“الكائن المُتأمّل” عند إيفان كليما وإيتالو كالفينو.. نماذج تبدأ وتنتهي بالسعي إلى النجاة

كتب بواسطة مصطفى ديب

إنّ الحالة النفسيّة لبطل رواية “حبّ وقمامة” (دار التنوير، 2013/ ترجمة الحارث النبهان) بالإضافة إلى وضعهِ الداخليّ أيضًا، هُما أوّل ما سيضعنا أمامهُ الكاتب والروائيّ التشيكيّ إيفان كليما (1931) في عمله هذا الذي حدَّد في صفحته الأولى، وبدقِّة، الطريقة التي ينظر من خلالها بطله إلى مُحيطه: “كان المكتب رماديًّا يبعث الكآبة في النفس، ومثله كانت الباحة (…) بدت لي غرفة الخزائن أكثر كآبة حتّى من الباحة نفسها، جلست على مقعد قرب نافذة مُطلَّة على الباحة الكئيبة” (ص 7).

لا يُمكن التعامل مع استخدام بطل العمل لمُفردات “الكآبة، كآبة، كئيبة” في وصفهِ للمكان من حوله إلّا بصفتهِ انعكاسًا لطبيعة تكوينه النفسيّة ووضعه الداخليّ أيضًا، الأمر الذي يدلُّ على أنّ استخدام كليما لهذه المُفردات ضمن فقرة استهلاليّة صغيرة، وبشكلٍ يمنحها حضورًا قويًّا مُحمَّلًا بالدلالات والإشارات التي لا يُمكن تجاهلها؛ لا يبدو مُصادفة تقبلُ النفيّ أو التأكيد، وإنّما حركة ضروريّة أراد منها كليما كشف شخصيّة بطله منذ البداية والانطلاق منها باتّجاه الحكاية التي سيُفسِّرُ من خلالها وضعهُ هذا.

مُتفائل أم مُتشائم؟ البطل وحيرتهِ في تحديد موقفهِ من الحياة

إنّ الانطباع الأوّل الذي سيتشكَّل عند قارئ رواية “حبّ وقمامة” ويُلازمهُ حتّى نهايتها، وربّما يُحدِّدُ أيضًا طريقتهُ في قراءتها، يتمثّل في أنّ البطل الذي لن نعرف اسمَهُ عبارة عن شخصيّة غارقة تمامًا في الكآبة وإفرازاتها، وهذا انطباع صحيح أوّل الأمر، ولكن ليس إلى ذلك الحدّ الذي يكون عندهُ انطباعًا شاملًا أو ثابتًا، إذ إنّ الفحص الدقيق لحالتهِ وسلوكهِ يضعنا بالضرورة أمام انطباعاتٍ أخرى مُتعدِّدة ومُختلفة.

لا تُلغي هذه الانطباعات حقيقة أنّ الشخصيّة التي وضعها أمامنا إيفان كليما كئيبة، ولا تنفي أيضًا أنّها شخصيّة عدميّة، إذا ما اتّفقنا أنّ العدميين هم أولئك الذين يرون كلّ أفعال الإنسان على أنّها عبثيّة، وأنّ كلّ أمالهم محكومة بالفشل(1)؛ ولكنّها تدلُّنا إلى أنّ عدميّة البطل ليست مُكتملة، وإنّما منقوصة أو محكومة بالنقصان أبدًا لأنّها ليست العدميّة التي تُجبر الفرد على الاعتراف بها حقيقة للشرط الإنسانيّ(2)، أو تجعل منه “لا منتميًا” يميل إلى التعبير عن نفسه بمصطلحات وجوديّة تدفعهُ إلى رفض الأفكار التي تُنتج تفكيرًا دينيًّا وفلسفيًّا(3)، بالإضافة إلى أنّها تُبيِّنُ لنا أنّ هناك جانبًا نفسيًّا آخر لبطل العمل، غيَّبتهُ أو همَّشتهُ الأجواء الكئيبة التي خيَّمت على قصَّته حتّى صفحاتها الأخيرة.

