رونيه ديكارت وأُسس فلسفته العقلانيّة (1)

كتب بواسطة محمد كزو

صورة بعدسة الكاتب للمدرسة الابتدائيّة “لافليش” المَلَكيّة اليسوعيّة، التي تعلّم فيها “رونيه ديكارت” ثماني سنوات كاملة، وهي التي انتقد تعليمها الأرسطيّ القديم بتأليف كتاب “مبادئ الفلسفة”

مقدّمة

     كانت مبادئ فلسفة “رونيه ديكارت”(1) (1596-1650م)، لَبِنة جديدة حاول خلالها إرساء دعائم مغايرة، لِما كانت عليه “الفلسفة المشّائيّة”، بزعامة المُعلّم الأوّل “أرسطو”، فأخذ على عاتقه انتقاد هاته الفلسفة القديمة انتقاداً مباشراَ، لكنّه عَدَلَ عن ذلك بعمل يؤدي المهمّة ضمنيًّا تجلّى في مؤلَّف كامل باللّاتينيّة سنة 1644م، وترجمةٍ بالفرنسيّة راجعها بنفسه سنة 1647م؛ إذ لمّا فَطِنَ ديكارت عُقْم الفلسفة المدرسيّة الأرسطيّة، وبُعدها عن الحياة العَمَليّة، بادر لإصلاح هذا المنهج، في تحدٍّ لها وطرق تدريسها من ناحية، وتفادي الجدال الذي يضيّع الوقت والجهد، من ناحية ثانية.

               تنقسم مبادئ فلسفة ديكارت، لأربعة أجزاء أساسيّة: -مبادئ المعرفة البشريّة [الميتافيزيقا] –مبادئ الأشياء الماديّة [الفيزيقا] –في عالَم الشّهادة [دراسة فَلَكِيّة] –في الأرض المدّ والجزر وخواصّ المغناطيس؛ ويبدو جليًّا مِن العناوين طابعها العِلميّ أكثر منه الدِّينيّ أو الفلسفيّ، وهو همّ شغَل ديكارت حياته كلّها؛ حيث نلاحظ [الإنسان، الأشياء الماديّة، الفَلك، الأرض، المدّ والجزر، المغناطيس]، أبحاثاً لم يجد طريقاً أسهل مِن البدء بالميتافيزيقا أي بالدِّين، رغبةَ الوصول لهدفه المُضمَر، تماشياً وقناع الإيمان في الكتابة، حيث يقول: «الوحي الإلهيّ (…) يرفعنا دفعة واحدة إلى إيمان لا يتزعزع»(2).

        أهدى ديكارت “مبادئه” للأميرة إليزابيث (1618-1680م)(3)، وخَصَّها بكلام متميّز، قال فيه: «إنّ أعظم نفع ظفرتُ به مِن المؤلَّفات التي نشرتها مِن قبْل هو أنّني قد نلتُ شرف الالتفات إليَّ مِن سُمُوّك»(4)، ويُبلِّغُها هدفَ مبادئه، قائلًا: «قصدت فيها إلى أن أضعَ مبادئ جميع الحقائق التي يستطيع الذّهن الإنسانيّ أن يعرفها (…)، ولهذا لن أضع في هذه الرّسالة شيئًا ما لم تكن التّجربة والعقل قد جعلناني مستيقناً منه»(5).

        لكن، خاب أمله مع المثقّفين والعلماء، في استيعاب فلسفته رغم وضوحها، وتضمّنها مناهج جديدة، فكان يُمَنِّي نفسه بأن تؤيّده هذه الفئة المثقّفة على الأقلّ، يقول مُعطياً مكانة فكريّة عظيمة للأميرة: «لهذا أستطيع أن أقول محقًّا، إنّني لم ألق قطّ إلّا ذهن سموّك وحده، الذي يستسهل هذه [رياضيات]، وتلك [ميتافيزيقا] على السّواء، ولهذا يحقّ لي أن أصفه بأنّه ذهن لا نظير له»(6).

