الذات بين الخلود والتلاشي: قراءة في بواعث الكتابة عن الذات

كتب بواسطة محمد تيتون

مقدمة:

 تستهوي أدبياتُ الكتابة عن الذات القارئَ أو القارئَ الفضولي على وجه أدق؛ الذي يستغرق في قراءتها بإثارةٍ ودهشةٍ بالغتين إبَّان وقوفه عليها، ومن المؤكد أنَّ تساؤلاتٍ محرجة ما تفتأ أن تلاحقه وهو مستغرق فيها أو إبان الانتهاء منها، كتلك التساؤلات التي تستهدف المصداقية الأخلاقية والواقعية على نحو سواء، والتساؤلات التي تبحث عن البواعث/الظروف التي غدت بالكاتب إلى الكتابة عن ذاته على النحو الذي بين يديّ القارئ، وتحاول هذه المقالة أن تبحث في الطبيعة الشعورية المخالجة للكاتب عن ذاته بسردها تأملاتٍ متعددة ومختلفة.

«بقدر ما أكون للآخر، أكون بالمثل حاضرًا لنفسي وممتلئًا من الوجود، فإذا أنكرت الآخر الذي أحببته أو اعتبرت أنه تلاشى أو انعدم بعد الموت؛ فإني بذلك أنكر نفسي وألاشيها بالمثل»([1]).      
غابريل مارسيل  Gabriel Marcel (1889 – 1973م)

من المثير جدًّا استدعاء شيءٍ من فلسفة الموت أو مشكلة الموت بالأحرى في البحث عن الطبيعة الشعورية للكتابة عن الذات، والنصُّ أعلاه يوضح تمازجًا بين الموت والدافع للكتابة عن الذات؛ إذ إنَّ حضورًا روحيًّا يلاحظ بين «الأنا» و«الآخر» لا يمكن إلغاؤه؛ لأنَّ إلغاء المحبوب/الآخر بعد موته هو إلغاء للذات المحبة/الأنا، وإذا كان النصُّ يثبت تواصلًا بعد الموت بين «الأنا» المدرك و«الآخر» غير المدرك فهو تواصلٌ من حيث إدراك الأول باعترافه بالآخر، وقد ينتاب «الآخر» الخوفُ من إنكار ذاته وإلغائها بعد موته، ومحاولة التفكير في تخيل هذا الشعور مخيف فكيف بالهلوسة التي تمثّله واقعًا، ومن ثم يستبق «الآخر» الذي سيؤول إلى الموت تلاشيَ ذاته بتخليدها بأفعال شتى؛ كالكتابة عنها بتصويرها في أطوارها المختلفة لتكون حاضرة وماثلة عند الأحياء/ الأنا، وربما يكون من هنا استنتاجنا أنَّ تخليد الذات يكون بقدر الخوف من تلاشيها أي قد يكون تضخيمها بقدر ما يعتريها من نواقص تؤدي إلى تلاشيها.

في هذا السياق نستحضر مثلًا أدبيًّا رسمَه جون غرين في روايته «ما تخبئه لنا النجوم»، وفيه أنَّ «أغسطس» المشارف على الموت طلب من صديقه «إسحاق» وصديقته «هازل» أن يكتبَا له تأبينَه الذي سينعيانه به بعد موته ويلقياه بحضرته في المأتم، وبعد إلقاء «إسحاق» التأبين على صديقه، قال له «أغسطس»: «كان من الأفضل حذف الجزء الذي يتحدث عن الرؤية عبر قمصان الفتيات»، فأجابه «إسحاق» وهو يبكي: «اللعنة يا أغسطس؛ لقد كتبت نعيك»([2]).

ما الذي دعا «أغسطس» إلى أن يطلب من صديقيه كتابة تأبينه وإلقاءه عليه قبيل موته؟ الجواب الظاهر أنَّه يأمَل في معرفة ما يصنعه صديقاه اتجاهه بعد موته، والمحرك الدفين لهذه الرغبة هو الخوف من تلاشي ذاته بعد موته عند أقرب أصدقائه؛ ولذا خشي من أن يكون ذكر حادثة قمصان الفتيات نقصًا سيودي بذاته إلى التلاشي بعدئذٍ، وفي استدراك صديقه عليه بما يسوؤه أي إخباره بمآل الذات بعد الموت إشارةٌ إلى أنَّ ما يحقق اطمئنان «الذات» من خوف تلاشيها عند الناس لا ما يكتبه الآخرون عنها بل ما تكتبه الذات نفسها؛ لكون الكتابة الأولى ليس فيها الغاية الدافعة إلى الكتابة الثانية.

في ضوء ذلك يبدو أنَّ الشاعر العربي مالك بن الريب حين شعر بدنو موته أدرك أنَّ ذاته على وشك التلاشي([3])؛ لكونه أولًا بعيدًا عن أقربائه الذين يؤمل فيهم أنهم لا يتنكرون لذاته كما يقول: «تفَقَّدْت مَنْ يَبكى عليّ فلم أجد»، وثانيًا ما سيقصه رفاقه عنه على عائلته لم يكن مطمئنًا له من خوف التلاشي؛ ومن ثم كتب في سبيل تخليد ذاته قصيدة أوضح فيها مآثره وأودعها كل ما من أمره أن يعلي من شأنه، والقارئ كتابته عن ذاته/القصيدة يستبعد أن يقال عنه: «كان فاتكًا لصًّا»([4]) كما تحكي عنه الأدبيات، وربما علم الشاعر أنَّ معايبه المشهور بها ستسرع من تلاشي ذاته بعد موته؛ مما جعله يسرد في القصيدة كل ما من شأنه أن يخفف من النواقص التي تلاحقه، وهذا يفسر لنا شدة قلق الاندثار الذي راود الشاعر في تلك اللحظة، وكأننا نلمس هذا القلق الشديد في يأس الشاعر مبكرًا من محاولته هذه؛ حيث يخاطب رفيقيه بعدم نسيانه بعد مواراة جثمانه: «وَلَا تنسيا عهدي خليلي بَعْدَمَا تــــــقــــطـــع أوصــــــالي وتبــــــلى عــــظاميَا».   

إذا كنا ارتأينا أنَّ تخليد الذات خوف التلاشي بعد الموت أحد البواعث الرئيسة في الكتابة عنها؛ فإنَّ ذلك يخفف عنَّا وطأة تضخم الذات في الكتابات الذاتية المنشورة والمشهورة في سوق الكتابة والقراءة، أعني بذلك تخفيف الدهشة والاستغراب اللذين عادةً ما يستوليان على القارئ حين قراءته لهذا النوع من الكتابة، وهذا ما يمكن أن تجسده تلك المحاورة الأدبية المأثورة في أدبياتنا العربية حيث «قال بعضهم: وجدت على قبرٍ مكتوبًا: أنا ابن من كانت الريح طوع أمره يحبسها إذا شاء ويطلقها إذا شاء، قال: فعظم في عيني ثم التفت إلى قبر آخر قبالته فإذا عليه مكتوب: لا يغتر أحد بقوله فما كان أبوه إلا بعض الحدادين يحبس الريح في كيره إذا شاء ويرسلها إذا شاء، قال: فعجبت منهما يتسابان ميتين، فإذا طرق السمع شيء من ذلك ظن السامع أنه في غاية الفخر والشرف حتى يعلم حقيقته»([5])، ما نلاحظه هنا من تجسيدٍ لفكرة تضخيم الذات ومعرفة الآخر بها يمكن أن ينبئنا بأنَّ معرفة الآخر بحقيقة الذات يهدد الغاية التي من أجلها كتبت الكتابة؛ فالكاتب حين يكتب عن ذاته يحاذر تضخيم الوقائع التي يعرفها الناس عنه، بينما لا يفعل ذلك في الوقائع التي يختص بمعرفتها، وإن عرف سيكون الاعتذار عن تضخيم الذات في الكتابة بأنَّه من مقتضيات العمل الأدبي أحيانًا، وإن لم يعرف فإنَّه الواقع كما هو، يقول الطنطاوي: «كنتُ قد كتبتُ مقالةً أَصِفُ فيها الجانب الـمُسلِّيَ منها ووضعتُها في كتابي (من حديث النفس) ولكني واصفٌ اليوم الجانب الآخر، وإذا كان فيما نُشِرَ من قبل شيءٌ من تهاويل الخيال؛ فإنَّ الذي أقوله اليوم هو الواقع أرويه كما وقع»([6])، وبغض النظر عن أغطية الذنب الخفيفة التي قد تلتحف بها تراكمات من عقد النقص وحب الذات؛ فإنَّه يمكن رؤية الاعتراف بالذنب بلبوس التضخم والخلود؛ من حيث إنَّ الشجاعة المصاحبة للاعتراف بالذنب ستكون ضامنةً لتخليد الذات.

هكذا إذن نلاحظ أنَّ الخوف من تلاشينا بعد الموت محركٌ دفينٌ لخلق حياة جديدةٍ لذواتنا نودعها في تلك الكتب التي نأمل أن تضمن لنا خلودًا يلائمنا، يقول زفايغ: «أنا الذي كان عليه أن يعرف أننا لا ننتج الكتب إلا لكي نبقى على صلةٍ بالبشر فيما وراء الموت، فنذود بذلك عن أنفسنا ضد العدو الألد لكل حياة، ضد الزمن الذي يمضي، ضد النسيان»([7]).


هوامش المقالة:

([1]) نقلًا عن: مبروك، أمل، فلسفة الموت، ص108.

([2]) غرين، جون، ما تخبئه لنا النجوم، ت: أنطوان باسبل، ص271 – 278.

([3])  قصيدة لمالك بن الرّيب يَرثي فيها نفسه ويصِف قَبْرَه، وكان خرَج مع سَعيد بن عثمان بن عفّان لما وَليَ خُراسان، فلما كان ببعض الطَّريق أراد أن يَلبس خُفَّه، فإذا بأفعى في داخلها فلسعَته، فلما أحسّ الموت استلقى على قَفاه، وأنشدها. (ابن عبد ربه، العقد الفريد، ج3، 202-203).

([4]) ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ج1، ص341.

([5]) القلقشندي، صبح الأعشى، ج1، 436-437.

([6]) الطنطاوي، ذكريات علي الطنطاوي، ج2، ص296.

([7]) زفايغ، ستيفان، مانديل بائع الكتب القديمة، ص42.

مرجع الصورة:

https://lh3.googleusercontent.com/proxy/tt-oB7zO8z6SjZs-bYulyZfNGd0oqAwR3hM2A7JY_SoqKbTSZpa8syaeRASmKbs02qAERdhlpU5kgmPmHhO4tkXougnB7_SnqrNtDt9E5uQ6djbLcM10CcoyfRtd5JPThA-tDEmdMpPJ-OWr9jMNjTVsE9dbZMI2npl0

Hits: 181

أدب الثالث عشر بعد المائة العدد الأخير

عن الكاتب

محمد تيتون

اترك تعليقاً