الجانب المُغيَّب حالة نفسيّة أيضًا، تأسَّست نتيجة للصراع الدائر بين مواقفهُ المُتناقضة إزاء الحياة: عدميّته/ تشاؤمهُ مُقابل طوباويّته/ تفاؤله. وإن شئنا المزيد من الدقّة، يُمكن القول إنّه صدام قائم أساسًا بين فكرة: “ما من خيار سوى” ونقيضتها: “ما من خيار أبدًا”

والمُلفت للانتباه أنّ الحكاية لا تُقدِّم أي إشارة إلى الجهة التي ستحسم هذا الصراع لصالحها في نهاية المطاف، وإنّما تذهب باتّجاه القول إنّ بطلها نصف مُتفائل ونصف مُتشائم تشغلهُ مسألة الوصول إلى أحد هذين الشعورين/ الموقفين وتبنّيه بالشكل الذي يكون عندهُ شعورًا كاملًا، لا لرغبته فيه أو قناعته المُسبقة به، وإنّما لإنهاء حالة الانقسام النفسيّة التي جعلتهُ مُتأرجحًا بين شعورٍ ما ونقيضه، أو بين رغبته الشديدة في شيء، ونفورهُ منه في الوقت نفسه: “عبر تلك السنوات كلّها نما في داخلي توق إلى حدوث شيء، شيء يغيّر حياتي. لكنّ وجلي الذي ورثتهُ عن أمّي راح يتزايد فجعلني أبتعد عن أي تغيير وعن جميع الناس الغرباء. وهكذا صار بيتي ملجأي وقفصي في وقت واحد. كنت أحبّ البقاء فيه وأحبّ الهرب منه أيضًا. كنت أحبّ يقيني من أنّ أحدًا لن يطردني منه وأحبّ أيضًا أملي في الهرب منه ذات يوم” (ص 20/21).

يُساعدنا تأرجح بطل “حبّ وقمامة” في إثبات انقسامه وتوزّعه على مشاعر ومواقف مُختلفة ومُتناقضة رسمت نمط حياته الذي حدَّدهُ في إجابته على سؤال عشيقته: “كيف تستطيع العيش هكذا؟” يُجيب: “على نحو منقوص، مُنقسم كثيرًا”. ولعلّ هذا النقص والانقسام هُما العلّة التي يُحاول جاهدًا الخلاص منها، بغضّ النظر عن سؤال: كيف سيفعل ذلك؟

وقبل الانتقال إلى تفاصيل هذه الطريقة التي وجد فيها خلاصهُ الذي لا يعتمد على الحسم بقدر ما يعتمد على صرف النظر عمّا يعيشهُ وتأجيل مواجهتهِ، لا بدّ أوّلًا من الوقوف عند الأحداث التي وصلت به إلى هذه الحالة من الانقسام والتجزئة واللايقين، وأوجدت عندهُ سؤال: أي معنى؟ وأي حافز للحياة؟ عدا عن أنّها سمحت لليأس بالتسلل إلى داخله برفقة العدميّة.

النازيّون والسوفييت، حينما يُصبح البشر فائضًا زائدًا

مثَّلت مُعسكرات الاعتقال النازيّة “الخطوة” الأولى التي قادت البطل باتّجاه الاكتئاب الذي تشكَّل نتيجة ما اختبرهُ وعاشهُ داخل أحد المُعسكرات التي قضى فيها عامًا كاملًا بدا كفيلًا لزرع “بذرة” الاكتئاب أو اليأس داخله: “عندما عرفت بعد الحرب أنّ جميع الأشخاص الذين كنت مولعًا بهم، جميع من أعرفهم، قد ماتوا، سُمِّموا بالغاز، ثمّ أحرقوا مثلما تُحرق النفايات، استبدّ بي اليأس” (ص47).

إنّ ما يُبيِّنهُ الاقتباس أعلاه أنّ هذه “البذرة” ظهرت في وقتٍ مُتأخّر، وتحوَّلت إلى حالة نفسيّة قائمة حينما أخذت استعادة تجربة معسكرات الاعتقال منحىً مُختلفًا تمامًا، تحوّلت بموجبه من مُجرَّد استعادة عابرة إلى نوعٍ من المُحاكمة القائمة على إدراكٍ مُتأخِّر بدوره لطبيعة ما حدث، لا سيما إدراكه لفكرة أنّ الذين قضوا داخل المُعسكر وخارجه خلال تلك الفترة قد تحوَّلوا إلى فضلات ومواد لا قيمة لها، وهذا باعتقاده أسوأ ما يُمكن لإنسان أن يُلحقهُ بإنسان آخر: تحويل أو تقليص وجوده إلى عدميّة النفايات(4).

