التجربة الدينية الجديدة في أمريكا العلمانية

كتب بواسطة مصطفى شلش

“دفع فيروس كورونا الكثير من الناس إلى البحث عن العزاء والتعامل بجدية أكبر مع الدين، لكن هذه التعبيرات الخاصة عن الإيمان، بلغتها التي عفا عليها الزمن وإحساسها بالمباهج التاريخية، هي جزء من اتجاه أوسع، اتجاه يسبق الوباء، ومع ذلك تجعل هذه الأزمة كل شيء أوضح. المزيد والمزيد من الشباب المسيحيين، الذين خاب أملهم من الثنائيات السياسية والشكوك الاقتصادية والفراغ الروحي التي أصبحت سمات لأمريكا الحديثة، يجد المؤمنيين الجُدد العزاء في رؤية الإيمان المناهضة للحداثة. ونظرًا لأن فيروس كورونا وعمليات الإغلاق اللاحقة تلقي بإخفاقات النظام الاجتماعي الحالي بشكل صارخ، فإن الأشكال القديمة من التدين تُقدم لمحة عن المتعالي وراء الحاضر. يسمي الكثير من هؤلاء أنفسهم “المسيحيين الغرباء”، وإن كان ذلك بدافع الدعابة جزئيًا. ما يشتركوا فيه هو أنهم يروا أن العودة إلى أشكال العبادة في المدرسة القديمة وسيلة للهروب من أزمة الحداثة والإيمان الليبرالي الرأسمالي بالفردانية”.[i]

ما سبق مُقتطف مِن مقال نُشر في مايو 2020، للكاتبة تارا إيزابيلا بيرتون في صحيفة نيويورك تايمز[ii] بعنوان: Christianity Gets Weird عن مجتمع ديني ناشئ في الولايات المتحدة الأمريكية، وكتبت أن عددًا متزايدًا من الشباب الأمريكيين الجياع روحياً يجدون العزاء في حضور القداس اللاتيني، وترديد الهتافات الغريغورية، وحتى ارتداء الحجاب للكنيسة، وصفت بيرتون الجوانب الجذابة للليتورجيا التقليدية، بداية مِن جمالها الجوهري إلى دورها التاريخي في توفير العون عبر العصور. كتبت بيرتون عن قوة الجماليات الدينية مثل: العمارة الكنسية، والبخور، والألحان الحزينة – وذكرت أنه بالنسبة لبعض المسيحيين الشباب، كان إيمانهم مرتبطًا بالالتزامات السياسية التقدمية، لكنها مُخيبة للآمال ما دفعهم بإصرار على رؤية إمكانية أن تكن المسيحية “حصنًا ضد أسوأ ما في الحداثة”، حيث تقدم عزاء روحي عن العمل المهين للإنسانية والضربات القاسية تحت وطأة رأسمالية القرن الحادي والعشرين.

تكشف سردية بيرتون الطبيعة الظاهرية المُتناقدة للولايات المتحدة المعاصرة، حيث تشير إلى أن حوالي ربع البالغين الأمريكيين يقولون إنهم غير منتسبين دينياً، وبالنسبة لأولئك الذين ولدوا بعد عام 1990، فإن هذا العدد يرتفع إلى ما يقرب من 40% تقريبًا واحد من كل خمسة أمريكيين نشأ على دين فقد تركه للانضمام إلى صفوف “اللادينيين”[iii]. بينما 43 % فقط من البالغين الأمريكيين يطلقون على أنفسهم “بروتستانت”، بانخفاض عن 51 % قبل 13 عامًا، وفقًا لمسح أجراه مركز بيو للأبحاث. كما تراجعت نسبة الأمريكيين الكاثوليك أربع نقاط لتصل إلى 20 %. وفقًا لآخر دراسة موسعة  في عام 2014، حتى بين الأمريكيين الذين يقولون إنهم ينتمون إلى تقليد ديني ، فإن القليل نسبيًا يمارسون شعائرهم الدينية بانتظام. أقل من 40 % من الكاثوليك، وثلث البروتستانت، حضروا القداس أسبوعيًا، وفقط 22 % من حفلات الزفاف الأمريكية تقام في دور العبادة، بانخفاض مِن 41 % في عام 2009. حتى الأمريكيين الذين يؤمنون بقوة أعلى هم أقل رغبة من أي وقت مضى للالتزام بالعقيدة. فالعناصر التقليدية للحياة الدينية المشتركة: “المجتمع، والطقوس، والشعور بالهدف” أصبحت “مفككة” بشكل متزايد عن بعضها البعض، على حد تعبير علماء مدرسة هارفارد اللاهوتية كاسبر تير كويل وأنجيلا ثورستون وسو فيليبس.

