عن هيجل وجائحة كورونا: ليست الحرية أن تفعل ما يحلو لك

Avatar
كتب بواسطة أحمد الزناتي

حوار مع بروفيسور كلاوس فيفيج أجرته أوته ويلتي

مقدمة

بروفيسور كلاوس فيفيج من مواليد أغسطس 1953، وهو أستاذ الفلسفة في جامعة يينا وواحد من كبار المتخصصين في فلسفة هيجل على المستوى العالمي. دَرَس الفلسفة في جامعتي فريدريش شيللر وجامعة هومبولدت ببرلين الشرقية (سابقًا)، وتخصص في دراسة المثالية الألمانية والتاريخ ونظرية الشكّ وأُسُس فلسفة الحرية، كما تركّزت أبحاثه حول ربط فلسفة هيجل في تجلياتها المختلفة بالوضع العالمي الراهن بوصفه فيلسوف الحرية. في أكتوبر من السنة الماضية أصدر  د. كلاوس فيفيج عن دار C.H. Beck الألمانية سيرة ضخمة تقع فيما يزيد على 800 صفحة تؤرخ لحياة الفيلسوف الكبير  تحت عنوان: هيجل – فيلسوف الحرية“، قارب فيها حياة هيجل من سنوات الطفولة حتى وفاته، مستعرضًا أطوار حياته الفكرية.  يذهب كلاوس فيفيج إلى أن الحرية بالمفهوم الهيجلي تنطلق دائمًا من اختيار المعقول والعقلاني، مشيرًا إلى أن التقييد المؤقت لحرية الحركة بسبب جائحة كورونا  قرار عقلاني، لأنه يأخذ في الاعتبار حق البشر الأعلى في الصحة وفي الحياة. وفيما يلي ترجمة لحوارٍ قصير أجرتُه معه الصحفية الألمانية “أوته ويلتي” في شهر إبريل الماضي، أي في ذروة جائحة كورونا ونُشر على موقع Deutschlandfunk Kultur، وتكلّم فيها حول مفهوم الحريّة عند هيجل وعلاقتها بالجائحة العالمية.

أوته ويلتي:

عندما وُلد جيورج فريدريش فيلهلم هيجل قبل مئتي وخمسين سنة كانت الأوبئة تضرب كل مكان: الجدري والطاعون والتيفود. تُوفي هيجل في برلين سنة 1831 بسبب تفشي وباء الكوليرا الذي كان السبب الرئيسي لوفاته بحسب السجلات الرسمية، بينما لم يستبعد آخرون احتمال إصابته بآلام مزمنة في المعدة.  بروفيسور كلاوس فيفيج واحد من الباحثين اللامعين في فلسفة هيجل، وهو أستاذ الفلسفة منذ فترة طويلة في جامعة يينا، وهي الجامعة التي شهدت انطلاق مسيرة هيجل المهنية.

دكتور فيفيج.. أطلقتَ على هيجل لقب “فيلسوف الحرية” وهو أيضًا عنوان سيرة حياته التي كتبتَها فيما يزيد عن ثمان مائة صفحة. لكن الأزمة اليوم ليست الكوليرا بل جائحة كورونا التي قيّدت الحريات تقييدًا هائلًا…..ترى كيف كان هيجل سيعلّق على الوضع الحالي؟

كلاوس فيفيج:

كان هيجل سينتقد الاستخدام الإشكالي لمفهوم الحرية في وقتنا الراهن لأن الفهم الشائع الذي يخاطب أسماعنا اليوم يقول إن الحرية معناها أن تفعل ما يحلو لك. وهو فهم مغلوط لفكرة الحرية من وجهة نظر هيجل لأنه لا يميّز تمييزًا دقيقًا بين الحرية والعشوائية أو بين مفهوم الحرية ومفهوم الاختيار من بين بدائل الفعل المتاحة أمامنا.  

 أوته ويلتي:

معنى هذا أننا نُـسيء استخدام مفهوم الحرية؟

كلاوس فيفيج:

على الأقل لا نستخدم المصطلح على الوجه الصحيح. برغم أن لحظة الاختيار من بين بدائل الفعل المتاحة أمامنا هي بالطبع لحظة الحرية التي يستحيل التفريط فيها لكن فعل الاختيار ليس دائمًا فعلًا عقلانيًا. ولنأخذ على سبيل المثال الأفعال الوحشية أو الجرائم أو الأعمال الإرهابية أو إنكار الهولوكوست، سنرى أنها أيضًا أفعال مؤسسة على فكرة الاختيار الحرّ مثلها في ذلك مثل حفلات كورونا المؤذية[1] التي لا يُمكن اعتبارها فعلًا حُـرًا، بل انتهاكًا صريحًا للحقوق الأساسية ومن ثمّ فحظر مثل تلك الأنشطة ليس تقييدًا للحريات بل، على العكس، صونـًا لها.

ويلتي:

ولكن لماذا ينبغي أن ننظر دائمًا إلى ممارسة الناس حقّهم في الاختيار  من بين بدائل مختلفة أو حتى قدرتهم على الاختيار  كعلامـةٍ من علامات الفهم السطحي للحرية؟ ليس بالضرورة أن يكون فعل الاختيار  دائمًا فعلًا لا عقلانيًا كما وصفَته للتوّ في معرض كلامك عن حفلات الكورونا على سبيل المثال..