        دائماً ما أكّد ديكارت أنّ قوله منذ زمان واضح لأغلب النّاس، وإنْ جهِلوا أنّها مبادئ فلسفته؛ فالعامّة ستفهم قصْده، بينما الخاصّة من الفلاسفة والعلماء تحتاج مزيدَ وقتٍ لإدراك خبايا مبادئه جميعها، لأنّه أدمج المسائل العِلميّة البحتة في قالب ميتافيزيقيّ، وعليهم بذل مجهود مضاعف لاكتشافها.

        استهل ديكارت “مبادئه” بالفرنسيّة، ليُوضح موضوعها، والهدف منها، ومنفعتها، فيقول: «وذلك يجعلني أرى أنّ مِن الخير، أنْ أضيف إليها تقديماً يُبَيِّنُ لهم [للفرنسيّين] (…)، القصد الذي توخّيته (…)، وما المنفعة التي يمكن أن تنال»(7)، وبما أنّ مبادئه الفلسفيّة تتضمّن معرفة راقية، فإنّه انصرف عن باقي المبادئ القديمة، لأنّها مضيعة للوقت في تحقيق الهدف التعليميّ المنشود؛ فيُصرّ ديكارت قراءتها كاملة، حتى يأخذ القارئ فكرة عن مواضيعها، بعد ذلك يعيد القراءة، لملاحظة ارتباط الأفكار واتصالها، ثم يعيد القراءة مرّات، وهكذا يجد الحلّ لكافّة الصّعوبات.

        أحسَّ ديكارت تجاوزه الحاضر لأجيال المستقبل، كأنّه المُنقذ، فدليل فساد مبادئ أرسطو، أقوى قولًا أنّ النّاس اتّبعوها قروناً بلا فائدة؛ فغيَّرَ كلامه، مِن تواضع سابقاً، إلى كلام فيلسوف مُتمكِّن في ختام تقديمه “للمبادئ”، وصاحب مذهب يُطالب النّاس بتتبّع طريقه القويم، «فإنّي مقتنع بأنّه لن يوجد واحد لا يحاول أن يشغل نفسه بهذا البحث المفيد، أو على الأقلّ لا يؤيّد ولا يعاون بكلّ قواه، أولئك الذين يهبون أنفسهم للمُضيّ في هذا السّبيل موفّقين، إنّ أمنيتي أنْ يأتي يوم يشهد فيه خلفاؤنا هذه العقبى السّعيدة»(8).

         فلنلقي، الآن، نظرة على أهمّ الأسس في فلسفة رونيه ديكارت، وكيف تنوّعت مبادئه من محور إلى آخر بما يخدم مشروعه العلميّ كاملًا، في نسق متراصّ ومحْكم. وعلى ضوء هذه الأسئلة الموجِّهة: فما هي مبادئ فلسفة ديكارت العِلميّة العقلانيّة؟ كيف سيتعامل مع فكرة الله في ضمان حرّية الإنسان؟ ما المنهج الذي اعتمد عليه لتكون فلسفته الجديدة مختلفة عن القديمة؟ ثم كيف استغلّ ثنائية النّفس والجسد للتّمييز بينهما؟ وأخيراً ما هي الإشكالات الجديدة التي أعاد ديكارت صياغتها في منهجه؟

الأساس الأوّل: فكرة الله

         في هذا المحور يمكن أن نطرح الأسئلة التّالية: من هو الله؟ لماذا كان نقطة الانطلاق؟ كيف نعرفه؟ ما وظيفته؟ ما صفات كماله؟ ما هو جوهره؟ لماذا يضمن لنا الحقيقة؟ ما مجال حرّيتنا في مقابل قدره؟ ثمّ لماذا لا يمكن نسبة أخطائنا له؟

