وادي الليل والنهار

كتب بواسطة محمد الجداوي

كنت أن ضربت موعدا للقاء صديقي الذي غيّبته مشاغل الدنيا زمنًا طويلا، فالتقينا بعد انقطاع، وتصافحنا بحرارة القلوب قبل الكُفوف، فقد كان للصداقة بينا معنى الجواهر النفيسة عند الأثرياء، والأرحام المقدسة بين الأقرباء، وحقيقٌ بها أن تبلغ هذه المنزلة، فأن يكون لك صديق قريب لهو شيء في غاية الندرة. هو شيءٌ لا يصيبه كثيرون في مسير حياة كاملة. والمغبوطون هم أولئك الذين يكون لهم أن يقولوا: لي من بني البشر رفيق قريب، هو لنفسي نفسٌ ثانية.

ولقد صدّقنا –أنا وصديقي- أن مثل هذه الصداقات، يعثر عليها الإنسان حينما يريدها ولكن لا يجهد في طلبها، إذ وجدناها من اتفاقات الصدفة أو أشبه بمواهب سماوية لا يردعها رادع وهي في نزولها إلى الذين أُرِيدوا لها.

وتمشّينا ليلا في اليُوبيل الفضِّي* كما كنا نتمشّى، وتضاءل إحساسنا بثقل جسدَينا، فأمسينا ننقر الأرض بخفّة الأرواح، ونقطع المسافات جيئة وذهابا عبر الحديقة كأنها خطوات قليلة، وما تزال قلوبنا لا ترتوي من حلاوة حديث الأصدقاء، وما زال في نفسَينا كأننا التقينا لتوِّنا.

وهكذا تسلل الوقت عنّا تسلل لصٍّ عطوف يسرق الزمن، فينهب الساعات ويزهد في الدقائق، وبينما كنا نتحادث مستذكرين الأيام الخالية ومجددين آمالنا في الحياة، وقفنا حذاء وادي صَلّان، وطفقنا نعاينه متأملين فيه بحيرةً كان صنيع أمطار البارحة، والناس على الضفاف يشعلون النار الهادئة ويستعينون على برد الشتاء بدثارها، وكانت أصواتهم المتسامرة تصلنا خافتة كأنها من نائمٍ يهمس.

وقال صديقي وقد بدا كأنما استذكر شيئا: ما نراه من الوادي الآن هو لباسه في الليل، أمّا في النهار، فهو يكون في حِلْية أحسن من هذه.

قلت: وما حلية الوادي في النهار؟

قال واصفا مثل طفل منبهر: تراه مزدانا بثوب من الشمس، وألوان من الطير، ويلوح لك وهو مكتسٍ بروح جديدة مستيقظة، فيوقظ فيك نفسك الحلوة، وإذا ما دققت السمع، انساب إليك صوته وهو يناجي جاره البحر، فتعلم أسرارهما الزرقاء، وتبدر منك ضحكة لِما فيها من براءة.

إن جماله الأسمى عندي يكون في النهار، والنهار نصيب لا يناله أكثر الناس.

فنظرت إلى انعكاس الأضواء على صفحة البحيرة، وجعلت أراجع قوله وأنا عالمٌ أن صديقي من أبناء النهار وأحبائه، وأنا من سهّارة الليل الذين يستلذون سَرياته وجلساته.

وتابعنا مشينا وأنا أحمد طول ليالي الشتاء، وواصلنا حتى بلغنا الحافة حيث يلتقي الوادي بالبحر، وعن يميننا باعة أقصاب السكر، وجِمالٌ رابضة على الشاطئ، تنتظر ركّابا يستأجرونها.

قلت لصديقي: لكل وقتٍ ضيوفه، ولكل منزلٍ أهله.

قال: فما أجمل الضيوف الذين يأتون نهارا، وما أرخى صدور الذين يضيّفونهم. أتعلم من يخفّ إلى هذا الوادي في النهار؟

قلت: من؟ وقد ملكني الفضول من نبرته وعينيه اللتين اتّقد فيهما تلهّفٌ رائع.

