أَيَّامُ الغَسَقِ وَالظَلَامِ

ابقِ عَينيكَ عَلَى النورِ لتَعبُرَ كُلَّ هَذا الظَلامِ

جَلالُ الدّينِ الرُوْميّ

                   1   سِجْنُ الظلَالِ والنِيْرَانِ

فِيْ عَالمٍ سُفليٍ، صغيرٍ جداً، لا اسمَ لَه سِوى أنَّه غُرفةٌ ميِّتةٌ، تَبدو الأغْلالُ فيْها بَلا مَعْنى، تركتُ الروحَ تأخذُ فُسحتَها بَينَ الجُدرانِ التي بَدأتْ تضيقُ يَوماً بعدَ يَومٍ، وتتَعمّقُ الهَاويةُ التي تَحتَها، ليبدوَ المَصيرُ مَضْغوطاً فِي مَسَاحةٍ تقتربُ مِنَ المترينِ، أشبهِ بِمنْفى فِي أشدِّ ألوانِ الأسىْ والعُزْلةِ.

ومِنَ السّاخِنِ إلى البَاردِ، ومنَ الوَجدِ إلَى الأَسَى، تَتراقصُ العينُ مُضْطربةً فوقَ الوَجنتينِ، ويتحطّمُ الجناحُ المكْسورُ الذيْ كانَ فيْما مَضَى لا يَعيشُ إلا فيْ حياةٍ الطيَرانِ، وتَضعُفُ قُوّةُ الجَسدِ وتَتأرجحُ النارُ المُتوحِّشةُ فِي الداخِلِ، وشيئاً فشيئاً يَغشَىْ الظلامُ الزنْزَانةَ، وتتَحوّلُ الوِحْدةُ إلَى شِتاءٍ قَارِسٍ.

وتَهبطُ الظُلمةُ إلَى العَينِ التيْ كانَتْ فيْما مَضَى تتطلَّعُ إلىْ الأعالي بِتَوقُّدٍ، وأحْياناً بِبَرْقٍ علَى الوَجنتينِ، لتُبقِيها ساكِنةً سكوناً يُثيرُ الفزعَ، فاقدةً حِدَّتَها تحتَ الجَفنينِ، فالضَوءُ الذي كَانَ متقداً، ما عَادَ يُرسلُ بَريقَه إلّا خافتاً ومُظلِماً، ليَبقَى الجَسدُ في الأعَالي حَذِراً مِنْ مُلامسةِ شَيءٍ خَطِرٍ يُخشَى مُلامستَه، فحيْثُما كَانتْ هناكَ ظلمةٌ كَانتْ هناكَ مُطاردةٌ رهيبةٌ بينَ الخَوفِ والأملِ؛ فتبدُو الأفْكارُ كأوْراقِ الخريفِ ذابلةً تتساقطُ أوراقُها على أرْضِ الزنزانةِ، وفيْ بَعْضِ الأحْيانِ تُثقبُ الرُّوحُ بَسَهْمٍ صادرٍ مِنْ قوسٍ مُفرطٍ فيْ التوتّرِ، لتُبقيها طَريدةً لقوّةٍ مَجْهولةٍ، وفيْ هَذهِ الثوانِي ثوانِ الخَوفِ، تَتدحرجُ الأعصابُ المتوترةُ والمشدودةُ علَى نحوٍ مفاجئٍ، وقَدْ أثْخَنَتْها الجِراحُ إلَى قَاعِ الحُجرةِ، بعدَ أنْ تَحوّلَتْ العُزلَةُ إلَى شِتَاءٍ قَارسٍ، تَجَمّدتْ خِلَالهُ جُدرانُ الزِنزانةِ الحَديديةِ، لتُصبحَ بالغةَ القسوةِ، مُفرطةً فِي الضيقِ ، أشْبه بقفرٍ مُوحشٍ، يَتعاظمُ فيه الظلامُ، وقدْ هَوتْ خِلالَه نجُومُ الحَياةِ.

