جمالية اللغة بين الواقعي والمتخيَّل في رواية أوراق اللعب

كتب بواسطة هشام أزكيض

قد يجد القارئ نفسه غارقا في خضم عمل سردي يندغم فيه الخيال بالواقع، وهو يتابع الخيوط العريضة التي نسجت عوالمه، فلا يملك إلا التماهي مع لذة التلقي والتوغل في ثنايا الجماليات التي ينضح بها، وهذا ما نجده في رواية “أوراق اللعب” للروائي المغربي “حسن المددي” الصادرة مؤخرا عن المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء- بيروت، في 344 صفحة من القطع المتوسط. ولا نملك إلا أن نندهش من قدرته على صناعة عوالم سردية، مفعمة بالجماليات ومحكمة البناء. وقد تجلى ذلك أيضا، في روايته “ليال بلا جدران” التي لاقت نجاحا كبيرا منذ صدورها سنة 2014، عن دار توبقال للنشر.   

لا شك أن رواية ” أوراق اللعب” قد مرت بسلاسة من مرحلة “زمن المخاض السردي”، على اعتبار أن الكاتب قد امتاح من مخيلته الخلفية، وهو يكتب أو وهو يهم بالكتابة، وهو أمر لا يمكن تجاوزه، لأنه يسهل عملية ضبط الصورة الفكرية، عبر حيز خام وزمن خام.

بإمكاننا تجاوز تفاصيل فكرة ” مرحلة المخاض الإبداعي” للروائي “حسن المددي”، فهي ذاتية في المقام الأول، وحتمية من الناحية الإبداعية، لنهتم بالمرحلة الموالية لها، والتي تهمنا هنا، وهي تتعلق بالوليد الجديد، أي رواية “أوراق اللعب”، لنتساءل أولا: ما القضية التي سلط  عليها المددي الضوء في هذا الجنس الأدبي؟

من خلال أحداث “أوراق اللعب”، نلاحظ أن الروائي سعى إلى إبراز درجة  الجرائم التي ترتكبها  بعض الأنظمة العسكرية، في حال تجاوزها حدودها الإقليمية، وتوغلها في أقاليم الدول المجاورة، والاعتداء على ساكنتها وأمنها، حيث تتبنى الإرهاب عقيدة سياسية.

إن مسألة الحدود، كانت حاضرة بقوة في العمل الإبداعي للروائي، حيث تشكل الخط الذي يفصل البلدان، وتمارس أي دولة سيادتها ضمن نطاقه، وعادة ما تتعامل الدول مع مسألة أمن الحدود على أنها قضية أمن قومي، ولذلك فالحدود تشكل خط الدفاع الأول عن الدولة، ويمكن أن تكون أساسا للتعاون، أو سببا للنزاع، وفي منطقتنا العربية، ظلت مصدرا للنزاع، وهذا ما حاول حسن المددي أن يصوره لنا بنفحات سردية- دراماتيكية.

من خلال الأحداث التي سجلتها رواية “أوراق اللعب”، نلاحظ أنها تتحدث عن بعض الإفرازات السلبية للنزاعات السياسية بين بلدين  عربيين مجاورين في، وما يؤكد ذلك أن “عباس الوفي”  المختطف من قبل النظام العسكري للبلد الجار، لم يكن سوى رهينة في أيدي مسلحين، يتحول بعد ذلك إلى ضحية التعذيب المستمر، من قبل العقيد “مصطفى الركباني”، (الجلاد)،  وهو ضابط مخابرات عسكرية للنظام العسكري الذي يتاجر في كل شيء، ويعمل على تهريب كل شيء، ابتداء بالمخدرات مرورا بالاتجار بالأعضاء البشرية إلى ما لا نهاية له من الممارسات الخارقة للقانون والقيم الإنسانية…  كل ذلك من أجل تصفية الحسابات مع البلد الجار.

