عالم جون شافت: صراع الأباء والأبناء

كتب بواسطة مصطفى شلش

فيلم “Shaft ” هو فيلم إصدار 2019، ويعد تكملة لفيلم “Shaft” لعام 2000، والذي يعد في حد ذاته تكملة للفيلم الأصلي لعام 1971. وتبدأ القصة بمقدمة عام 1989: يطلق تجار مخدرات النار على ضابط الشرطة جون شافت (صامويل جاكسون) في سيارته وهو برفقة زوجته مايا (ريجينا هول) وابنه الرضيع جونيور شافت (جيسي أوشر)، تشعر مايا بالخوف والغضب من نمط حياة زوجها العنيف والعشوائي وتقرر الرحيل مع الرضيع جونيور وتجبره بنسيان والده تمامًا وهي ستعكف وحيدة على تربيته، ثم سرعان ما تحدث قفزة لـ 2019 حيث يتخرج جونيور شافت الصغير أو (JJ) -كما في الفيلم- من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، ويتسلم وظيفة مرموقة كمحلل بيانات لمكتب التحقيقات الفيدرالي، وهو شاب خجول، لا يشرب الكحول، ولا يعرف كيف يواعد الفتيات، ولا يجيب على المدح جراء وظيفته في جهاز أمني كبير. ويحدث تحول في حياة جونيور عندما يموت صديق طفولته في ظروف غامضة، ويفشل في التحقيق مع تجار المخدرات خصوصًا أنه شاب لا يحب العنف ولا يستطع استخدام السلاح لذا يقرر الذهاب إلى والده جون شافت للمساعدة في معرفة من المسؤول. حيث نجد صدمة جون شافت في جونيور والعكس صحيح، فالإبن في نظر والده هو ضعيف، ولا يعتمد على نفسه، ويعيش حياة مرفهة، بينما الابن يرى أن والده عنيف، ومعادي للمثليين، ومُحتقر للمرأة، ولا يؤمن بالتكنولوجيا، ويفتقر لسلوكيات التعايش مع مجتمع أمريكي أبيض على وجه الخصوص، وهذا ما يدينه الوالد بالطبع، فلا يجب أن يصبح الأسود أبيض، أو الخلط في الأدوار بين الرجل والمرأة، أو إدخال الصوابية السياسية في نمط الحياة بشكل يخنقها، وإن تم كل هذا مثل ما يحاول إبنه جونيور أن يحقق لن يجد التقدير الكافي ولا المكان المناسب كرجل في مجتمع يحكمه أناس يختلفون عنه جذريًا، وغير مثاليين، ولا يمكن تحقيق التصورات النظرية الهزيلة فيه.

وهنا يبدأ الجزء الأهم الذي سيدور حوله نقاشنا حول أهم سؤال -في نظري- يمكن أن نستنتجه مِن حوار الفيلم، وهو “أي رجل يجب أن تكون؟” وقبل أن تجيب يجب أن تدرك أنك لو قررت اعتبار أن تقاليد الرجولة والأنوثة متناقضة بالكامل، فلن تدرك أي أهمية للإجابة على السؤال المطروح، كما لو قررت بقول أن الرجولة تعني أقل أنوثة وأن الأنوثة هي الأقل رجولة، لن يكن هذا التفكير بقادر على أن يفسر لك إجابة أي رجولة المقصودة.

فعندما يقول شخص ما للذكر  يجب أن تكون رجلاً، فهذا يعني أن هناك طريقة لتكون رجلًا. الرجولة ليست مجرد شيء يجب أن تكون عليه وفقط بل هي أيضًا طريقة لتكوين، ونظام فكري لتعامل مع المُشكلات ووسيلة للمشي في دروب الحياة. يحاول البعض جعل الرجولة تعني كل شيء، بينما يعتقد البعض الآخر أن الرجولة لا تعني شيئًا على الإطلاق. وقد تتضارب الكثير مِن الآراء حول الرجولة، ولكنها دائمًا ستعني شيئًا.