المُحاكمة أو الإدراك المُتأخِّر لحقيقة ما حدث خلال تلك الفترة، مثَّلت شرارة الصراع الأولى عند بطل (حبّ وقمامة) بين يأسه وما أفرزهُ من كآبة أتاحت الفرصة للعدميّة للتقدّم باتّجاه الهيمنة على موقفه من الحياة، وشعوره “الإيجابيّ” القائم على أحداث مختلفة منها نجاته واستقراره وتأسيسه لعائلة شعر معها وبينها أنّ الخيارات موجودة، وهذا الموقف ترفضهُ عدميّته ولكن دون أن تكون قادرة على نقل هذا الرفض إليه إلّا بشكلٍ جُزئي غير مُكتمل.

استعادة البطل لتلك الفترة بشكلٍ مُتواصل، والتدقيق المُفرط في تفاصيلها المُخزّنة في ذاكرته أيضًا، ساهمت إذًا في تحويل هذا اليأس إلى اكتئابٍ تحوّل إلى عدميّة سعت للهيمنة على نظرته إلى الحياة، خاصّةً بعد أحداث ربيع براغ عام 1968، ودخول القوّات السوفياتيّة إلى العاصمة التشيكيّة لفرضٍ واقعٍ جديد كان بطل “حبّ وقمامة” أحد ضحاياه، إذ منعت السلطات الجديدة تداول كتبه، وصادرتها من المكتبات أيضًا في الوقت الذي منعتهُ فيه من النشر والسفر بعد سحب جواز سفره، بالإضافة إلى إجباره على العمل في وظائف وضيعة بهدف إذلالهِ ومُعاقبته على مواقفه المُعارضة لها. ووسط هذه الظروف البائسة، بدت فكرة “ما من خيار سوى” تتراجع لصالح نقيضتها “ما من خيار أبدًا”.

يصف البطل حياته في تلك الفترة بالقول إنّه كان يعيش: “نوعًا غريبًا من النفي منذ عشرة سنوات، فأنا مُحاط بالممنوعات والمحظورات، ويُراقبني أشخاص مرئيون أحيانًا، وغير مرئيين أحيانًا أخرى، ومُتخيَّلين أحيانًا. ما كان دخول الحياة مسموحًا بالنسبة لي إلّا بصفة زائر أو ضيف، أو بصفة عامل مياوم في بعض الأعمال المُحدَّدة وعبر تلك السنوات كلّها نما في داخلي توق إلى حدوث شيء، شيء يُغيّر حياتي” (ص 20).

إنّ هذا الشكل من الحياة، يُضاف إليه العلاقة المُضطَّربة بزوجته وعشيقته، دفعا بالبطل إلى الاعتقاد بعبثيّة وجودهُ، وبالتالي الشّعور بأنّ هذا الوجود هو الداء أو العلّة، خصوصًا وأنّ ما تُمارسه سلطة ما بعد 1968 بدا أقرب إلى “العزل” الذي كانت تستخدمه الأنظمة التوتاليتاريّة لعزل الفرد وتطويعه بحيث يكون فارغًا من المعنى، مُغتربًا عن ذاته، ومعزولًا عن الحياة العامّة أيضًا، الأمر الذي يُسهِّلُ عليها عملية تدجينه وإلغاء خطره المُحتمل(5).

 ويُمكن القول إنّ هذا “العزل” فتح عينيه على أسئلة إشكالية حول شكل الهوية الفرديّة، ووضعهُ في مواجهة أسئلة الوجود وقلقهِ، تلك التي فشلت الكتابة في صرف انتباهه عنها، بل إنّها وضعته إزاء سؤال آخر في الوقت الذي بدا فيه بغنىً عنهُ تمامًا: “هل كنت أكتب على ذلك النحو لأنّني كنت أظنّ أنّنا نستطيع الخروج من وحدتنا؟ أم لأنّني كنت في حاجة إلى العثور على سبيل لتجنّب الإجابات؟” (ص 98).

يتَّضح لقُرّاء العمل صفحةً بعد صفحة أنّ بطلَهُ كان يكتب لتحقيق هذين الغرضين معًا، ولكن دون طائل، إذ بات يُدرك في نهاية المطاف عبثيّة ما يفعلهُ وعدم جدواه حينما انتبه إلى المسألة التالية: “كنت أبني حبكات ما أكتبهُ، لكنّ حبكة حياتي أنا كانت جامدة في مكانها (…) بل شرعت في التفكّك أيضًا” (ص 24)، والنتيجة عجزه عن صرف انتباهه عمّا حدث ويحدث، لا سيما داخل البيت الذي تحوّل إلى مُعسكر اعتقال مُصغَّر يعزلهُ عن الحياة بشكلٍ عام، ويدفعهُ أكثر باتّجاه وحدةٍ مريرة أظهرت حاجتهُ للآخرين: “نحن نتوق إلى الفرار من الوحدة، نحن نُحاول الفرار منها بأن نبحث عن حبّ كبير، أو بأن نمضي من شخص إلى شخص آخر آملين أن يُلاحظنا أحد”.