قال: مالك الحزين نفسه!

قلت: أحقٌّ…؟

فتبسّم من دهشتي كأنما أصابني في مقتل ونال مني ما يريد.

قال: هو هو في هيئته وهيبته. له تلك الوقفة الصامدة رغم حزنها، والساكنة رغم رقّتها. ومن ثباتها ترى رقبته ممتدة في كبرياء، ورأسه شبه مطأطأة كأنه أمير يندب أيامه المسلوبة.

وزفر صديقي مستثقلا البرد، ولكنه اعتاد الصبر عليه رعايةً لي ولرفقتنا الطويلة، فاستأنفنا مشينا وما تزال في الليل حياةٌ تسعنا، وفي دواخلنا من الكلام ما يملأ ساعاته الطويلة، وقررنا أن ندور حول الوادي ونسير جهة الفندق الواقع على الطرف الآخر. وكذلك فعلنا.

قلت: ورغم ذلك، أراني أحب هذا الوادي ليلا أكثر منه نهارا.

قال: أنت صديقي وأنا أعرفك.

قلت: لعلّك على حق، إذ يسهل أن تسهر لشيء، ويصعب أن تستنهض نفسك لأجله، فلذلك يختار أكثرهم نصيب الليل على نصيب النهار. ولكن ألا ترى أن الناس حولنا إنما هم الآن هنا، لأن للوادي نداءات سحرية لا ينادي بها إلا ليلا؟ وألسنا الساعة من ملبّي هذه النداءات؟

إن لـدفئ النار المشتعلة في الليل الشتائي لذةً كبيرة، ولحسيسها طربا عجيبا، ولكن الشعور بهذه اللذة وهذا الطرب، لا يكون على تمامه إلا عند هذا الوادي وهو تحت النجوم، وهذه الأنوار الناعسة من الحديقة كأجفان نصف مغمضة، التي تجعله صورة تجمع بين النوم واليقظة.

الوادي ليلا هو الحلم الساحر والحقيقة الهادئة.

هو في الليل نهرٌ يجري ثم بحيرة تلتمع. أمّا تحت الشمس فهو… فهو الوادي ولا ثم بعد ذلك.

وفي النهار قوّة من الحياة تبعث الكائنات على الحركة والعمل، ولكنها قوةٌ كبيرة جدا، تزيل الأحلام كلها، وتَصدم بالحقيقة مجرّدةً مكشوفة دون أن يكون فيها من السحر ما يجمّلها. وما حزن مالكُكَ الحزين ذاك، إلا لأنه صُدم بحقيقةٍ من نهارك هذا.

فقهقه صديقي طويلا، وبدا وجهه كشمسٍ أشرقت والليل في عنفوانه.

قال: حتى هذه القوّة التي نطلبها من الحياة دائما، يجيء لها وقت لا بدّ أن ترخي فيه قبضتها، ونكف نحن عن طلبها، لكي تبدو لنا معاني الأشياء في صور أخرى، كما تبدو لنا الآن معاني هذا الوادي في الليل.

ثم أردف متبرّما وهو ينظر إلى طريقنا أمامه: على أني أود الساعة لو تشد قوة الحياة قبضتها، وتكف عني شرّ البرد!

***

وفي الصباح، رضت نفسي على الاستيقاظ باكرا، وذهبت وصديقي إلى الوادي، وأرسلت بصري على امتداده، فرأيته مستيقظا في كسوة من الشمس وألوان من الطير، وحددت بصري حتى وقع على مالك الحزين الذي كان في وقفته، وامتداد عنقه، وطأطأة رأسه، تماما على ما قال صديقي القريب الذي يحب النهار.

*اليوبيل الفضي: حديقةٌ جميلة في صحار.

أدب الرابع عشر بعد المائة العدد الأخير

عن الكاتب

محمد الجداوي

اترك تعليقاً