وبَينَ الجدرانِ الضيّقةِ تندفعُ الأَعصابُ المتوترةُ، وَقدْ قيَّدَتْها الأصْفادُ، نَحوَ هبوطٍ تَدريجيٍ إلَى ما لَيسَ لَه قاع، وكَأنَّ صوارِي الحياةِ تحَطّمتْ كلحظةِ الغسقِ في العمرِ، فَقدْ بَانَ الليلُ وعتمتُه، وَضَربَ عليه الصَمتُ حِجابَه، وَلمْ يُعدْ هناكَ صَوتٌ للطبيعةِ، وتَهاوتْ رويداً رويداً الأحلامُ وانحشرتْ جميعُها فيْ هذا القفصِ المحترقِ، حيثُ تتأرجحُ النارُ، وتتَلاعَبُ عَواصِفُ الأفكارِ بالجَسدِ المُرهقِ المُترنحِ، فالحريقُ بَدأَ يَكتسبُ معَ مُرورِ الثوانِي قوةً تزادُ اضطراباً، ولا يَبدُو أنه سيتوقفُ قبلَ أنْ يحوُّلَ الجسدَ إلى هيكلٍ محترقٍ، رغمَ قدرةِ الجسدِ الضاربةِ على تفريغِ شُحناتِ التوترِ، ورغمَ مقاومتِهِ مُقاومةَ النَسيجِ المضادِ للحَريقِ. وكأنَّ الروحَ فقدتْ صَوابَها، ولمْ تعُدْ تستطيعُ أنْ تُحدِّدَ مَتى أَقبَلَتْ عَلَيها الحَياةُ وَمَتى أَدبرتْ، وأَصْبحَتْ تعدُو بثباتٍ نحوَ الهاويةِ، وَكأَنها تفيضُ شوقاً إلى النِّهايةِ، وَبدأَ الجسدُ وهُو يَنزفُ لا يَدري أَهو أمَامَ الهاويةِ أمْ خَلْفَها، أهُو يَفِرُّ مِنْها أمْ يَعدُو خَلفَها، لتتحوّلَ الزِنزانةُ إلَى مُطارَدةٍ رهيبةٍ، محفوفةٍ بصَخبِ كلِّ الأصواتِ وكلِّ الأبواقِ، وتتَحوّلَ الأفكارُ إلى طريدةٍ تطاردُ طريداً، ويصيبُ القدرُ كلَّ مَا هو متحرّكٌ، وَكأَنَّ المطاردَ قفَّارٌ لا يُخطِئُ الأثرَ، فتتَحولُ الزِنزانةُ إلَى صِراعٍ قَاتلٍ للحياةِ كَما للمَوتِ، ففَي هذهِ اللَّحَظاتِ يَتلاشَى الممزّقُ، وَينصَهرُ المتصدعُ، وتَتوارَى الحياةُ في الغَسقِ، وتَدخلُ الرّوحُ حرةً في الظلامِ، وَكأنّها تُقبلُ علَى الهَاويةِ وهِي تُغنّي.

وكَمَا النارِ حِينَما تتحولُ إلى دُخانٍ، تَحْتَرقُ الرُّوحُ فتتَردَّدُ فِي الأعْلَى، فِي الجَوِّ الأعلَى الأثيريِّ، وبِهذا التكثيفِ والضغطِ تتولّدُ الحَرارةُ لتَدفعَ الرُوحَ إلَى الخفِّة، وهَذا أفضلُ مَا يَتمنَّاه الفانِي فِي هذِه اللَّحظةِ الرهيبةِ، الخفة. ولكنَّ الموجةَ التيْ تحملُ الرّوحَ إلى الأعلَى سُرعانَ ما تنكصُ على عقِبيْها، لتَهوي بالجَسدِ إلَى جُرفٍ سحيقٍ، فيفقُدا معاً، الرّوحُ والجَسدُ، زِمامَ الأمورِ، وكأنَّ الحياةَ ستَسْتقِرُّ فيْ الهَاويةِ، لتبْدوَ الزِنْزانةُ في اضطرَابٍ، وكأنَّ جِدرانَها ستتفتّتُ حَجَراً حَجَراً، بعدَ أنْ مسّتْها الصاعِقةُ، وظَوَاهرُ ذاكَ الاضْطرَابِ تزدادُ حدةً، يتْلو بَعضُها بَعضاً، في اندِفاعاتٍ مُرعبةٍ، ويبْدو اللهيبُ يَسْتعرُ وَيسْتَعرُ، لا يَقدرُ الفانِي عَلى كَبْحِ جِمَاحِه، فَيخْتَفي عن نَاظِريهِ كلُّ شَيءٍ فيْ الظلَامِ. .