ترتبط حاجة بطل “حبّ وقمامة” للآخرين بفكرة إخفاء أزماته وصراعاته داخل الحشود البشريّة التي تُشكِّلُ غطاءً لتمزّقات الذات وتُساعد في صرف الانتباه عنها مؤّقتًا، وتؤجِّل في الوقت نفسه مواجهته قلق الوجود الذي أخذ منحىً تصاعديًّا عند بقاءه داخل البيت قسرًا.

والبيت هنا، في هذه الظروف المأساويّة التي يُعاني منها، بدا أقرب إلى غرفة يستجوب فيها ذاتهُ، أو تستجوب فيها نفسهُ نفسها بنفسها بحثًا عن إجابات تدور حول الأسئلة المُتعلِّقة بهويته ومن يكون وما هي إمكانيّاته وركائز كيانه(6)، إذ إنّ لقائه بنفسه وسط هذه الظروف، وداخل البيت بصفته غرفة استجواب أو معسكر اعتقال، أظهر لهُ كميّة النقص الحاصلة داخله(7)، ليتحوّل الأمر عند هذا الحدّ من مجرّد مشاعر مُتناقضة ومُتصارعة، إلى تهديدٍ مُباشر لسلامته العقليّة وصحّته النفسيّة، وهو تهديد مُرتبط بدوره بالفترة التي يقضيها محجورًا داخل بيته.

انعكست هذه التطوّرات سلبًا على بطل الرواية، وضاعفت من أزماته ومآزقه ليُدرك، متأخِّرًا، أنّ خلاصهُ لا يرتبط بالبحث عن الحقيقة والوصول إليها، حقيقة: هل أنا مُكتئب أم لا؟ عدميّ أم طوباويّ؟ مُتفائل أم مُتشائم؟ هل هناك خيار؟ أم ما من خيار أبدًا؟؛ وإنّما بالانصراف عن كلّ هذه التساؤلات، والهروب من ذاته وأسئلتها أيضًا من خلال التأمّل، صرف الوقت في تأمّل أشياء عاديّة وتافهة، وإمعان النظر فيها إلى الحدّ الذي تصير عندهُ عملية التأمّل هذه ولّادة أفكار يؤجّل الانشغال بها مواجهتهُ لأزماته والأسئلة المُتعلّقة بها والصراع المُحتدم داخلهُ أيضًا لجهة عجزهِ وفشله في تحديد موقفه من الحياة.

التأمّل باعتباره نظرة “مُحايدة” إلى العالم

الخطوة الأولى لبطل إيفان كليما باتّجاه خلاصهِ المؤقّت والقائم، كما بيَّنا أعلاه، على التأمّل المُفرط للأشياء الصغيرة والعاديّة وربّما التافهة أيضًا، والانشغال بها إلى الحدّ الذي يصرف انتباههُ، وإن بشكلٍ مؤقّت، عمّا يشغلهُ ويُحاصرهُ ويُفسد عليه حياته؛ تمثّلت في خروجه للعمل في تنظيف الشوارع، مُعتبرًا أنّ هذه المهنة قادرة على منحه: “طريقة جديدة غير متوقّعة في النظر إلى العالم” (ص 8)، نظرة لا تكون مُتفائلة أو مُتشائمة، عدميّة أو طوباويّة، وإنّما مُحايدة لا علاقة لها بمواقفه/ مشاعره هذه.

ويُمكن التعامل هنا مع مُفردة “نظر” باعتبارها مُرادفًا لمُفردة “تأمّل”، والقول أيضًا إنّ القُمامة أوّل ما تأمّلهُ البطل نظرًا لعلاقته المُباشرة معها باعتباره مسؤولًا عن تنظيف الشوارع منها. أمّا نتيجة تأمّلاتهُ هذه فقد حدَّدها في العبارة التالية: “إنّ القُمامة خالدة وهي تغزو الهواء وتطفو في المياه وتنحلّ وتتعفّن وتتفكّك وتتحوّل إلى غاز أو دُخان أو هباب. إنّها ترتحل في العالم كلّه وتبتلعهُ تدريجيًّا” (ص 14)، ثمّ يُضيف لتأكيد نظريَّتهِ هذه: “إنّ القُمامة عصيّة على الفناء على أيّ حال. إنّ القُمامة مثل الموت، فما الذي يُمكن أن يكون عصيًّا على الفناء أكثر من الموت؟” (ص17).