 تشير إحصاءات بيرتون إلى واقع إن اللادينيين، كما يُعرفون غالبًا، هم أكبر ديموغرافيات دينية في أمريكا، بالإضافة إلى أنهم الأسرع نموًا. ومع ذلك، بيرتون تجادل بأنه إذا نظرنا أعمق، فسنرى صورة أكثر دقة لهؤلاء الأمريكيين الذين يُفترض أنهم ملحدون. ما يقرب من ثلاثة أرباعهم يؤمنون بنوع ما من السلطة العليا، ويذكر العديد منهم أنهم يمارسون ممارسات يمكن اعتبارها دينية على نطاق واسع، وهي ما تجعل تصنيفهم يدخل تحت صفة “مؤمنين”.

أما “المهجنين الدينيون”[iv]، وهكذا تصيغ بيرتون فئة جديدة مِن الناس الذين يصوغون معتقداتهم بشكل توفيقي، قد يحضر أحيانًا العضو الممثل لهذه الفئة، على سبيل المثال، خدمات في الكنيسة، ويضيء شموع السبت، ويقوم بتحميل تطبيق Headspace  للتأمل الذهني. تجمع بيرتون كل هذه الأنماط من الإيمان والروحانية في القرن الحادي والعشرين تحت مظلة “المزج الديني”. بالنسبة لها، فإن القاسم المشترك بين المُعاد خلطهم هو مقاومة المؤسسات والقواعد والمطالب التي تأتي معها، ومع ذلك يظلون منجذبين إلى فكرة الألوهية والتعالي.

إن المسيحية الهجينة تمثل بديلاً لكل من “الأشكال الأكثر ليبرالية أو محافظة للمسيحية الأمريكية”. قد لا يكون هذا النهج تجاه المسيحية مثل الأسلوب الأكثر تمثيلًا في وسائل الإعلام الرئيسية – والذي يميل إلى التركيز إما على الإنجيليّة البيضاء المحافظة سياسياً أو ما يعادلها. لكن من المحتمل أن يعكس المستقبل للحياة المسيحية في عصر علماني: كرفض روحاني مشبع للثنائي السياسي الأمريكي والإمكانيات المحدودة لثقافة تنكر التعالي.

تجد بيرتون جذور هذه المقاربة – والتي تسميها “حدسية” مقابل “مؤسسية” [v]– عميقة في التاريخ الأمريكي، فتعود إلى القرن التاسع عشر، حيث أمجاد الفلسفة المتعالية والتي تُقر بأولوية الذات ضد قيود المجتمع التي كانت، على حد تعبير رالف والدو إمرسون ، “مؤامرة ضد ذات كل فرد من أعضائه”. تظن بيرتون إن هذا النمط مِن الفكر (بتركيزه على التفكير الإيجابي) والروحانية (التي تتمحور حول التواصل مع الموتى) يرفع الذات فوق سلطة وبنية الأديان المنظمة.

