ريبة الإنسان

Avatar
كتب بواسطة إبراهيم بن سعيد

قراءة في كتاب العاقل

تاريخ مختصر للنوع البشري

بأسلوب كتابي متعمد لاستفزاز الخيال والتفكير حسب وصف النص لنفسه، كتب المحاضر واستاذ التاريخ بالجامعة العبرية يوفال نوح هراري كتابه المشتهر هذا، والذي كانت بذرته محاضرات خاصة لطلاب التخرج وتحول إلى كتاب بالعبرية ٢٠١٢م، فالإنجليزية ٢٠١٤م، فبقية اللغات وبينها اللغة العربية التي صدرت بترجمة المترجمين حسين العبري وصالح بن علي الفلاحي، وحررها حمد سنان الغيثي، وصدرت عن دار منجول للنشر بنيودلهي ٢٠١٨م.

ربما يحتد القارئ منذ صفحات الكتاب الأولى مع الأسلوب الاستفزازي، خاصة وأنه متشكل على نمط المحاججات التي تريد الوصول لإطلاق الأحكام والصفات القاطعة، مما قد يحدو بالقارئ لتنحيته جانبًا دون الصفحة ٥٠ منه مثلما فعل بعض القراء في مراجعاتهم، في حين يتجاوز الكتاب ال٤٠٠ صفحة من القطع المتوسط، لكن قراءة الكتاب تتيح تأمل البناء الذي استخدمه المؤلف للوصول إلى استنتاجاته الشخصية، في موضوع لا تنتهي وجهات نظره كالتاريخ.

قد يعتد المرء برأي باراك أوباما في السياسة، وبيل غيتس في الاستثمارات التقنية، لكن في موضوع كالتاريخ فإن المرء قد لا يرى لرأيهما الأهمية نفسه التي لمؤرخ، أو قارئ في التاريخ والآداب عمومًا، مع ذلك فإن خطة الكتاب التسويقية وضعت رأي باراك أوباما وبيل غيتس في الصفحات الأولى منه، وهذه توصية بيل غيتس “أنصح كل مهتم بتاريخ جنسنا البشري ومستقبله بقراءة العاقل”.

لا شك أن الكتاب مبني على كثير من البحوث العلمية، وعلى نتائج علم الآثار حول حياة الإنسان ما قبل التاريخ، والحقب المتعارف عليها، وهو لا يشكو شيئًا من هذا الجانب، لكنه رغم تمسكه بالنظرة العلمية، ينقاد بمغناطيس النتائج التي يفضل التوصل إليها، وإن لم ينقصه اتزان العرض عمومًا، بل الملاحظ حرصه على ذلك الاتزان ما استطاع.

يقدم الكتاب للقارئ أفكارًا جريئة صادمة في رؤية المسار التاريخي للجنس البشري منذ العصور الحجرية الغابرة، اعتمادًا على علم البيولوجيا وتاريخ الآثار البشرية، مثل إطلاقه عدم الأهمية على إنسان تلك الحقبة “أهم ما يجب معرفته عن بشر ما قبل التاريخ هو أنهم كانوا حيوانات عديمة الأهمية، لا يتجاوز تأثيرها على بيئتها تأثير الغوريلات واليراعات أو قناديل البحر” ص1٤ وقد يستفز القارئ هذا الاستنتاج الذي يربط الأهمية بالأثر البيئي، لكن ذلك مبني على خلفية تأثير الإنسان المعاصر على التوازن البيئي. وتؤكد ذلك مواضع أخرى مبنية على نفس الفكرة مثل تفسيره نفسية الإنسان: “لأننا كنا حتى فترة قريبة أحد مستضعفي السافانا فإننا مملؤون بالمخاوف والقلق على مكانتنا. مما جعلنا قساة وخطيرين على نحو مضاعف” ص٢٣