انشغال البطل بالقُمامة جزء من مُحاولاته للانصراف عن نزاعاته النفسيّة الحادّة ووضعه الداخليّ المُضطَّرب خصوصًا أنّهُ، كلّما توغّل أو تماهى أكثر مع حياته الجديدة باعتباره مُنظِّف شوارع “زادت الصورة المجازيّة للنفايات حدّة في وصف كلّ ما يُهدِّد سلامتنا”(8)، بالإضافة إلى تحوّل تأمّلاته لها وخلاصات هذه التأمّلات إلى طريقة ينظر عبرها إلى العالم، إذ يهيمن هذا مفهوم “القمامة” إلى جانب مفهوم “النظافة” على تفكيره تمامًا إلى الدرجة التي يتعامل عندها مع العالم انطلاقًا منهما: “الفردوس، قبل كلّ شيء آخر، حالة تشعر الروح فيها بالنظافة” (ص 286).

لا تنحصر تأمّلات بطل “حبّ وقمامة” بالنفايات والنظافة فقط، وإنمّا تتشعَّب لتشمل أشياء مُختلفة تُشكِّل معًا عالمًا موازيًا ينصرف إليه كلّما باتت الأسئلة التي تُطاردهُ أكثر إلحاحًا، وكلّما ازداد انقسامهُ بفعل الصدام القائم داخله، دون حسم، بين مواقفه المُتناقضة من الحياة.

 إنّها، تأمّلاتهُ، ما يضمنُ لهُ تأجيلًا يبدو طويل الأمد لمواجهة حقيقة وضعه الداخليّ الذي عبّر عنهُ بقوله: “لا أستطيع الاستقرار على رأي، ولا أستطيع انكار عاطفتي ولا أستطيع استخلاص النتائج منها، لا أستطيع الذهاب تمامًا، ولا المجيء تمامًا، ولا أستطيع عيش الحقيقة” (ص 119).

إيفان كليما وإيتالو كالفينو.. في بناء “المُتأمّل”

أصدر الروائيّ الإيطاليّ إيتالو كالفينو (1923-1985) عملهُ الروائيّ الأخير “السيد بالومار” خلال العام الذي بدأ فيه التشيكيّ إيفان كليما بكتابة “حبّ وقمامة”، والمُلفت للانتباه هنا ليست التواريخ، وإنّما وجود توازٍ بين شخصيّات العملين، حيث قدّم كلا الكاتبين في روايتيهما نماذج مُختلفة لما يُمكن أن نُطلق عليه “الكائن المُتأمّل”.

ليس القصد أنّ بطل “حبّ وقمامة” هو ذاتهُ بطل “السيّد بالومار”، ولكنّهما يتشاركان الرغبة ذاتها في النظر نظرة مُحايدة إلى العالم لأسبابٍ واعتباراتٍ مُختلفة. فبينما قدّم كليما شخصيّة لجأت إلى التأمّل للانصراف عن أزماتٍ حادّة تعيشها، وتجاهل حالة الصدام القائمة بين مواقفها/ مشاعرها المُتناقضة من الحياة، تلك التي توسّع دائرة انقسامه؛ قدّم كالفينو في المقابل شخصيّة لجأت إلى التأمّل بعد سلسلة خيبات حدثت وانتهت، قرّرت إثرها جعل نشاطها مُقتصرًا على مُعاينة الأشياء من الخارج. إنّها، بشكلٍ أو بآخر، تُحاول عبر تأمّلاتها تجاوز خيباتها وتجنّب الأحاسيس الغائمة والتأسيس لحياة جديدة يحول التأمّل بينها وبين خيبات جديدة مُحتملة، بينما تسعى في المُقابل الشخصيّة التي وضعها كليما إلى تجنّب حياة برمّتها وتجاهل تحوّلاتها الداخليّة الحادّة المسؤولة عن اضطّراباتها النفسيّة التي باتت تُهدِّد سلامتهُ العقليّة تهديدًا مُباشرًا.