في الوقت نفسه، وعلى الرغم من الاستمرارية التاريخية، تُحدد بيرتون عاملين جديدين يعززان النزعة الحدسية: صعود الرأسمالية الاستهلاكية وظهور الإنترنت. لقد غرسا هذين الطاغوتينن معًا في الأمريكيين، وخاصة الأجيال الشابة، التوقع بأنه يجب أن نكون قادرين على تلبية حاجتنا إلى المقدس بنفس الطريقة الرقمية فائقة الخصوصية التي نبحث بها عن الرومانسية أو نجد فيلم للترفيه على Netflix.[vi] إن النهج الفضفاض لأمريكا الحديثة تجاه الروحانية هو ما يجذب العديد من الأمريكيين إلى مفهوم أكثر تطلبًا للإيمان. ومع ذلك، في الوقت نفسه ، فإن الابتكارات التكنولوجية للثقافة الأمريكية الحديثة  هي التي تجعل العثور على قبيلتهم الروحية أمرًا ممكنًا. وتعد منصات وسائل التواصل الاجتماعي ، مع ملايين المستخدمين والخوارزميات المصممة لتعريض المستخدمين لأفراد متشابهين في التفكير ، تربة خصبة لتجمعات إلكترونية مثل Weird Catholic Twitter ، وهو مصطلح شامل فضفاض لبضع مئات من الكاثوليك عبر الإنترنت في الغالب من جيل الألفية. (هناك مجموعات إنجليكانية وأرثوذكسية أصغر).

تواصل بيرتون استكشاف بعض التعبيرات المحددة لـ “ديانة” الهجينة الجديدة – والطرق التي يغرسون بها المعنى والهدف في مجتمعاتهم وممارساتهم. وتتميز بعض ساحات استطلاعات بيرتون بإيحاءات روحية لا لبس فيها. ولقد لاحظت أن السحر أصبح شائعًا بشكل ملحوظ. وتستشهد ببيانات عام 2014 من مركز بيو للأبحاث والتي تظهر أن مليون أمريكي يحدد انتماءهم الديني الأساسي على أنه إيمان العصر الجديد أو نيو – وثنية أو الويكا (أشهر ديانة وثنية جديدة – تم إشهار الويكا في سنة 1954 على يد جرلد غاردنر وهي الآن موجودة في العديد من دول العالم) بالإضافة إلى الشعوذة (باعتبارها “ممارسة منتشرة وغير مركزية ونظام روحي، يفسح المجال بسهولة للانتقائية البديهية المعاصرة”). ثم هناك صناعة الصحة الروحانية، وفقًا لبورتون، غالبًا ما تستدعي الشركات شكل غامض مِن الروحانية في الترويج ما يعزز روحًا ثقافية.

لكن بيرتون تعتبر أيضًا العديد من وجهات النظر الأخرى دينية والتي قد تبدو علمانية تمامًا، أولها هو ما تسميه “ثقافة العدالة الاجتماعية”، والتي تقول إنها تتكيف مع “المعتقدات الشخصية والفردية للفكر الجديد (المجتمع القمعي يشوه إحساسنا بالإدراك والقدرة على أن نكون أصدق مع أنفسنا)، وهذه العقيدة تُساهم في القضاء على العنصرية والتمييز الجندري وأشكال أخرى من التعصب والظلم. وثانيها وهو اليوتوبيا التقنية في وادي السيليكون، والتي يكتب عنها أنها مكرسة لتحسين الذات بفضل التطورات التكنولوجية والبيولوجية. وبالنسبة إلى الطوباويين التقنيين، التعالي يعني التحرر من حدود الجسم البشري واستكمال القدرات الضئيلة للعقل البشري. وثالثها هو “الارتداد الرجعي” الذي يؤمن بضرورة إستعادة التسلسلات الهرمية القديمة التي زعزعتها النسوية وقوى الحداثة الأخرى.