على مدى عقود، لم يكن أحد مِن الناس يتحدث عن “أزمة” في الرجولة. لكن، اليوم صار هناك ضرورة مُلحة لتفكير مرة آخرى فيما حدث في عالمنا من تغيرات أدت لحُب فكرة الاستسهال، والتخلي عن المسؤولية، وعدم القدرة على حماية الآخرين والإلتزام باحتياجاتهم وانعدم مفهوم التضحية تقريبًا، وتتلاشى حتى القدرة على صياغة علاقات جنسية وأسرية وعائلية غيرية طبيعية وبشكل مرن، تواجد الذكور في عالم ما بعد الحداثة، واندمجوا مع التكنولوجيا كما يشير جون شافت الأب، لكن صرنا اليوم في عالم خالي غالبًا مِن الرجال، هكذا كانت تشاؤمية جون الأب وتحذيره لابنه الصغير، فالعالم صار يرفض قبول الرجال ولا يهتمون بما يريدون. وذلك مع الاستمرار في طلب مُتزايد -يبدو كوجاهة اجتماعية أكثر منه تفكير عملي- مِن قبل النساء والرجال والمؤسسات والهيئات فعلى الذكور أن يتغيروا “للأفضل”، ولم يخبرنا أحد ما هو مقدار التغير وما هي نتائجه إن حدث. بالنظر لجون شافت وأسرته التي فارقته استطاع الأب البعيد أن يرعى ويرسل لطفله الأموال، الهدايا، وحتى مجلات الجنس، قد يبدو هذا مهمًا في تربية الطفل حسب تطور ونمو عقله ومساعدته في إكتشاف عالمه، بينما الأم “مايا” وبشكل أكثر وجاهة فقد مكنت ابنها من أعلى الجامعات وجعلته مهذب للغاية وهي مُبتعدة عن الأب، قد يقول البعض أن هذا عظيم، لكن خرج الفتى جونيور لا يستطيع أن يحل أي مشكلة بشكل مُباشر ولا يواجه من سبه في الطريق العام إلا مِن خلف شاشة الكومبيوتر، ولا يستطيع أن يعترف بحبه لصديقته، أو أن يطلب موعد على العشاء. قد تبدو في نظر البعض هذه أمور هامشية تافهة والأم نجحت، ولكن على المدى البعيد نجد أن الفتى جونيور لا يمكنه أن يحقق نجاحات عملية على مستوى الحياة الفردية والعاطفية والوظيفية إلا عندما يتخلى عن أغلب المثاليات الأمومية التي يطغى عليها الخوف من العالم والمُحيط الخارجي. ويمكن أن نشير أن كلًا مِن جون شافت الأب ومايا الأم يتقاسما حكمة “جهز الطفل للطريق وليس الطريق للطفل” وهذا يمكن أن يشير لأهمية الأسرة المترابطة في تربية الطفل ولكن ليس هذا حديثنا الآن.

في حديث بين جون الأب، وجونيور الابن، يشير الأول أن مكانة الرجال اليوم صارت أقل نسبيًا من آبائهم وأجدادهم. وأن الشباب صار خاضع بشكل مُفرط للأصوات التي تتحدث عن حاضر ومستقبل تتغير فيه طريقة التعامل بين الرجال والنساء، لكن لم تحدد هذه الأصوات الطريقة الجديدة بعد، وخصوصًا أن الطريقة القديمة لرجال والمتمثلة في الجراءة، وإتخاذ القرار، والصراحة، وأحيانًا التهور والطيش لازالت تأمن لهم مكانهم في قلوب النساء.

ونجد في علم النفس التطوري أنه لا يتزاوج الفتيان والفتيات عند الولادة مباشرة مثلًا ويتسللون إلى كهف رطب معًا. فقد كان البشر دائمًا حيوانات اجتماعية. تعيش في مجموعات تعاونية. وأجسامنا تصنفنا إلى مجموعات من الذكور أو الإناث. ونتفاعل اجتماعيا كأعضاء في مجموعة أو أخرى. هذه المجموعات ليست اعتباطية بل مجموعات بالأساس بيولوجية ثم ينبثق عنها فكرها الثقافي. وكان يجب على الذكور التفاوض بين المجموعات الآخرى لتأمين مساحات العيش، وبالتالي لا يتفاعل الذكور ببساطة مع الإناث. بل يتفاعل الذكر مع الذكور آخرين. ما جعل مكانة الذكر تُحدد بكيفية رؤية نفسه بين الذكور الآخرين.

الرجل ليس مجرد رجل مُفرد طليق بل رجل بين رجال في عالم من الرجال. ما يعني كونك رجلًا جيدًا يتوقف على كونك رجلًا ناجح في تكوين أكبر قدر من الإحترام والمكانة والنجاح مع الرجال الآخرين، وضمن مجموعات الرجال المختلفة، وذلك أكثر من علاقة الرجل بأية امرأة أو أي مجموعة من النساء. وهذا ما نجده بشكل مباشر في حوار شافت الأب إلى شافت الابن، عليك إثبات نفسك بين أقرانك أكثر من التركيز على ماذا تحب النساء أو تكره، وهذا ما عدّه شافت الأب عطب حدث لجيل الألفية الجديد مِن الذكور.

تعتقد النساء الآن، -يعتقد شافت الأب ذلك- أنه بإمكانهن تحسين الرجال من خلال صنع ذكورة جديدة تتمحور حول ما تريده النساء مِن الرجال. وبالطبع يريد الرجال أن تُريدها النساء، لكن موافقة الإناث ليست الشيء الوحيد الذي يهتم به الرجال. فعندما يتنافس الرجال ضد بعضهم البعض على المركز، يتنافسون للحصول على الاعتراف برجولة بعضهم البعض. وإن النساء اللواتي يجدنهن الرجال أكثر من المرغوب فيهن لجمالهن أو لأسباب أخرى، تم اجتذابهن غالبًا مِن رجال كانوا أقوياء جسديًا وماديًا وسلطويًا ويتم خشيتهم من قبل ذكور آخرين. ما يجعل موافقة الإناث غالبًا نتيجة تابعة لاعتراف الذكور برجولة شخص ما.