تفاجأ العقيد مصطفى حين أدرك أنه ينتمي أصلا إلى البلد الذي يحاربه، فقد اختطف منذ صغره، بعد قتل  أبيه وأمه، وعمره ست سنوات، ولم يدر ذلك. كما قتل زملاؤه في المخابرات زوجته وابنه، وكل هذا دفعه إلى الانتقام من بعضهم مثل “ربيع شرارة”. وقد أصر على إنقاذ عباس من الجحيم، فهرَّبه بعيدا عن معتقل “برج القمر”. ثم كلفه بكتابة تفاصيل الجرائم التي ارتكبت في حقه، وباقي المحتجزين على أوراق اللعب حتى يستطيع تهريبها لتصل إلى الرأي العام الدولي.

 اختار “الركباني” اللجوء إلى كندا بعد مساعدة عباس على الالتحاق بوطنه، لكن هذا الأخير وجد نفسه فاقدا لكل شيء في حياته، فقد وجد والديه في معاناة مدمرة بعد اختطافه، أما  خطيبته ليلى التي لا تفارق مخيلته، فقد تزوجت، واستحال حتى التواصل معها.

 ولفضح جرائم النظام العسكري -في حق المختطفين الأبرياء- ونشرها، سلم “الركباني” إلى “الحاج محمود البنداري”، صندوقا يحتوي على “كتاب مخطوط ” -عبارة عن اعترافات، أصلها أوراق اللعب- ليعطيه لابنه المحامي والحقوقي المعروف “الأستاذ جلال البنداري”، ليقوم هذا الأخير بجمعه  على شكل كتاب لنشره داخل الوطن وخارجه. وهذا الأمر يتطلب اتباع إرشاداته الموجودة في رسالة مرفقة بالمخطوط. وهذه المهمة بتفاصيلها بقيت على عاتقه قبل، وبعد وفاة البطلين “عباس” و “الركباني” بشكل مأساوي.

من خلال قراءتنا المتأنية لصفحات رواية أوراق اللعب للروائي “حسن المددي”، نجد أن بناءها وجمالياتها، تجسدت في عدة أوجه، ويتضح ذلك خصوصا على المستوى اللغوي. وإلى جانب ذلك، فقد استطاع أن يصور لنا عالما متخيلا موازيا للواقع.

إن جمالية السرد في الرواية قائمة أساسا على اللغة الجذابة والشعرية، والتي استطاع من خلالها “المددي” أن يفجر أركان عوالم السرد. فلغة السرد عنده تستند على اللغة العربية الفصيحة الأنيقة والممتعة. كما أن لغة الحوار (وهي وسيلة للتواصل والتفاهم) غير مملة، ومشوقة إلى درجة أن القارئ تشد انتباهه، لقوتها، فهي مرتبطة بالشخصيات المحركة لأحداث الرواية، والمؤثرة في فضاءاتها المختلفة. لذلك لا يمكن تصور “أوراق اللعب” خارج اللغة. من هنا نجد أن لغة المددي مفعمة بالتناغم والانسجام، كأنها لوحات فنية، تنبثق من خلال المفردات والتراكيب، والتعابير المتباينة، والأساليب الإيحائية والانزياحات.

إن المددي يملك ناصية اللغة، ويحسن توظيفها بشكل راق، ويملك أسلوبا خاصا يسِمُ كتاباته الإبداعية، وبشكل جلي نلاحظ ذلك من خلال شخصيات الرواية، التي تتحرك بشكل واقعي (حسي)، وبلغتها الخاصة (لغة “الركباني” الإرهابي – لغة “عباس” المظلوم…) وهي لا تظل أسيرة المددي، فهو أصلا في عمله الفني الإبداعي هذا، لا يسلب من الشخصيات لغاتها، بل يتركها تمارس حريتها في الحديث المعبر عن الشعور في سياقات متعددة، بل يجعلها تجمع بين تناقضات في داخلها، ليبعث للمتلقي رسائل تجعله يحس بالمتعة المشفوعة بالمتابعة لواقعها المؤثر. وإذا كانت اللغة تفصح عن قوة التفكير، فإنها أيضا أساس الجمال اللامحدود في أوراق اللعب. ومن ثم، فلا قيمة لأي عمل أدبي من غير لغة تفتق جوهر الفكرة  المؤسسة للبناء الروائي.

مصدر الصورة: https://n9.cl/256ct

أدب الرابع عشر بعد المائة العدد الأخير ثقافة وفكر

عن الكاتب

هشام أزكيض

اترك تعليقاً