لا تتفلسف

كتب بواسطة علي داود

“لا تتفلسف”. هكذا يتم الردّ على كل من يتفوّه بكلام مُعقد أو لا طائل منه – ظاهرياً على الأقل. 

يظنّ الكثيرون أن الفلسفة هي شغلُ من لا شغلَ له، أو أنها عبارة عن حشو لكلمات غير مفهومة، وخارجة عن سياق الحياة اليومية العملية، وقد يكون سبب هذه النظرة فعلا محتوى المادة التي يقدّمها المهتمون بالفلسفة، ولكن في الحقيقة كلنا فلاسفة بقدر ما؛ لأننا جميعا ولو لفترة مؤقتة من حياتنا نفكّر في تلك الأسئلة الكبيرة المتعلقة بتحصيل السعادة ومعنى الحياة والغاية من الوجود، كلنا بطريقة أو بأخرى نحمل أفكارا خاصة عن العلاقات الإنسانية والأسرة والمجتمع والدولة. ليس بالضرورة أن تكون أفكارا عميقة وتفصيلية تملأ مئات الصفحات أو تكوّنت جرّاء تجارب واعية، إلا أنها موجودة. وسأتناول في هذا المقال بعض الجوانب التي يمكن أن تبرز أهمية الفلسفة اليوم وتزيل بعض الغموض المتعلق بجدواها.

السياق التاريخي

ما يجعل الكثير من الأفكار الفلسفية تبدو كألغاز هو أنها تُقدم خارج سياقها التاريخي، فالفلسفة بناءٌ تأسس بأسئلة بسيطة جدا، ثم تطور وتفرّع حسب الأجوبة المختلفة التي تم تقديمها، تماما كما تقدم علم الرياضيات من العمليات الحسابية البسيطة كالطرح والجمع إلى معادلات الجبر وقوانين المصفوفات والاشتقاق والتكامل والنظريات المعقدة التي مازالت تؤرق الرياضيين. قد يختلف البعض مع هذا التشبيه باعتبار أنّ الفلسفة ليست علما تراكُميا، ولكن لا يمكن بأية حال فهم الكثير من الأفكار والمناهج الفلسفية خارج السياق التي وضعت أو نشأت فيه. يقول برتراند رسل في مقدمة كتابه حكمة الغرب: “إن الاتجاه الراهن إلى الإغراق المتزايد في التخصص يؤدي بالناس إلى أن ينسوا ما يدينون به عقليا لأسلافهم.. وإنه لمن العبث أن نمارس التفكير الفلسفي في الوقت الذي نكون فيه قد فصمنا كل الروابط التي تربطنا بالمفكرين العظام في الماضي.. أولئك الذين يعتقدون أنّ الفلسفة بدأت حقا في العام 1921م، أو على أي حال في وقت ليس أسبق من ذلك بكثير، لا يدركون أن المشكلات الفلسفية الراهنة لم تنشأ فجأة من فراغ” (1).

أبيقور الألفية الجديدة

ليس كل الفلسفة محاولة نظرية لفهم نظام الوجود أو الطريق الصحيح إلى المعرفة. فهناك فلسفات أخرى عملية جدا تضع الاهتمام بالإنسان وسعادته قبل كل شيء، فلسفاتٌ من الشرق والغرب كالكونفوشيوسية والزّن والسُقراطية والرواقية والأبيقورية. ورغم مرور آلاف السنوات على هذه الفلسفات وما تحتويها من آراء ونصائح عملية لتحقيق السعادة إلا أنها مازالت قيّمة، ولعلها تناسب ظروفنا المُعاصرة أكثر من تلك التي نشأت فيها. وفي الواقع تعود الكثير من الممارسات والتقنيات التي يطرحها المرشدون النفسيون ومدربو المهارات الحياتية اليوم إلى هذه الفلسفات تحديدا. 

لقد توصّل الحكيم الصيني كونفوشيوس منذ ما يزيد على ألفي عام إلى أنه “من السّهل أن تكره، ومن الصّعب أن تُحِب. هكذا هو نظام الأشياء. كل الأمور الجيدة يصعب تحقيقها، في حين تكون الأمور السيئة سهلةٌ جدا”. أما الحكيم لاو تزو الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد فأرشد إلى الرضا والقناعة والتقبل كسبيل لتحقيق السعادة: “كن راضيا بما لديك؛ افرح بالأشياء كما هي. عندما تدرك أنه لا يوجد شيء ينقصك، فإنّ العالم كله يكون ملكا لك”.