فالرجولة في نظر شافت الأب، وشافت الجد (ريتشارد راوندترى) الذي سيظهر في المشاهد الأخيرة للفيلم تُكتسب ويجري التحقق منها وتُمارس في الفعل الشجاع، وفي المجازفة، كما في تعبيرات الجسارة والإباء. وهي تتحقق بيقظة واستعداد دائمين للدفاع عن الشرف وذوي القربى والأهل ضد العدوان الخارجي وصون المواضعات الثقافية للياقة المحددة جنسيًا وحمايتها. ونظرًا لصعوبة تمييز طقوس عبور متمفصلة ومحددة المعالم تؤشر إلى مراحل الانتقال من الطفولة إلى المراهقة ثم إلى الرجولة، فإن مجموعة فضفاضة من الطقوس التي تؤشر إلى معالم الطريق إلى الرجولة يجب أن تقترن بأفعال أدائية لإقناع المجتمع ونيل استحسانه.

كان شافت الأب حذر وغيور ومتسائل عن الرجال الآخرين في حياة امرأته السابقة، لم يُمانع علاقتها حتى لا يغضب التقدميين، ولكنه شعر بالغبطة بكثرتهم فلم تجد له بديل يعوضه، قد يكون هذا شعور مُزيف لدى شافت كما يدعي البعض، ولكن الظاهر مِن أحداث الفيلم تعلق الأم مايا بشافت، فهو مقتدر ماديًا، وجسديًا، وقادر على توفير احتياجات أسرته كافة وحمايتهم. ولا يجعل هذا مِن الرجل كاملًا فلدى شافت الكثير من العيوب في التعامل مع امرأته إلا أن امتيازاته الآخرى تُسهل من سير الحياة، فلولا الحبكة الدرامية مِن أجل التعاطف مع الابن جونيور وعودته لأبيه، كانت الأسرة قادرة على العيش معًا في أمان.

في ختام الفيلم، نجد شافت الجد، وشافت الأب، وشافت الابن يتحدا لحماية كيان الأسرة، والدفاع عن أحدث أعضاءها وهي ساشا (ألكسندرا شيب) صديقة جونيور، وهنا تظهر فضائل وظيفية بسيطة للرجال مثل القوة والشجاعة والإتقان والشرف إنها فضائل توارثناها منذ آلاف السنين جيث يجب أن يستجيب الرجال لإخوانهم، سواء كان إخوانهم رجال صالحين أو عديمي الضمير. تشير هذه الفضائل التكتيكية إلى الانتصار. إنها ليست غير أخلاقية، إنها أخلاق بدائية لليعيش في دائرة مغلقة (أسرة، عائلة، قبيلة). لا تهتم الفضائل الوظيفية بأسئلة أخلاقية مجردة حول الصواب أو الخطأ. فالصواب هو ما يفوز، والخطأ هو ما يخسر، لأن الخسارة هي الموت ونهاية كل ما يُهم.

المميز في أحداث الفيلم أنه لا يُبالي، وهذه أهم ميزة لجون شافت، يجب أن نقوم بالصواب بالطريقة المُثلي والتي نجيدها، لن أبالي برأي المجتمع، أو ابني، أو امرأة، أو مثلي الجنس، أو العابرين جنسيًا، بل سأتعامل بشكل طبيعي منضبط حيث أدرك الصدام بين البيض والسود، واستاء مِن التحولات التكنولوجية، ولن أبالي مِن الصوابية السياسية، فقد أدخل في عراك مع امرأة أو منافسة دون أن يذكرني أحد أو يسألني ما رأيك في الحركة النسوية في الألفية الجديدة!

أخيرًا، قد تكره شافت، أو تظن أنه مخبول وفوضوي وعنيف ومغرور ومُحتقر للمرأة وليس نموذج لمواطن صالح، وقد تراه رجل قادر على حماية نفسه وأسرته وتوفير مناخ أكثر انضباطية من مجتمعات التكنولوجية الوهمية والفردانية ولا يتميز بخرافة جيمس بوند الأبيض، ولا شك أن هناك الكثير من العيوب في شافت، ولكنه قطعًا رجل، يملك خطوة المبادرة والقيادة، وما ينقص المجتمعات الآن ويجعل العلاقات بين أطرافها تتصف بالسامة ليس توغل الرجولة، بل نقص الأفكار والتعاليم والتربية التي تجعل منا رجال على قدر المسؤولية مع الكثير أو القليل من العيوب فلم نرى يومًا إنسان نموذجي كامل.

مصدر الصورة: https://2u.pw/B98ep

Hits: 112

الثالث عشر بعد المائة العدد الأخير ثقافة وفكر

عن الكاتب

مصطفى شلش

اترك تعليقاً