وفي استعراض الكتاب لتاريخ الأنواع البشرية قبل التاريخ فإنه يميل إلى إلقاء التهمة على جنس البشر العاقل في إبادة بقية الأنواع البشرية التي أظهرت الاكتشافات وجودها مثل إنسان النياندرتال: “لعل لقاء العقلاء (الإنسان العاقل) بالنياندرتال أنتج أول وأهم حملة تطهير عرقي في التاريخ ” ص٣٠، وقوله: “خلال العشرة آلاف سنة الماضية كان نوعنا النوع البشري الوحيد الذي تبقى” ص١٥، ويبقى متمسكًا بهذا الرأي حتى وإن أشار بنفسه إلى نتائج البحوث التي تؤكد بقاء جينيوم نياندرتال والأنواع البشرية المنقرضة في الإنسان المعاصر اليوم لكنه يطيح كل ذلك بضربة استحالة جازمة: “من المستحيل الحديث عن “اندماج” بين العقلاء وبقية الأنواع البشرية” ص٢٨. وقد اشتهر عن الكتاب كما اشتهر عن كاتبه تبشيرهما بانقراض الجنس البشري:” من المشكوك فيه بقاء الإنسان العاقل بعد ألف سنة من الآن” ص١٧.

لا نستطيع أن نحصر رؤية الكتاب في زاوية صغيرة، لكن الكتاب ينقاد لنظرة إن شئنا التخفف نصفها من جهة بالبرود العقلي في العرض، من ذلك النوع العلمي الذي يسود مختبرات الأبحاث، ومن جهة أخرى بالحدة المتوهجة في قطع الأحكام، ولذلك فإنه يتيح للقارئ زوايا نظر طريفة، وغريبة أحيانًا في تحليله للوقائع التاريخية المعروفة، ويقدم تحليلات ذكية خاصة فيما يتعلق بصعود الأيديولوجيات وهيمنة السوق والرأسمالية في العصر الحديث. ولربما كان ذلك هو السبب في أن إحدى الكاتبات المعاصرات من الشباب اليوم أعلنت أن الكتاب شغل أفكارها أثر قراءته كهاجس يومي، ولا أظن ذلك ببعيد عن غاية المؤلف من وراء نصه الفائض بالأمثلة والأحكام والرؤى الذاتية وإن بُنيت على أمثلة علمية، لكن حالها حال النقاش الثقافي الذي يحتمل الصواب والخطأ على الدوام، ولا يستطيع احتكار الحقيقة، خاصة وأن الكتاب يعتمد على تعزيز رأيه بالأمثلة العلمية ولكن كما يكتب نص الكتاب نفسه ص٣٦٠: “يمكنك أن تجد الكثير من الأمثلة لدعم كل ما تريد أن تقوله”.

لا يخلو كتاب العاقل من طرافة، مثل تسميته الثقافات والمفاهيم في كثير من مواضعه بالخيالات: “هناك في جانب الواقع الموضوعي أنهار وأشجار وأسود، وهناك في الجانب الآخر الواقع المتخيل لآلهة وقوميات وشركات، وبمضي الوقت أصبح الواقع المتخيل أكثر نفوذًا من أي وقت مضى، إذ يعتمد بقاء أنهار وأشجار وأسود على رحمة كيانات متخيلة مثل الولايات المتحدة وجوجل” ص٤٧. أو اطلاقه على الثقافات اسم الصمغ الاسطوري: “يكمن الفرق الحقيقي بيننا وبين الشنابز (جمع شنبازي) في الصمغ الاسطوري الذي يربط معًا أعدادًا كبيرة من الأفراد والعائلات والمجموعات، هذا الصمغ هو ما جعلنا أساتذة الخلق” ص٥٣.