ومَا أكثرَ الظلامَ فيْ هذهِ الزِنْزانةِ، ومَا أكثرَ المِحْنةَ فيْ هَذا الظلامِ، فلمْ تُخيمْ ظلمةٌ علَى الليلِ أكثرَ ممّا خيّمتْ هذه اللّيلة، وكَأنَّ الجَسدَ يَحترقُ، وكأنَّ السجنَ سينفجرُ عمّا قليلٍ، فتنحَني الرّوحُ فوقَ الأَتونِ المُستعِرِ، وقَدْ نَسيتْ كلَّ دقيقةٍ وكلَّ لَحظةٍ كَانَتْ نَعيماً فِي الحَياةِ، فالظلامُ يبدُو شديدَ القَتامةِ، وَكأنَّ الفَناءَ تحتَه، ليَمرَّ الواقعُ أمامَ العَينِ مرورَ البرقِ، قبل أَنْ يُطلقَ صَيحةَ رُعبٍ ويتوارَى، وحَتى سورُ الأمانِ الذيْ التجأَتْ إليْه الرّوحُ في وجْهِ العواصفِ علَى وشكِ أَنْ يُخْترَقَ، ليخُرَّ الجسدُ جاثياً علَى رِكْبتَيه، وكأنَّه تَحطّمَ أخيراً بهرَاوةٍ مِن نَفسٍ مُضطرِبةٍ، ورَغمَ أنَّ الخطوةَ سَتكونُ بَالغةَ الخُطورةِ وسَطَ طَبقاتِ الظلامِ، فَلا مَهْرَبَ مِن الاستعدادِ للمأْساةِ الّتي ستنبثقُ عَن تلكَ الظُلمةِ ومبارزتِها بِجسارةٍ حَتى عَصبِ الحياةِ الأخيرِ .

ومعَ مُرورِ اللّيالي، يبدُو صمتُ الزِنْزانةِ الرهيبِ قادراً علَى تَحْطيمِ القلْبِ الّذي يَتشبّثُ بالشجاعة، لكنَّ المُحافظةَ علَى تِلكَ الشَجاعةِ سيزدادُ عسراً مَع اشتدادِ المِحنةِ، حيثُ أصبحَ الليلُ عبأً ثقيلاً علَى الساكِنِ بِلا ظلٍّ، سيفرشُ جناحَيهِ، ومِن أجْلِ ذَلكَ سَيكونُ علَى القلْبِ الشُّجاعِ تَخْفيفُ حدّةِ التوتّرِ الخَطيرِ، وإلّا فَسَتتَحوّلُ الزنزانَةُ إلَى تراجِيديا مِن العالمِ الإغريقيِّ. .

ومَعَ مُرورِ الوَقتِ، أصْبحَت الأيّامُ لهيباً وجليداً، فِي نَفسِ الوقتِ، ونَحَتَ الانتِظارُ بقسْوةٍ كالمَطرقةِ نقوشاً فِي جِدارِ المَصيرِ، لتَسريَ رَعْشةٌ تَهزُّ أوْتادَ السجْنِ، تَكادُ تُسقِطُ الرّوحَ مِنَ الجَسدِ، فتَزْحَفُ الأعْصَابُ عمياً كالديدانِ علَى الأرْضِ، وَتتَمشّى فِي العِظَامِ رعْدةٌ خَفيّةٌ. لتُحدّقَ العينُ طويلاً فِي الظُلمَةِ، وكَأنَّها تسْتَسلِمُ أخيراً للقَدرِ بَعْدَ أنْ غرسَ في الجَسدِ كلَّ المِحَنِ، وكأنَّها تُناجيهِ: ليُكنْ كَمَا تُريدُ أيُّها القَدرُ.

