غي دي موباسان

Avatar
كتب بواسطة محمود عبد الغني

الحياة الهائمة

“الحياة الهائمة” هو عنوان لكتاب رحلي للكاتب الفرنسي “غي دي موباسان” الذي رحل باكراً ( 1850-1893)، سجل فيه انطباعاته العميقة، وأحاسيسه الساخنة ، كما تبدو من أسلوبية الكتاب، أثناء زياراته لأمكنة وبلدان عدة. كتبه ونشره سنة 1890 (الناشر: بول أوليندورف). يُبرز الكتاب قيمة موباسان الرحالة، إضافة إلى قيمته الأولى والأساسية ككاتب للقصة نال شهرة كبيرة. نقدم هنا، لقراء مجلة” الفلق” مقطعاً من هدا الكتاب الشيق.

1 ضجر

     غادرتُ باريس وفرنسا أيضاً، لأن برج إيفل بدأ يضجرني كثيراً. ليس فقط نراه في كل مكان، مصنوعاً من كل المواد المعروفة، معروضاً في كل الواجهات، كابوس محتوم يعذبني.

  ليس هو فقط من أعطاني رغبة لا تُقاوم في العيش وحيداً خلال وقت معين، بل كل ما يحيط به، داخله، فوقه، في جواره.

     كيف تجرأت الصحافة حقاً في الحديث عن هندسة جديدة فيما يخص هذا الهيكل الحديدي، لأن الهندسة، الأكثر غموضاً والأكثر عُرضة للنسيان في الفنون اليوم، هي ربما أيضاً تلك الأكثر جمالية، الأكثر غموضاً والأكثر استيحاءً للأفكار؟

      يوجد هذا الامتياز عبر العصور لوضع رمز لكل مرحلة إن صح التعبير، لتلخيص، عبر عدد صغير من النُصُب النموذجية، طريقة التفكير، الإحساس والحلم بجنس وحضارة معينين.

      بعض المتاحف وبعض الكنائس، بعض القصور وبعض القلاع تكاد تحتوي على كل تاريخ الفن عبر العالم، تعبر أمام أعيننا أفضل من الكتب، بواسطة تناغم الخطوط وجمال الزخرفة، عن عظمة مرحلة بكاملها.

    لكنني أتساءل عما سنستخلصه من جيلنا إذا لم يقم بعض المشاغبين في المستقبل بفك رتاج هذا الهرم النحيف ذو السلالم الحديدية، الهيكل البشع والضخم، الذي تبدو قاعدته مصنوعة من أجل حمل نصباً رائعاً للعملاق “سيكلوبيس”[1] والذي لا يصل إلى مظهر مدخنة سخيفة ورقيقة في أحد المصانع.

    لنقل إن المشكل محلول. فليكن، لكنه لا يفيد في شيء! وأنا أفضل إذن على هذا التصور المتجاوَز الشروع من جديد في المحاولة الساذجة لبرج بابل، تلك التي أصبحت، مند القرن الثاني عشر، نموذجاً لمهندسي أبراج في بيزا[2].

      إن فكرة إنشاء هذا البرج اللطيف المتكون من ثمانية طوابق بأعمدة من المرمر، المائل دوماً كما لو أنه سيسقط، ولإثبات للأجيال القادمة المندهشة أن مركز الأرض ليس سوى حكم مُسبَق لا فائدة منه يقوله المهندسون، وأن النصب يمكن أن تتجاوزه، وتكون جميلة مع ذلك، ويمكن أن تجلب بعد سبعة قرون زواراً مندهشين بكون برج إيفل لن يجذبهم بعد سبعة أشهر، وذلك، بكل تأكيد، يشكل مشكلة- ومادام المشكل موجوداً- فإنه أكبر من هذا المعدن الضخم، المصبوغ من أجل أعين الهنود.

    أعرف أن صيغة أخرى تريد أن يكون البرج مائلاً لوحده. من يعرف ذلك؟ إن النُصب الجميل يبقى سره دائماً موضوع نقاش ولا أحد ينفُد إليه. إضافة إلى ذلك، برج إيفل لا يهمني. إنه لم يكن سوى منارة لاحتفال دولي، حسب التعبير المكرّس الذي تشعرني ذكراه بالعار مثل الكابوس، مثل الرؤية التي يمكن أن يمنحها لأي إنسان متقزز، المشهد المُريع لتجمع بشري يلهو.

     لقد منحوا سعادة كبرى، وتسلية عظيمة، ومثالاً كبيراً للشعوب والبورجوازيات. لقد تسلوا من أعماق قلبهم. لقد فعلنا الصواب كما أنهم فعلوا الصواب.

لاحظت فقط، منذ اليوم الأول، أنني لم أُخلق لهذه التسليات.

  بعد زيارة قمت بها بإعجاب كبير لورشة الآلات والاكتشافات العلمية العجيبة، والميكانيكا، والفيزياء والكيمياء الحديثة؛ وبعد أن لاحظت أن الرقص بالبطن ليس ممتعاً إلا في البلدان التي نحرك فيها البطون عارية، وأن الرقصات الأخرى العربية لا جمال فيها ولا لون إلا في القصور البيضاء بالجزائر، قلت لنفسي إنه في النهاية الذهاب إلى هناك بين حين وآخر سيكون شيئاً متعباً لكنه مسلياً، يمكن أن نستريح بعده في البيت أو عند الأصدقاء.

   غير أنني لم أفكر أبداً في مآل باريس بعد أن يجتاحها العالم.

     منذ بداية اليوم، تمتلئ الشوارع، وعلى الأرصفة تمشي جموع غفيرة. كل هذا ينحدر نحو المعرض، إما ذاهبون أو آيبون. على الطرقات تصطف السيارات مثل مقصورات قطار لا نهاية له. ليست هناك فارغة، لا وجود لسائق عربة يوافق على أن يقودك إلى مكان آخر غير المعرض، أو يمنحك إلى سائق آخر حين يحين دوره…يعملون اليوم من أجل الأثرياء الأجانب؛ مائدة واحدة في المطاعم غير متوفرة، لا وجود لصديق يتناول العشاء في بيته أو يوافق على تناوله في بيتك.

 حين توجه إليه الدعوة، يقبلها بشرط أن يكون مائدة العشاء تطل على برج إيفل. سيكون ذلك أكثر سعادة. وكل شيء يبدو كما لو أنه نتيجة لطلب، ويوافقك في كل أيام الأسبوع، سواء أثناء تناول الفطور أو العشاء.


[1]  Cyclopes: نوع من المخلوقات الضخمة العجائبية في الأساطير الإغريقية، لها عين واحدة تتوسط الجبهة

[2]  Pise: معروفة ببرجها الشهير، تقع في جهة توسكانيا مدينة سياحية بإيطاليا

مصدر الصورة: https://2u.pw/0b3w9

أدب الرابع عشر بعد المائة ترجمات

عن الكاتب

Avatar

محمود عبد الغني