وبغضّ النظر عمّا إذا كانت هذه الطريقة مُجدية أم لا، إلّا أنّها تبدو الوسيلة الوحيدة المُتاحة للخلاص الذي تنشدهُ الشخصيّات في كلا العملين: الخلاص من أحداثٍ/ خيبات مضت عند بطل كالفينو، والخلاص من أزماتٍ لا تزال قائمة وقابلة للاتّساع عبر تجاهلها عند بطل كليما الذي نجدهُ ساعيًا عبر تأمّلاته إلى تجنّب انقطاع الصلة بشكلٍ نهائيّ بينه وبين العالم الخارجيّ، ذلك الذي يسعى بطل كالفينو إلى تقليص صلاته به عبر التأمّل الذي يُحاول عبرهُ أيضًا معرفة أو تخمين شكل العالم من بعده، في الوقت الذي يُحاول عبرهُ بطل كليما تجنّب وتجاهل فكرة البحث عن حقيقة موقعهِ منه ونظرته إليه أيضًا.

ويُمكن القول إنّ تأمّلات بطل إيتالو كالفينو هادئة ومحصورة في أشياء مهما بدت غريبة أو مُفاجئة، إلّا أنّها طبيعيّة، على العكس تمامًا من تأمّلات بطل إيفان كليما الذي كان أوّل ما تأمّلهُ هو القمامة التي حاول إظهار ما يربطها بالبشر، مانحًا إيّاها الجزء الكبير من تأمّلاته، بينما وزّع بطل كالفينو تأمّلاته على أكثر من شيء وأكثر من مكان أيضًا.

وهذا الاختلاف في التعامل مع التأمّل إنّما يعود إلى اختلاف طبيعة حياتهما، صحيح أنّنا لا نعرف عن حياة السيّد بالومار الكثير، ولكنّ الأمر لا يتطلّب الكثير من الجهد للقول إنّ حياته أفضل وبمسافاتٍ بعيدة من حياة بطل “حبّ وقمامة”، وهنا لا نقلل من شأن بطل كالفينو وأهمّية تأمّلاته وإنّما نوضح نقاط الاختلاف بينه وبين ما نجدهُ عند بطل كليما فقط.

إنّ تأمّلات شخصيّة إيتالو كالفينو تحدث في عالم طبيعيّ لا اضطّراب فيه ولا عنف، ولم تدفعهُ إليها سلسلة أزمات أنتجتها أنظمة توليتارية بمعسكرات اعتقال/ عزل يتبدّل شكلها بين نظامٍ وآخر ولكنّ غايتها واحدة، ممّا يعني أنّ تأمّلاته مهما كانت غايتها ليست إلّا وسيلة لصرف الوقت وتجاهل أشياء حدثت وانتهت.

أمّا بالنسبة إلى بطل إيفان كليما، فإنّ تأمّلاته، قبل كلّ شيء آخر، مُحاولة للنجاة عبر تأجيل انحداره المُستمر باتّجاه الهاوية بفعل ذاكرة تُعيدهُ باستمرار إلى تجارب مريرة، ووعي يُنبّههُ إلى انقسامه بفعل صدام مواقفه المُتناقضة والمُتصارعة تجاه الحياة: عدميّة ناقصة تُقابلها طوباويّة أشدّ نقصًا.


(1) نانسي هيوستن، أساتذة الياس: النزعة العدميّة في الأدب الأوروبي، ترجمة وليد السويركي (مشروع كلمة، 2012).

(2) المرجع نفسه.

(3) كولن ولسون، اللامنتمي، ترجمة أنيس زكي حسن (دار الآداب، 2004) ط 5.

(4) جون سكانلان، النفايات: مدخل إلى الشكّ والخطأ والعبث، ترجمة محمد زياد كبّة (مشروع كلمة، 2017).

(5) حنّة أرندت، أسس التوتاليتارية، ترجمة أنطوان أبو زيد (دار الساقي، 2016) ط 2.

(6) رائد وحش، البيت بوصفه اختبارًا للهوية، (ألترا صوت، 3/4/2020)

(7) المرجع نفسه.

(8) جون سكانلان، النفايات: مدخل إلى الشكّ والخطأ والعبث، ترجمة محمد زياد كبّة (مشروع كلمة، 2017).

Hits: 97

أدب الثالث عشر بعد المائة العدد الأخير

عن الكاتب

مصطفى ديب

اترك تعليقاً