أما حين يتعرض النص للمراحل التاريخية فإن تركيز النص يكون أكبر على جانب معين من الطبيعة البشرية: “في معظم المواطن غذّت جماعات العقلاء ذاتها بنمط مرن وانتهازي” ص٦٦ وفي فصول تالية نرى كيف يستنتج المؤلف، بالأرقام طبعًا، تساوي عنف القدماء والمعاصرين ص٧٩، وأحيانًا نجده يطلق تعبيرات معاصرة كالغزو على هجرات البشرية القديمة في بقاع الأرض مثل تسميته السكان الأصليين لأستراليا “مستوطنو استراليا، أو بدقة أكبر غزاتها” ص٨٥ في حين يبدو لنا ذلك فجًا والجميع يعرف التحول الديمغرافي القسري الذي قامت عليه استراليا المعاصرة في القرون الثلاثة الأخيرة.

لا يغدو غريبًا بعدها أن نجد أفكارًا اتهامية لأسلاف الهنود الحمر كذلك بوصفهم أول من أراق الدماء: “لم يحدث استيطان أمريكا بلا دماء. خلف قافلة طويلة من الضحايا. كانت تشكيلة الحيوانات الأمريكية قبل ١٤ ألف سنة أثرى بكثير منها اليوم” ص٩٢، ويرد على أي اعتراض في الصفحة التالية ٩٣: “يحاول بعض العلماء مجددًا أن يبرئ الإنسان العاقل ويلوم تغيرات المناخ.. لكن في أمريكا لا يمكن التملص من كرات الروث (المكتشفة لحيوانات منقرضة) فنحن المذنبون ليس هناك طريقة للالتفاف حول الحقيقة”، واستنتاجه الكارثة البيئية الأولى بعد تسمية الهجرات البشرية الأولى ب(استعمار) : “النتيجة الحتمية هي أن الموجة الأولى من استعمار العقلاء كانت واحدة من الكوارث البيئية الأكبر والأسرع.. دفع الإنسان العاقل إلى الانقراض حوالي نصف حيوانات الكوكب الكبيرة. قبل أن يخترع البشر العجلة أو الكتابة أو الأدوات الحديدية بزمن طويل” ص٩٤.

يومئ النص بوضوح إلى مضمرات هذا الخطاب فالنص حاسم دومًا: “لا تصدق حاضني الأشجار الذين يدّعون أن أسلافنا عاشوا في تناغم مع الطبيعة، فقبل الثورة الصناعية بكثير حطم الإنسان العاقل الرقم القياسي متغلبًا على كل المتعضيات، في دفع أغلب أنواع الحيوانات والنباتات إلى الانقراض، وهكذا فإن لدينا تميز مريب كوننا النوع الأكثر فتكًا في سجلات علم الحيوان”، وفي نفس الصفحة نجد تسمية الدافع وراء تلك الأحكام: “ربما لو وعى أشخاص أكثر بانقراضات الموجة الأولى والثانية (من التاريخ البشري) ستكون لا مبالاتهم أقل تجاه الموجة الثالثة الذين هم جزء منها” ص٩٦.

بمثل هذه الأفكار يواصل الكتاب استعراضه لمراحل التاريخ البشري، فالمزارعون الأوائل كانوا بقدر عنف أسلافهم جامعي الثمار. ص١٠١، والثورة الزراعية في تاريخ البشرية كانت فخًا ص١٠٦، لأنها جلبت ظروف حياة أسوأ، وإن كانت بعض استنتاجاته مقبولة بشكل عام: “بحث البشرية عن حياة أسهل يبعث قوى من التغير تحول العالم بطرق لا أحد يتوقعها أو يريدها” ص١١٢

يستعرض الكتاب كذلك وضع حيوانات التربية في المزارع الصناعية وبؤس حياتها السجينة في الزرائب والحظائر ص١٢٢، وقوله نهاية الكتاب ص٤٤٥: “الزراعة الصناعية قد تكون أعظم جريمة في التاريخ”.