حجة بيرتون هي أنه في حين أن الأشخاص الذين ينضمون إلى هذه الثقافات الفرعية يختلفون بوضوح بعضهم عن البعض ولا يبحثون عن وعي عن بدائل للدين ، فإن مشاركتهم مدفوعة ببعض الدوافع نفسها التي جذبت الناس دائمًا إلى الدين: إنهم يريدون المجتمع ، والشعور بالدين، وإجاد الهدف، وسرد متماسك لفهم العالم. وعلى الرغم من عدم تلبية أي من هذه الثقافات الفرعية بالضرورة جميع معايير الدين، لم يعد عليهم ذلك: فثقافة المزج والمطابقة الحالية تعني أن الأشخاص الذين تم إعادة دمجهم يمكنهم الحصول على شعورهم بالمجتمع من مكان واحد (قاعدة جماهيرية مكثفة، على سبيل المثال) وإحساسهم بالمعنى من شخص آخر (نشاط العدالة الاجتماعية، أو اليوتوبيا التقنية) “. وبالنسبة لعنصر الطقوس، فقد يتحصلون عليه مِن دروس اليوغا.[vii]

أخيرًا، تتسأل بيرتون: “لماذا نأخذ معتقداتنا في فئة ضيقة من الدين المنظم، بمذاهبه ومعتقداته، بينما يمكننا أن نجمع معًا نظامًا ميتافيزيقيًا لا يتطلب منا تنازلات أخلاقية أو روحية أو جمالية؟ لماذا لا نجمع بين التأمل وخدمة عيد الميلاد وترانيمها الجمالية المبهجة؟”[viii] إن الوباء أوضح تمامًا أن كلا من الرؤى الليبرالية والمحافظة للحياة الأمريكية ، القائمة على “تحقيق الذات من خلال التحرر لمتابعة رغبات المرء” ليست كافية. واتضح أننا بحاجة إلى بعضنا البعض، وأن ما أن ما تقدمه المسيحية الهجينة والنماذج الآخرى هو “نسخة من حياتنا المشتركة الأقوى من السعي الفردي لتحقيق الرغبة أو الربح”.

ليس من الواضح كيف سيبدو العالم عندما ينتهي جائحة الفيروس التاجي أخيرًا. لكن بالنسبة لهؤلاء المسيحيين المُهجنين، تُعتبر هذه الأزمة كدعوة للعمل. إن الحركة المسيحية الهجينة، لا تتعلق فقط بجمالياتها التقليدية الشريرة، بل هي تثمين لماضٍ نصف متخيل. وتكون في أقوى حالاتها عندما تتحدى الحاضر، وتعيد تصور المستقبل. إن أتباعها، مثل العديد من الشباب الأمريكيين من جميع المعتقدات الدينية، يتميزون بجوعهم لشيء أكثر مما يمكن للثقافة الأمريكية المعاصرة أن تقدمه، وهو شيء متسامي ، وذو مغزى سياسي ، وتحدي شخصي. ويتميز بـ “الأصالة”، وتعكس صعود المسيحية الهجينة رغبة أمريكا غير المحققة في شيء حقيقي.


[i] https://www.nytimes.com/2020/05/08/opinion/sunday/weird-christians.html

[ii] https://www.nytimes.com/2020/05/08/opinion/sunday/weird-christians.html

[iii] https://www.thenation.com/article/society/tara-isabella-burton-strange-rites/

[iv] https://www.nytimes.com/2020/05/08/opinion/sunday/weird-christians.html

[v] https://www.thenation.com/article/society/tara-isabella-burton-strange-rites/

[vi] https://www.thenation.com/article/society/tara-isabella-burton-strange-rites/

[vii] https://www.thenation.com/article/society/tara-isabella-burton-strange-rites/

[viii] https://www.thenation.com/article/society/tara-isabella-burton-strange-rites/

مصدر الصورة: https://cutt.ly/NjIUHSq

العدد الأخير العدد الخامس عشر بعد المئة ثقافة وفكر سياسة

عن الكاتب

مصطفى شلش

1 Comment

  • Negatif SEO ile rakiplerinizin sitelerini kolaylıkla
    alt sıralara düşürebilir ve siz rakiplerinizin yerine geçebilirsiniz.

    Sizler için sevmediğiniz yada rakip sitelerinize ANTİ SEO çalışması yani Negatif SEO çalışması
    yapabilirim.

    With negative SEO, you can easily lower your competitors’ sites and you can replace your competitors.

    I can do ANTI SEO work, that is, Negative SEO work
    for you or your competitor sites that you do not like.

    Negatif SEO

اترك تعليقاً