        كانت فكرة الله المبدأ الأساس في فكر ديكارت منذ البداية، تجنبًّا لأيّة معيقات، فَلِكَي تكون المعرفة كاملة يجب أن تُسْتَنْبَط مِن العِلل الأولى، وهي إجمالًا العلم بالله وحده، وهو ما انتبه له حينما قَلَبَ النّظام المعهود للمعرفة البشريّة، وجعل الميتافيزيقا مدخلًا للميكانيك؛ بعدما كان المنطق سابقاً بدايةَ الوصول للميتافيزيقا، وهذا قَلْبٌ كوبيرنيكيّ واضح، فالميتافيزيقا مدخل لفهم الرّياضيات، وليس العكس؛ فهو إذاً بدأ الحديث عن وجود الله وإثباته لسببين مهمّين جدًّا؛ الأوّل النّجاة من الكنيسة ومحاكم التّفتيش، وثانياً تجنّب المخالفين له ولفلسفته، وخصوصاً لعِلْمه.

         ولهذا يَعتبر ديكارت أنّ مَن جَهِلَ الله لن يعرف شيئًا معرفة صحيحة، حتى لو فكّر انطلاقا مِن حدسه مُعتمداً النّتيجة دون اهتمام بكيفية حصولها، مُعرَّضٌ للخطأ فيما ظنَّه واضحاً مادام يجهل خالقه؛ فوُجود الله مُتَضَمَّنٌ في تصورنا له، لا يشبه الوجود المُمْكن للأشياء فحسب، بل الوجود المطلق الأزليّ.

         لأجْل ذلك، فمعرفة الله معرفة كاملة، نُدرِكها أوّلاً، عَبْر التّمييز بين الماهية والوجود، فالماهية هي الشّيء كَمَا في الذّهن، أمّا الوجود هو الشّيء مِن حيث وجوده خارج الذّهن. وثانياً، بمعرفة الفرق بين الله وسائر الموجودات، فماهية الله ووجوده متطابقان يستحيل فصلهما، في حين ننظر لباقي الأشياء حَسَبَ فكرتها في ذهننا، ومدى تحقُّقِها في الخارج، وثالثاً بمعرفة أنّ الأشياء التي يظهر فيها كمال كثير، لابدّ علَّتها تفوق كمالَها.

         كذلك، فمعرفة الله هاته فكرة كاملة فينا، وحقيقة يكتشفها الذّهن، وليست ثمرة تفكيره، باعتبار الفكر شكلًا مِن أشكال الوجود؛ وبما أنّنا نعرف عن الله الكمالات اللّامتناهية فقط، فلا نعرف ذاته وصِفاته، لأنّ أفكارنا متناهية؛ ويعجِزُ المتناهيّ الإلمامَ باللّامتناهيّ، وهذا سرُّ اطمئنان نفوسنا، فعلاقتنا بالله علاقة اطمئنان؛ فإنّنا نفهم أنّ فكرة كماله فطرية مَصُونة فينا، فلو كنتُ كاملًا لمنحتُ نفسي مرتبة الله الكاملة، وهذا زيف، فأحتاج بالضّرورة لِمَنْ أكمل مني ما دمتُ ناقصاً.

         يعترف ديكارت إذًا، أنّ حياة الإنسان كافية لإثبات وجود الله، فليس غيره يضمن استمرارها، فالله كامل مطلَق، ونعرف كماله بفطرتِنا دون وَسَاطَة؛ وفكرة الفطرة هاته سادت إبّان القرن السّابع عشر ميلادي، مفادها: الله فينا في جوفنا، ولا نحتاج مَن يدلّنا عليه، بتعبير آخر، التّمرّد على كنيسةٍ تستعبِد الشّخص لصالحها ولأغراضها، لا إيماناً ولا حبًّا في الله.

         ويتابعُ، شرح فكرة إنسان ضعيف يتأثّر بالطّبيعة، مثل غيره مِن الأجسام الممتدّة القابلة للتّجزئة، مؤكِّداً أنّها دليل نقصانه؛ ناهيك عن تأثُّر أحاسيسه بانطباعات خارجيّة، أي يعتمد على غيره، وهذا نقصان آخر، لنستنتج أنّ الله غير جسمانيّ، ولا يَعرف الأشياء بالحواسّ؛ فَبَعْد معرفة وجود الله اللّامتناهيّ، نعرف كافّة المخلوقات المتناهية.