لم تكن جرأة سقراط أمام المحكمة التي اتهمته بإفساد الشباب عبر شعاره “اعرف نفسك”، وتقبّله للموت برحابة صدر إلا تطبيقا فائقا لوصفة الحياة السعيدة التي كان يُنظّر لها في طرقات وأسواق أثينا: “ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤُﺨﺘﺒﺮﺓ ﻻ ﺗﺴﺘﺤﻖ أن ﺗُﻌﺎﺵ”. ورغم أنّ الفلسفة الإغريقية بعد سقراط اتجهت بشكل ملحوظ إلى القضايا النظرية كما عند أفلاطون وأرسطو، إلا أنها عندما عادت متمثلة في فلسفة زينون الرواقي وأبيقور حققت نجاحا باهرا مازال أثرها مستمرا لحد اليوم، فقد نشرت صحيفة الغارديان مؤخرا دراسة تقترح أن الرواقية أصبحت منهجا رائجا وسط الشباب اليوم (2).

لقد بلغت شهرة الرواقية بمكان أن أخذها إمبراطور روما العظيمة ماركوس أوريليوس فلسفة لحياته، وقد ترك لنا هذا الإمبراطور الحكيم مذكراته التي دوّن فيها مبادئه لحياة سعيدة، مقتربا جدا من رواقي آخر هو إبيكتيتوس، والذي للمفارقة العجيبة كان عبدا مملوكا في روما نفسها. توضحُ لنا مذكرات ماركوس أنّ معاناة الإنسان في أي زمن – سواء كان إمبراطور روما أو عبدا من عبيدها أو شخصا من القرن الحادي والعشرين – لتحقيق السعادة والرضا هي نفسها لم تتغير.

يظهر تميز الرواقية عن الفلسفات النظرية في مقولة مشهورة لماركوس نفسه: “لا تُضيع المزيد من الوقت في النقاش عن ماهية الرجل الصالح، بل كن واحدا”. أما المبادئ التي توصل إليها خلال حياته لتحقيق السعادة فهي: الحُكم الموضوعي غير الشخصي على الأحداث، وحصر الرغبة في إطار الأشياء التي يمكن التحكم فيها، والعمل للصالح العام. ولعلّ الدرس الأساسي التي أرادت الرواقية تعليمه للناس هو أنّ التعاسة سببها المشاعر غير المُتحكم فيها، وبالتالي يمكن تحقيق السعادة عن طريق تهذيب وتوجيه هذه المشاعر. يقول سينيكا في كتابه رسائل من رواقي: “إذا انغمسنا في مخاوفنا إلى أقصى حدّ ممكن ستكون الحياة لا تستحق العيش ولن نجد حدودا لأحزاننا، لذا دع التعقل يساعدك، واستهن بالمخاوف بعزم شديد حتى وإن كانت أمام ناظريك. وإذا كنت لا تستطيع فعل ذلك، واجه ضعفا بآخر، وخفف خوفك بالأمل” (3).

أما الأبيقورية، فهي الأخرى، كانت فلسفة إنسانية متقدمة بمراحل على عصرها، ولن يكون من المبالغة القول أن آراء أبيقور ستبدو وكأنها تنتمي لمن يُطلَق عليهم اليوم بجيل الألفية المتلهّف للمعنى والقيمة أكثر من المال والأعراف. إذ كان أبيقور يرى أنّ العمل من أجل المال والسمعة أو المكانة الطيبة فقط أمرا سخيفا، وإن كان لابد، فقليلٌ منه أفضل من كثير. فالحياة السعيدة – في نظر أبيقور – لا تحتاج إلى المال الوفير بل إلى الشغف والمعنى وراحة البال والأصدقاء، ولتحقيق ذلك قام بتجربة ناجحة هي أساس ما تسمى اليوم بالجمعيات، فقد اشترى منزلا كبيرا وعاش فيه مع كل أصدقاءه، والذين بدورهم توقفوا عن العمل للغير أو اكتفوا بقدر قليل منه، وركزوا على الأعمال التي تثير اهتمامهم فقط حتى لو كانت بسيطة كالطبخ والزراعة. لقد بلغ نجاح هذه التجربة بحيث ظهر مثلها في فترة من الفترات حوالي أربعمائة ألف جمعية من فلسطين إلى إسبانيا (4)، لتصبح بذلك من أولى برامج المساعدة الذاتية في التاريخ.

مازلنا بحاجة إلى هذه الفلسفات العملية القديمة أو ما يشبه اهتماماتها بحُلة جديدة في مواجهة عصر القلق والإكتئاب الذي نعيشه اليوم. هناك الكثير مما يمكننا أن نتعلمه من الفلسفة لنعيش حياة ملؤها الطمأنينة وراحة البال.

 الفلسفة كهندسة

إنّ الطرق العلمية التي يستخدمها المهندسون في تحليل البيانات وحل المشكلات هي نفسها التي ينبغي أن تُستخدم في التعامل مع القضايا والمعضلات الإنسانية، إذ يُفرق الناس عادة  ولسبب غير مفهوم  بين قضايا العلم والفلسفة والدين، وكأنها تنتمي لعوالم مختلفة أو تتبع أنواعا مختلفة من المنطق، وفي ما يلي ثلاث أمثلة بسيطة لتوضيح مدى قرب هذه القضايا من بعضها:

المثال الأول، التنبؤ بالمستقبل: يستخدم المهندس بيانات الحاضر للتنبؤ بالمستقبل مُفترضا أنّ العوامل التي شكّلت الحاضر ستستمر في عملها الطبيعي لتشكيل المستقبل، ولكن هذا لا يحدث دائما فقد تظهر عوامل مفاجئة غير مُتوقعة تغيّر المجرى الطبيعي للاحداث، أو أن يقوم المهندس – خاصة إذا لاحظ إمكانية الوصول إلى نتائج غير مرغوب بها وفق الطريقة الطبيعية – بالتخطيط لإدخال عامل صناعي يُغير المسار ويحقق المطلوب. لا يختلف هذا النهج في شيء مما ينبغي عمله عند التنبؤ بمستقبل أي مجتمع أو شعب أو التنظير للصالح العام، فينبغي أولا تحصيل البيانات التي تساعد في التعرف على الوضع الحاضر، ومن ثم الاستفادة منها في رسم القوانين والقواعد التي يمكنها أن تُجنب الوقوع في الكوارث والمهالك.

المثال الثاني، بناء النماذج: عندما تكون المعطيات المطلوب أخذها في عين الاعتبار كثيرة ومتداخلة بحيث تصبح العمليات الحسابية صعبة ومعقدة، يقوم المهندس ببناء نموذج حاسوبي يطابق من خلاله بيانات الماضي ويجعله يستشرف المستقبل عبر قوانين معروفة. وتختلف النماذج أو الحاجة إليها حسب المهمة المطلوبة، فقد تكون النماذج ساكنة مُهمّتها توضيح معطيات الحاضر فحسب للمساعدة في زيادة الفائدة منها، وقد تكون حركية تستشرف الوضع المستقبلي لتوضيح نوعية المهام وحجم الأموال المطلوبة للاستثمار في الحاضر. ما استخدمه الفلاسفة منذ قديم الزمان في التنظير لطريقة عمل الدول والمجتمعات لا يختلف كثيرا عن طريقة بناء النماذج الحاسوبية هذه، فجمهورية أفلاطون على سبيل المثال ما هي إلا نموذجٌ نظري للمدينة الفاضلة، ولكن الخطأ الذي وقع فيه أفلاطون هو أنه بنى نموذجا ساكنا رتّب فيه المهام والمناصب دون أن يضفي عليه الحركة ليختبر إن كان ناجعا أم لا.

المثال الثالث، اعتبار الاحتمالات: كثيرا ما يتعامل المهندس مع بيانات متضاربة أو ناقصة، فيتجنب إطلاق الأحكام المطلقة، وبدلا من ذلك يقوم بصياغة نتائج عديدة كلها مُحتملة، يختار من بينها الحد الأدنى والحد الأوسط والحد الأعلى. إذ يتم تبرير الفائدة الاقتصادية من المشروع عن طريق تجاوز الحد الأدنى لمعيار الربح المُتفق عليه، أما الحد الأوسط فيتم اعتباره الهدف الرسمي الذي ينبغي للمشروع أن يحققه، والحد الأعلى عادة ما يستخدم لتصميم الخدمات التي يتم تنفيذ المشروع من خلالها. هكذا بالضبط ينبغي أن تكون نظرتنا للمفاهيم الدينية التي اختلطت بكثير من التفسيرات والتأويلات عبر القرون. فلابد وأن يكون هناك حد أدنى يمكن التسليم بصحّته وتبرير جدوى الإيمان عن طريقه، وحد أوسط أقل يقينا يتسم بالرسمية والمرونة على حد سواء، وحد أعلى يكون من الوسع بحيث يمكنه استيعاب مختلف التوجهات والآراء بهدف الوحدة والتعايش.

مراجع

(1) رسل, ب., 2009. حكمة الغرب. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب, ص.20.

(2) انظر: https://www.theglobeandmail.com/amp/opinion/article-is-ancient-philosophy-the-future/?__twitter_impression=true

(3) انظر: https://www.brainpickings.org/2017/08/27/seneca-anxietyaA/

(4) انظر: https://www.youtube.com/watch?v=Kg_47J6sy3A

مصدر الصورة: https://wwKCipo3XjO0CFQAAAAAdAAAAABAD

الثالث عشر بعد المائة العدد الأخير ثقافة وفكر فلسفة

عن الكاتب

علي داود

اترك تعليقاً