما تربط، وبقدر ما يتشارك المتحاوران في السياق يحدث الفهم، ولو أن صديقك لا يعرف بوجود الطاولة، لرمقك بعينين من حيرة، من العبقري الذي اخترع الرياضيات، اللغة العصية على اللبس، لا يتسلل إليها التشويش، إلا عند المحرومين من لذاتها الأثيرة وضلالها الوارفة.

لا يتطابق المفهوم عند شخصين، فكل منا تصنع التجارب مفاهيميه ومن المؤكد أن مفهوم العطر عند أحد سكان الأدغال يختلف مقارنة بباريسي يحترف تصميم العطور، وكما يختلف باختلاف الأمكنة يختلف باختلاف الأزمنة، فمع الأيام تتغير الأشياء في الماحول، ويتبعها تغير الصور الذهنية للأشياء(المفاهيم).

هكذا إذاً ،،، شكل صوتي أو كتابي ثم مفهوم مجرد ذهني ثم شكل مادي، ما الذي يحدث عندما يكون الشكل الصوتي هو “الحرية” أو “الحب” أو “العلم” أو “التقوى” أو الإيمان”، هل نحذف الطرف الثالث من النموذج؟ باعتبار أنها لا تحيل إلى مادي، لا أظن أنه من الحكمة أن نفعل، فأدمغتنا لا تربط إلا بين الماديات، بين ما تشكله التجارب عبر الأيام، ولذلك فالحرية مثلا ليست كلمة منبتّة لا جذر مادي لها، يبني المرء خبرته بها مع التجارب، قد تبدو كلمة سيئة للبعض وذات بريق أخّاذ لآخرين، لا يهمنا ذلك الآن، ما يهمنا هو أن هذا المفهوم المجرد لكلمة الحرية أو الحب نربطه بمجموعة تجارب تختلف من شخص إلى آخر، خروج الطائر من القفص حرية، والخروج من السجن حرية، السفر حرية، الشعوب تبحث عن الحرية، العبادة حرية، مدى مفتوح للبس الدائم، والتشويش بين المتحاورين، بين الكائنات الرابطة، قد يتساءل البعض، كيف نحل هذه المشكلة؟ تساؤل مشروع لكن السؤال الذي يسبقه هو هل نحتاج لحل هذه المشكلة؟.

0 2219 30 يناير, 2010 العدد الأول, ثقافة وفكر يناير 30, 2010
Avatar

عن الكاتب

عبدالله حمد سعيد المعمري شاعر وكاتب بكالوريوس هندسة ميكانيكية الكتب : صهيل فرس حروري، مجموعة شعرية، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2005 - سفر المنظومات، دراسة، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، 2009

عرض كل المواضيع التي كتبها عبدالله المعمري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.