         حسب ديكارت، يجب الإيمان التّام بتنزيله تعالى، ولو فاق مَدَارِك عقولنا(9)، «فإذَا أنعم الله علينا بما كشفه لنا أو لغيرنا مِن أشياء تجاوز طاقة عقولنا في مستواها العادي، كأسرار التّجسّد والتّثليث؛ لم يستعص علينا الإيمان بها مع أنّنا قد لا نفهمها فهماً واضحاً»(10). وبما أنّه يُفرّق بين اللامتناهيّ واللّامحدود؛ فالأوّل الله، والثّاني ما سواه، فإنّه لا يؤمن بالغايات، بحجّة أنّها اختصاص الله وحده، فـ«لا ينبغي أن نبحث عن الغايات التي أرادها الله مِن خلقه للعالَم، وكلّ بحث عن العلل الغائيّة سننبذه نبذاً تامًّا مِن فلسفتنا: لأنّه لا ينبغي أن يبلغ بنا الاعتداد بأنفسنا مبلغاً يجعلنا نعتقد أنّ الله أراد أن يطلعنا على قراراته»(11)، لذلك، فمُهمّتنا فهم واستدلال كيفيّة حدوث الأشياء، وماهية الأجسام حسب مستوى تطور فكرنا، ومدى رُقِيّ أنساقِنا المعرفيّة.

         بهذا، يكون الله غير مسؤول عن المكر والشّر والخداع عند الإنسان، لأنّها تضليل وضعف يستحيل نِسْبَتُه لله تعالى، «ذلك أنّه، وإن تكن البراعة في القدرة على التّضليل تبدو علامة مِن علامات الذّكاء بين النّاس، إلّا أنّ إرادة التّضليل لا تصدر أبداً إلّا عن خبث، أو خوف أو ضعف، ومِن ثمّ لا يمكن نسبتها إلى الله»(12)، فالشّيء الواضح إذًا، يُعتبر حقٌ أَدْرَكَهُ نورنا الفطريّ؛ وإن حدث العكس، نقول أضلّنا الله وأعطانا نوراً منحرفاً عن الحقيقة، وهذا مُحال لا يتساوق وفكرتنا عنه المتّصِفة بالكمال المطلق، يقول: «فَمِن الميسور لنا أن نكشف الحقّ، على شريطة أن نفرّق بين ما يكون واضحاً، ومتميّزاً في المعرفة التي لدينا عن ذلك الشيء، وبين ما يكون غامضاً ومبهماً»(13)؛ فأخطاؤنا عيب فينا، والله غير وصيٍّ عنها، ولو بحثنا لوجدنا أسبابها، فهذه العيوب نقائص بالنّسبة لنا، سيما أنّه وَهَبَنَا معرفة وعقلًا للتّمييز بينها.

         وإذَا كان الفكر إدراك بالذّهن بمعنى التّخيّل والإحساس، فذلك تصوّر عقليّ محض، ثم تصرُّف وفعل بالإرادة؛ فسنخطئ بحُكمِنا النّاقص دائماً وقتَ الحُكم عن الأشياء بلا معرفة مسبقة تامّة، لأنّ الذّهن يُدرك الشّيء ويَتِمُّ الحُكم بالإرادة؛ فالذّهن والإرادة متلازمان في الحُكم، فيمكن أن أفكّر دون تطبيق، والعكس ليس صحيحاً؛ لكون الذّهن صغيراً في مجال إدراكه، والإرادة متعدِّدة الفِعال، وفيها تكثر الأخطاء. ليؤكِّد مرة أخرى استحالة نِسْبَةِ الله لأخطائنا، يقابل ذلك، أنّ فِكْرَنَا يخطئ، لأنّه ناقص ومتناه بطبيعته، ولا يحيط بالأشياء كلّها.