2 مَغاليقُ الزِنزانةِ ومَفاتيحُها

يَدخلُكَ الضياءُ مِنْ حَيثُ تَكمنُ جِراحُكَ

ابنُ الرّوميّ

ظُلمةٌ بَعدَ ظُلمةٍ، تتقِدُ الرّوحُ، وتُصبِحُ أَكثرَ إشراقاً، وكأنَّ حرارةَ الزِنزَانةِ تُذيبُ مَعادِنَها، وتُعيدُ تَشكيلَها مِنْ جَديد، بَعدَ أنْ صُهِر بنارِ متقدةٍ كلّ ما كان يُغلّفها مِن قُشورٍ، وبدا عالمٌ آخرُ يَظهرُ مِنْ تَحتِ الطبقةِ السطْحيةِ منْ عالمٍ هادئٍ وباردٍ، ولكنَّه ثقيلٌ كالرصَاصِ، وبَدا صوتُ الرّوحِ العالي يُغطّي علَى السكُونِ الجَاثمِ علَى نَحوٍ قاتلٍ، فَمِن الآنَ فصاعداً سيَكونُ العَيشُ معَ الظلامِ أكثرَ سكينةً، إذْ لابدّ مِن إزالةِ التوتّرِ والحِيرةِ ضدّ ما لا سبيلَ لاجْتثاثِه، فَيتحَولُ الهُدوءُ المقيّدُ بالأغْلالِ إلَى جَلْسةِ سِحرٍ تغُوصُ فِي الطّبَقاتِ الأعْمقِ منَ الرّوحِ، فيْ كلِّ مَا هُو خِياليٌّ وعَميقٌ وُمبْهمٌ، ليَتحوّلَ إلَى ضَوءٍ بَالغِ السُّطوعِ فِي غُرْفةٍ بالغةِ الضيْقِ، لأولئكَ الّذينَ أَصَابَهم الجُنونُ، فَعاشُوا فِي صِراعٍ مَعَ القَدَرِ حَتّى الإعْياءِ، وبَاتَتْ أَجْسادُهُم علَى وَشكِ الانحِناءِ، قَبلَ أنْ يَبرُقَ بَرقٌ علَى الجِفْنينِ فَتسقُطُ الرُّوحُ بوهَجِه، وَتَهتزُّ النَّفسُ بِصوتِ الرّعدِ الّذي تَلا البَرقَ بثوانٍ، فتُضيءُ عُتمةَ القَلبِ بَعدَ أَن اشْتدّتْ ظُلْمتُه، فَيَنشقُّ جِدارُ الظَلَاِم، وَيَنْفتحُ البَصرُ عَلَى نُجومٍ في السمَاءِ، ودوربٍ بعيدةٍ محفوفةٍ بالظلالِ، لتَمْشي الخطوةَ الهُويْنَا، بَينَ الوجدِ والأَلمِ. وشَيئاً فَشيْئاً، بَدأَتْ الرُّوحُ المُتوتِّرةُ تتَحرَّرُ مِن قَبْضَةِ سَجَّانِها فَإذا بَاللّهيْبِ المُشْتَعلِ بالنّارِ، أَكْثرُ اللّحَظاتِ رُعْباً، يَتَحوّلُ إلى رَمادٍ فِي لُجّةِ الظلَامِ، ليَتَسلّلَ مِنْ بَينَ جُدرِانِ الزِّنْزَانَةِ رَنينُ المَاضِي، وَتَجْرِي رِيحُ الإيْقاعِ فِي القِيثارةِ، وَتَعُودُ السّكَينةُ الّتيْ لاَ يُحرّكُها سِوَى مَهبٍّ خَفِيفٍ مِنَ السِنينِ الخَوَالي. وتَمُّر الأياَّمُ كظلِّ السُحُبِ عَلَى المَاءِ، وتتَحَوّلُ النَّظراتُ المُتَصَاعِدةُ إلَى وَمَضاتٍ تُضيءُ مِنْ تَحْتِ الحَاجِبينِ بِنَظرةٍ حَادةٍ، وَكَأنَّها تُريْدُ أَنْ تنقضّ كَالصّقرِ عَلى الظُلمةِ، فَمن الآنَ فَصَاعداً لَنْ تَغفوَ العَينُ، ولَنْ تَدخلَ فِي الغَسَقِ مِنْ جَديدٍ، سَتبْقَى يَقظانَةً في البَهجةِ الساكِنةِ، خَاليةً مِن الأَوهامِ، وحتّى تِلكَ الرعْشةُ التي كَانَتْ فيْما مَضَى تُرْعشُ الحَاجِبينِ تَنْتَهي بِثَباتٍ لَا يَتزَعْزَعُ، فإذا بِالأعْمَاقِ المُغلَقةِ تَنْفتِحُ وَهيَ تَستَديرُ بِمَركبٍ المَصيْرِ، وَكَأنَّها شِراعٌ مَشدودٌ فِي عَاصِفةٍ مَاطِرةٍ. فَفِي هَذا القِفرِ المُوحشِ، وَهذِه الجُدرانِ الحَديديّةِ والأخْطارِ المُحدِقةِ في سِجْنِ الظِّلالِ والنيْرانِ أصْبحَتْ الظلْمةُ رمْزاً سِحرياً يُضيءُ الزنْزانةَ بَعْدَ أَنْ هَشّم الجُدرانَ، وحَوَّلَها إلَى بُلَّورَاتٍ مُتلألئةٍ، وبَدلاً مِن الخَوفِ يَنبَثقُ مِن الظُلمةِ الأرْجوانيّةِ، شلّاُلُ ضَوءٍ يُنذرُ بأَنَّ لياليَ قَادمةً سَتكونُ أَكْثرَ دِفْئاً وأقلَّ ضِيقاً، وأنّ هَذه الزنْزانةِ القَاسيةِ الّتي لا تَرحمُ سَترفعُ سَقْفَها أَكْثرَ ممّا ارْتفَعَتْ سماءٌ مِن قَبل، وهَذا القِفرُ المُرعِبُ، وهَذه الجُدرانُ الحَديديّةُ، والأَغْلالُ والأصْفادُ لمْ تَعُدْ تُضيقُ النَّفسَ مِن خَطَرِها، بَعْدَ أنْ كَانَتْ تَعدُّ أَوتَادَ السِّجنِ كَما تَعُدُّ الأيَّامَ الَّتِي تَسْبقُ الحُرِّيةَ. لِتفْتحَ الزنْزانَةُ كلَّ مَغاليقِها المُستعصِيةِ، والّتي لمْ تُفتح مُنذُ أَنْ صَبَّ عَليْها السجَّانُ جامَ غَضَبه، ووَارَى مَفاتيْحَها فِي الظُلْمَةِ، فقدْ مَضَى وولَّى، ومَا عَادَ حَاضِراً ذَلكَ الشيْطانُ الّذي يَقذِفُ حِمَمَهُ البُركَانيّةَ وحِجَارتَهُ ذاتَ البَريقِ، والّتي حَوّلتْ الظَلاَمَ إلَى شُهُبٍ مُلتَهبِةٍ، وحوّلَتْ الزّنزَانةَ إلى بيْتٍ للظلَاَل والأشْباحِ، ليَخرُج َسَابِحاً كالدُّخانِ فَوقَ النارِ، ويَتلَاَشى لتَسُدَّ الرّوحُ بَعْدَه كُلّ ثَغرَةٍ وكُلَّ صَدعٍ، فمِن هَذِه اللّيلةِ خَمدَتْ كلُّ أَلْسِنةِ اللَّهبِ، وانْطَفأَتْ البُروقُ واخْتفَتْ الآلَامُ، ومَا عَادتْ صَرَخاتُها تُجلجلُ فِي الظُلمةِ، واخْتفَى ذَاكَ الصوْتُ المُنبثقُ مِنْ الأَسْفلِ، والذيْ كانَ فيمَا مَضَى متناهياً في العُمقِ، فَقَد سَكنَ كلُّ شيءٍ فِي هَذا الظلَامِ، وهَبّتْ نَسمَةٌ كَنَفْحَةِ عَبِيرٍ مِن عَالمٍ آخَر، لتَنفَتِحَ الزنْزَانةُ علَى نَحوٍ فَسيحٍ، نَحوَ زُرقةِ سَماءٍ صَافِيةٍ، كَبريقِ القَمرِ في الظَلامِ، فَفي لَحْظةٍ غَشّى الظلاَمُ فيها البَصرَ، لَاحتْ شَمسُ الحرّيةِ مِن بَينِ فَتحاتِ السحُبِ، ولَوَّنَ الضوءُ جُدرانَ الزنْزانةِ فانْعكَسَ علَى الحَديدِ والأوْتادِ، فَطاَرتْ الروحُ في الأعَالي، وتَحرّكَ الجسدُ بخفّةِ الريْشةِ، وهَو يَهبِطُ علَى الدَرَجِ العَالي، فقدْ سرَتْ في دَمِه نَشوةُ العَودةِ إلَى الحَياةِ الجَديدةِ، بَعدَ أَن انْحنَتْ لَه القُيودُ والأغْلالُ، وتَلاشَتْ أمَامَ ناظِريهِ أيّامُ الغَسَقِ والظلَامِ، فَهذه سَماءُ العُمرِ التِي كَانَ يَملؤُها رُوحُ المِحنِ تَتلألأُ فِي السكِينةِ والصَمتِ، فإذا بالعَينِ التي تَسمّرتْ يوماً مَفتوحةً في الظلامِ، تتَراقَصُ الآنَ تَحتَ الجَفْنينِ، بَعد أَن تَدفَّقَ إليْهَا نُورٌ غَامرٌ لدَرجةِ أَنَّه مَا مِن مَكانٍ فِي هَذهِ الزنْزانةِ إلّا وَينبعثُ مِنه ضَوءٌ أو يَشعُّ مِنه بَريقٌ، وإذا بِاليدِ الّتي ارْتَجفتْ يَوماً فِي القُيودِ تَخطُّ بِنفْسِها حُروفَ الحَياةِ الجَديدةِ، وإذَا بِالخَوفِ المُرتَعدِ يَتحوّلُ إلَى شُعورٍ مُرْهَفٍ أَكْثر عُمْقاً بِالحَياةِ، ويَتحوّلُ كُلُّ ما كَانَ مُدمراً إلى هَديّةٍ مِن القَدرِ، ويَتَنحَّى الأَلمُ ليُفسِحَ الطرِيقَ للأَمَلِ، الذي لطَالمَا تَسابقَ مَعَ الخَوفِ، ولطَالمَا تصَارعا معاً فِي عُتْمةِ اللّيلِ، ولَاَح للعَينِ المُرتَعِشةِ خيطٌ شديدُ الاحْمِرارِ، أشْبهُ بشَفقِ عمرٍ جَديدٍ، وبَدأتْ قِطعَةٌ صَغيرةٌ فِي الروْحِ تَلمعُ كَألْمَاسَةٍ، مُثيرةً شعاعاً يُبدِّدُ ظَلامَ اللّيلِ، كَانَتْ قيَّمةً لِدَرجةِ أَنَّه يُمْكنُ رُؤيةُ أقصَى نُقطةٍ فِي الكَونِ مِنْ شِدّةِ لَمعَانِها.

الزِنْزَانَة، أغُسْطُس، صَيفُ عام 2016

مِنْ مُذكِّراتِ ” قَفَصُ الطَاغِيةِ”

مصدر الصورة:https://2u.pw/SRpKv

أدب الرابع عشر بعد المائة

عن الكاتب

Avatar

إبراهيم المعمري