كلاوس فيفيج:

يمكن للاختيار أن يكون فعلًا عقلانيًا شريطة أن يكون ثمرة تـفـكير عميق وشريطة ألا تفترق الحرية عن العقل وألا تُمارس الحرية ممارسة عشوائية، فأنتِ لا يُمكنك أن تصفي ارتكاب الجريمة بأنه فعل حـرّ.

ويلتي:

بالتأكيد لا طبعًا.. ما الحرية التي تفتقدها حاليًا؟

كلاوس فيفيج:

حسنًا.. إنا نتكلّم في اللحظة الراهنة حول التعدي المؤقت والنسبي على حقوقٍ بعينها – يولي هيجل أهمية بالغة لذلك – أي انطلاقًا من منظور الحـق الأسمى في الحفاظ على صحة البشر وعلى حياتهم.  وهذه بالطبع نقطة جوهرية. واسمحي لي أن أضرب لكِ مثالًا: يستخدم هيجل لمثل هذه الظروف الاستثنائية مصطلحات مثل: “حالة الطواريء” أو “الحالة الاستثنائية”، كالحرب والكوارث الطبيعية والأوبئة. مثال: كما هو معروف فإن احتكار الدولة للسلطة هو قيمة عليا مناطها اجتراح الإجراءات قهرية عبر مؤسسات الدولة وحدها لا عبر شريعة الغاب. ولكن ثمة استثناءات ذات طابع مؤقت ونسبي، وهو ما نطلق عليه اليوم الدفاع عن النفس، بمعني الحقّ في الدفاع عن نفسي ضد أي اعتداء جسدي يهدّدني دفاعًا مؤقتًا متناسبًا مع الحالة. وهذا استثناء، ومن ثمّ فهو دفاع مشروع عن النفس.  

ويلتي:

لكن مفهوم هيجل عن الحرية يعني كذلك وجود “الصواب” و”الخطأ”.. أليس من الصعوبة تحديد ذلك؟

كلاوس فيفيج:

بالطبع ليس قرارًا سهلًا  أن تختار أو أن نتحقّق ما الصواب وما الخطأ، لكن المؤكد أنّ ثمة وسائل لتمييز الفرق تمييزًا واضحًا، ينبغي على الفلسفة أن تميّز  بين الحرية وبين العشوائية. بالطبع كل فعل هو ثمرة تفكير، لكن ما نناشد به دومًا هو أن نفكر مليًا أولًا إن كان الإجراء/الفعل قائمًا على العقل أم لا.


ويلتي:

إذا عُدنا بهذا السؤال إلى الوضع الحالي: من زاوية فلسفية إلى أي مدى-  يُمكن تصوّر  إجراءٍ ما بأنه إجراء ضروري وعقلاني ولكنه في الوقت ذاته لا يخلو من تدخل سافرٍ  في الحياة الخاصة للإنسان؟

كلاوس فيفيج:

التدخل في الحياة الشخصية أمر مفروغ منه بلا شك. ولكن لنأخذ مثالًا آخر: لنفترض أن شخصًا ما يحتكر مستلزمات طبية في ظلّ هذه الظروف، من الجائز أن تُصادر المستلزمات الطبية لاعتبارات المصلحة العامة، فالقيم العليا الرامية لصون الحياة والصحة تسوّغ هنا إجراء المصادرة بشكلٍ مؤقتٍ ونسبي، وهو أمـر على جانب كبير من الأهمية.


ويلتي:

ما الذي يُمكن أن نتعلّمه من هيجل بخصوص أزمة كورونا؟

كلاوس فيفيج:

علينا أن نتعلّم ضرورة التفكير في حالات الطواريء وفي المواقف الاستثنائية، أي المواقف غير الاعتيادية التي يتحتّم فيها تقييد بعض الحقوق انطلاقًا من الرغبة في صيانة الحقوق العليا للبشر. فإذا اتخذنا حق اختيار محل الإقامة مثلًا، وهو ما نوليه أهمية كبرى، شأنه شأن حرية الحركة وحرية التنقّل، سنلاحظ أنه هذا الحق طالما اقترن بالتحفظات والاستثناءات. حتى في الحالات العادية يُحظر عليكِ دخول أماكن الحجر الصحي داخل المستشفيات. أما اليوم فتجري توسعة نطاق الحجر الصحي وهو ما يمثل بالطبع قيدًا، لكنه لا يعني تقييدًا للحرية.


[1] حفلات كورونا أو حفلات الحجر الصحي هي تجمعات/تظاهرات تهدف شكليًا إلى حـصـر فيروس كوفيد-19، لكن المشاركين فيها يسعون من ورائها إلى الإعراب عن عدم قلقهم من خطورة الفيروس بوجه عام وقد انتشرت هذه الحفلات مؤخرًا في الولايات المتحدة وألمانيا ودول أخرى (المترجم).

الرابع عشر بعد المائة ترجمات ثقافة وفكر

عن الكاتب

Avatar

أحمد الزناتي