ومع أن الكتاب يقدم نفسه في العنوان الفرعي بمختصر تاريخ النوع البشري لكنه يصل في نقطة ما للاعتراف عند نظام الأبوة بحيرته أمام تاريخ الجنس البشري “تاريخ نوع الجنس محير للغاية. إذا كان النظام الأبوي كما هو مشاهد اليوم بوضوح مبنيًّا على أساطير خاطئة لا على حقائق بيولوجية فما الذي يفسر عالمية هذا النظام واستقراره؟” ص١٩٤. ولعل المشكلة الرئيسية لا تكمن في الموضوع نفسه بقدر طريقة بحثه والنظر إليه، خاصة مع تبني الانحياز للعصر الراهن والتباهي العلمي وتجريد الإنسان إلى مجرد تفاعلات كيميائية وفيزيائية وبيولوجية، ومحاولة إرغامه على التلاؤم مع هذا الصندوق الضيق للحكم على تجربة الإنسان الوجودية.

هكذا يعتبر المؤلف المال دينًا من الأديان التي وحدت العالم أفضل مما فعلت الأديان السابقة ص٢١٦، ثم يقول: لطخ الفلاسفة والمفكرون والأنبياء سمعة المال لآلاف السنين، ونعتوه بأنه جذر كل الشرور، وليكن ما يكون، فالمال هو أيضًا ذروة التسامح البشري.. أكثر انفتاحًا من اللغة. ومن قوانين الدول، والأعراف الثقافية والمعتقدات الدينية والعادات الاجتماعية. المال هو نظام الثقة الوحيد الذي أنشأه البشر والذي يمكن أن يجسّر أي فجوة ثقافية، والذي لا يميز على أساس الدين أو الجنس أو العرق أو السن أو الميول الجنسية، فبفضل المال يستطيع حتى الأشخاص الذين لا يعرفون بعضهم البعض ولا يثقون في بعضهم أن يتعاونوا بفعالية” ص٢٢٤.

ويمكننا أن نفهم إذا اعتبرنا دافع هذا الكلام عن المال حماسة دينية تجد على نفسها فرضًا من فروض تأدية الولاء لدين العالم المعاصر، لكن كما يقول تشوانغ تسه (حتى التجار أنفسهم يحتقرون من لا يفكر بغير بالمال)، فلا شيء كالمال ذو وجهين فهو كذلك سبب الخصومات والنزاعات حتى بين الأشقاء، ولا شيء كالمال وهمي فهو مجرد قيمة خيالية قد تسقط غدًا في سوق العملات، قال أوكتافيو باث مرة: تلك الأموال والأموال/ التي تنهار في المكتب/ أو على الرصيف/ لتنتهي في المستشفيات/ ألم الموت/ هكذا/ لا يستحق الألم. 

يحاول كتاب العاقل تقديم رؤية وفهم معاصرين للإنسان لكن بطريقته، ولا يخلو ذلك من الطرافة في بعض المواضع، لكنه لا يخلو من مغالطات خطرة، وإن بدا أنه مناهض للأيديولوجيا والأديان فإن له أيديولوجيا خاصة ومعلنة يدافع عنها ويستحث انتصارها الظافر، رغم أن عامًا مثل عام ٢٠٢٠م بفيروسه يصم العلم الحديث ومن وراءه الرأسمالية بكل مختبراتها وأساطيل علمائها ومراكزها البحثية وبنوكها شركاتها بصنفٍ من الفشل ذريع.

قد ينشغل القارئ بأسلوب الكتاب الاستفزازي عن إبداء رأيه في الترجمة التي جاءت موفقة إلى حد كبير، سلسة غير مغالية في مفرداتها ولا تراكيبها، وإن بدا تأثير النص الأصلي أحيانًا على بعض تراكيبها، ولعل الاستفزاز الذي ابتدأت هذه القراءة به يثبت نجاح المترجمين في نقل روح النص إلى قراء العربية.

مصدر الصورة: https://2u.pw/H9ZLN

الثالث بعد المئة ثقافة وفكر سياسة

عن الكاتب

Avatar

إبراهيم بن سعيد