         لكن، يتجلّى كمال الإنسان، إن صحّ التّعبير، في امتلاكه حرّية الاختيار ضمن إرادة واسعة، فإذَا أحسن التّصرف لَزِمَ علينا مدحه، وهنا يضربُ ديكارت مثالًا رائعاً لشخص يراقب آلات تتحرّك، فلن يمدح دَوَران لوالِبِها بسلاسة، بل عمَّنْ جعل اللّوالب في مكانها بانتباه وعناية، فكذلك الله والإنسان؛ بمعنى أنّ جسد الإنسان آلة(14)، تدلُّ على صانع بارع. إذ تُعتبر أخطاء المرء عيباً في تصرفاته وأفعاله، لا في طبيعته عندما يتعامل مع الله؛ أما في حالة التّعامل مع الإنسان، تكون أخطاؤه عيباً فيه، كمَنْ عرَفَ الشّرّ ولم يُنَبِّه عنه أو عَمِلَ به.

         نعرف قيمةَ حرّية الإرادة إذًا، حين نُجَرِّبُها في الواقع، لذا تجنَّب ديكارت حرّية الإنسان مقابل قَدَرِ الله، ويدمجهما بالقول: «لو أردنا أن نُوفِّق بين حرّية إرادتنا، وبين أوامر الله، وحاولنا أن نفهم هاتين الحقيقتين، وكأنّ عقولنا تستطيع أن تتناول حرية اختيارنا، وتقدير العناية الأزليّة فتحيط بهما إحاطة»(15)، وهذا رسم شارح من إنجازي:

         أمّا الخطأ فيكون بإرادتنا، مع العِلم أنّنا نرفضه، فكيف نخطئ بإرادتنا مع حرصنا تجنّبه؟ مِن هنا، يلزم التّفريق بين الخطأ العمْد، وبين تصديق آراء هي سبب خطئنا؛ كما تصديقنا الخطأ نوع مِن أنواع التّعمّد، وسَبَبُهُ التّلهف لمعرفة الحقيقة والتّسرّع في الأحكام. بينما لن نخطئَ الحُكم على الشّيء الواضح، فالله ليس مضلِّلًا ومَلَكَة المعرفة التي وَهَبَنَا صادقة.

         بينما، يختلف معنى الجوهر عند نِسْبَتِه لله، ثمّ الإنسان، فالأوّل يتّخذ صفة الكمال، والثّاني يحتاج الله لاستمرار جوهره وتفكيره؛ وترتّب عنه أنّ جوهر الإنسان ينقسم إلى نفس وجسد، ثم يكفي الاستدلال بأيّة صفة لهما لِنَتَيَقَّنَ أنهما موجودان، لأنّ العدم لا صفة له؛ فَلِكلّ جوهر بالضّرورة صفة أوليّة، فالنّفس لها صفة الفكر، والجسد الحيِّز المادّي؛ ولكن بالمُقابل يمكننا تصوّر الامتداد دون شكل، والفكر بلا شعور؛ لنستنتج أنّ الله جوهر غير مخلوق، ومستقلّ عن الوجود وكامل كمالًا مطلقاً. بَيْدَ أنّ لوصفِ الأشياء نستعمل طريقين، أوّلُهما، وصف موجود في الأشياء ذاتها، وثانيهما، وصف موجود في فكرنا فقط، مثاله: الزّمان؛ فإذَا تحرّك جسمان ساعة واحدة، [وصف موجود في الشّيء]، ولكن أحدهما أكثر حركة وسرعة مِن الآخَر، [وصف موجود في فكرنا].

         فكلّ ما سبق ذكره عن فكرة الله ووجوده، في فلسفة ديكارت، يتعارض مع الحقيقة التي أخفاها، وكانت واضحة في رسائله مع صديقه الأب “مرسن”، مفادها أنّه يريد التّأسيس لفيزيائه فاستعان بالله في البداية والتّشييد فقط، بمعنى آخر استدعى “الله الفيزيائيّ” ليضمن مبادئه الجديدة، فلنتمعّن قوله هذا جيّداً: «فإنّني اعتزمت أن أترك كلّ هذا العالَم، لمجادلات هؤلاء العلماء، وألّا أتحدّث إلا عمّا يحصل في عالَم جديد، لو أنّ الله خلق الآن في جهة ما، في الأمكنة الخياليّة، مادّة كافية لتكوينه، ولو أنّه حرّك حركة مختلفة، وعلى غير نظام الأجزاء المختلفة لهذه المادّة، بحيث أنّه يكوِّن منها خليطاً (…) وأن يدعها تعمل تبعاً للقوانين التي أقامها. وكذلك، فإنّي أوّلًا، وصفت هذه المادّة واجتهدت أن أمثِّلها على وجه ألّا يكون شيء في العالَم فيما أرى أكثر منها وضوحاً ولا قبولًا للفهم منه»(16)؛ إذاً ديكارت يشير هنا بقوّة لفيزياء جديدة، وكوْن جديد، ومادّة جديدة، وحركة للعالَم جديدة، وقوانين جديدة، بمعنى ينسف القديم نسفاً تامًّا، فاستعان بالله الواحد الخالق كما سنرى لاحقاً…

الإحالات والهوامش:

(1) رونيه ديكارت فيلسوف وفيزيائي ورياضي فرنسي، اشتهر بالكوجيطو، وُلد في قرية غرب فرنسا اسمها “لاهاي إن تورين” سنة 1596م، وتلقى تعليمه الابتدائي في مدرسة “لافليش” الملكية اليسوعية، ثم نال الإجازة من جامعة “بواتييه”، عاش نصف حياته تقريبا في هولندا، وتوفّي في السّويد سنة 1650م، ورفاته الآن وسط العاصمة الفرنسية باريس في كنيسة “سان جرمان دي بري”.

(2) مبادئ الفلسفة، رونيه ديكارت، ترجمة وتقديم وتعليق عثمان أمين، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، سلسلة النصوص الفلسفية (6)، ص:34.

(3) كُبرى بنات إليزابيث ستيوارت وفريديريك الخامس مَلِك بوهيميا، وهي الثّالثة من أصل ثلاثة عشرة طفلًا، عاشت في المنفى بهولندا حتى وفاتها. للإشارة فـ”بوهيميا” منطقة تاريخيّة في أوروبا الوسطى، تحتلّ الأجزاء الغربيّة ومعظم الأجزاء الوسطى من جمهورية التشيك حاليًّا.

(4) مبادئ الفلسفة، مصدر سابق، ص:25.

(5) المصدر نفسه والصفحة.

(6) المصدر نفسه، ص:28.

(7) المصدر نفسه، ص:31.

(8) المصدر نفسه، ص:49.

(9) إقراره الإيمان بالتّجسّد والتّثليث، دليل خوفه عقاب الكنيسة.

(10) مبادئ الفلسفة، مصدر سابق، ص:68.

(11) المصدر نفسه، ص:69.

(12) المصدر نفسه، ص:70.

(13) المصدر نفسه، ص:81.

(14) كون الإنسان آلة عاطلة يُفعل بها ولا تفعل، مبدأ طالما نادى به ديكارت ليشرح مفهوم القصور الذّاتي أو مبدأ العطالة الفيزيائيّ. فالإنسان ينقسم لنفس وجسم؛ النّفس لا تُرى وبها أدرك أنّي موجود، أمّا الجسم مادة لها شكل وحجم في الكون، ويخضع لقوانينه كأيّ جسم فيه.

(15) مبادئ الفلسفة، مصدر سابق، ص:77.

(16) مقال عن المنهج، رونيه ديكارت، ترجمة محمد محمود الخضيري، مراجعة وتقديم محمد مصطفى حلمي، دار الكتاب العربي القاهرة، ط2/1968م، ص:169.

Hits: 422

الثالث عشر بعد المائة العدد الأخير ثقافة وفكر فلسفة

عن الكاتب

محمد كزو

اترك تعليقاً